أطلق رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف “صمود”، عبد الله حمدوك، تحذيراتٍ قويةً من مستقبل السودان، مؤكدًا أنّ البلاد تواجه “معركةً وجوديةً” تهدّد بقاء الدولة نفسها، في وقتٍ شدّد فيه على أنّ الحرب الدائرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام لا يمكن إنهاؤها عبر الحسم العسكريّ، داعيًا إلى تسويةٍ سياسيةٍ شاملةٍ تنقذ السودان من الانهيار.
وجاءت تصريحات حمدوك خلال مشاركته في اجتماعات القوى السودانية الرافضة للحرب المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي، والتي تختتم أعمالها السبت، بمشاركة تحالفاتٍ سياسيةٍ وقوى مدنيةٍ وحركاتٍ مسلحةٍ وشخصياتٍ عامةٍ وقّعت على “إعلان المبادئ لبناء وطنٍ جديدٍ”.
وقال حمدوك، خلال كلمته الافتتاحية، إنّ السودان يعيش واحدةً من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، مضيفًا أنّ الكارثة الإنسانية الناتجة عن الحرب تُعدّ “الأكبر في العصر الحديث”، وتتجاوز في آثارها الإنسانية والاقتصادية والأمنية كثيرًا من النزاعات حول العالم.
ووصف رئيس الوزراء السوداني السابق الوضع في البلاد بأنّه “معركةُ وجودٍ يكون فيها السودان أو لا يكون”، محذرًا من استمرار الحرب وتفاقم الانقسامات السياسية والعسكرية.
وأكد حمدوك أنّ الأزمة السودانية “لا يمكن أن تُحسم عسكريًّا”، مشددًا على أنّ الحلّ الوحيد يتمثل في عمليةٍ سياسيةٍ شاملةٍ تستند إلى توافقٍ وطنيٍّ واسعٍ وعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يقوم على احترام التنوع وترسيخ مبدأ المواطنة بلا تمييز.
وأوضح أنّ نجاح أيّ تسويةٍ يتطلّب السير في ثلاثة مساراتٍ متوازيةٍ تشمل الملف الإنساني ووقف إطلاق النار وإطلاق العملية السياسية، مضيفًا أنّ هذه المسارات يجب أن تتحرك بصورةٍ متزامنةٍ ومتكاملةٍ للوصول إلى سلامٍ مستدامٍ.
وأشار حمدوك إلى أنّ اجتماعات نيروبي تسعى إلى بلورة رؤيةٍ متكاملةٍ تمثل مساهمةً فاعلةً من القوى المدنية السودانية لإنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال المدنيّ الديمقراطيّ.
وشدّد على ضرورة أن يقود السودانيون بأنفسهم العملية السياسية المقبلة، محذرًا من أنّ فشل القوى المدنية في التوافق على رؤيةٍ موحدةٍ قد يفتح الباب أمام فرض ترتيباتٍ خارجيةٍ على السودان “من دون إرادة السودانيين”.
وفي ملف الوساطات الدولية، أشاد حمدوك بالمبادرات الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف الحرب، لكنه منح “المبادرة الرباعية” أهميةً خاصةً، واصفًا إياها بأنّها “الأكثر جديةً وتأثيرًا”.
وتضمّ المبادرة الرباعية الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، بينما قال حمدوك إنّها تتميّز بامتلاكها “خارطةَ طريقٍ واضحةً” تستند إلى خمسة مبادئ رئيسية وسبعة التزاماتٍ أساسيةٍ مرتبطةٍ بوقف الحرب وإطلاق العملية السياسية.
وأضاف أنّ المبادرة قدّمت “توصيفًا دقيقًا للأزمة السودانية”، معتبرًا أنّ أحد أبرز عناصر قوتها يتمثل في استبعاد جماعة الإخوان المسلمين، التي حمّلها مسؤولية “تقويض الحياة السياسية وتدهور الأوضاع” في السودان.
كما وجّه حمدوك الشكر إلى دول الجوار السوداني التي استقبلت ملايين اللاجئين الفارّين من الحرب، مشيدًا بالدور الإنسانيّ الذي لعبته في ظلّ الأزمة المتفاقمة.
وتأتي اجتماعات نيروبي في وقتٍ تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، وسط استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وهي الحرب التي أدّت إلى مقتل الآلاف ونزوح ملايين السودانيين وانهيار الخدمات الأساسية في مناطقَ واسعةٍ من البلاد.
وشهدت الاجتماعات مشاركة ممثلين عن “تحالف صمود” وحزب الأمة القومي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة تحرير السودان والتجمع الاتحادي وهيئاتٍ تمثل اللاجئين والنازحين ومحامي دارفور، إلى جانب شخصياتٍ وطنيةٍ مستقلةٍ.
وفي السياق ذاته، دعا رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، بينما أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق واضحة وآلياتٍ عمليةٍ لإنهاء القتال ومعالجة جذور الأزمة السودانية.
وكانت ناقشت القوى السودانية الرافضة للحرب، الموقعة على “إعلان المبادئ لبناء وطن جديد”، خلال اجتماعاتها المتواصلة في العاصمة الكينية نيروبي، ورقةً سياسيةً بعنوان “وقف إطلاق النار المؤقت وترتيبات إنهاء الحرب”، ضمن تحركات سياسية تستهدف وضع خارطة طريق لإنهاء النزاع المستمر في السودان.
وقدّم الورقة نائب رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الله حران، متضمنةً مقترحاتٍ لوقف إطلاق نار مؤقت لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، تحت رقابة محلية وإقليمية ودولية، بهدف خفض مستوى العنف وتهيئة الأجواء لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة.
وشملت المقترحات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إضافةً إلى حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، في إطار محاولة لتوسيع دائرة التوافق حول أي تسوية محتملة.
ودعت الورقة إلى إنشاء “اللجنة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار”، لتتولى مراقبة تنفيذ الاتفاق والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب تشكيل “المفوضية السياسية لوقف إطلاق النار” للإشراف السياسي ومعالجة أي خلافات قد تظهر خلال مراحل التنفيذ.
وأكدت الورقة أهمية الدور المدني في دعم جهود إنهاء الحرب، من خلال تعزيز مبادرات السلام والمصالحة المجتمعية، ورصد الانتهاكات، ودعم مبادئ حقوق الإنسان والشفافية خلال تنفيذ الترتيبات المقترحة.
وفي إطار ترتيبات ما بعد الحرب، تضمنت الورقة الدعوة إلى تأسيس جيش وطني مهني موحد يخضع لقيادة مدنية، مع إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية، وتنفيذ برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.
كما اقترحت تشكيل وحدات عسكرية مشتركة ومجلس دفاع موحد لضمان وحدة القيادة والسيطرة داخل السودان، في خطوة تستهدف إنهاء الانقسامات العسكرية التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب.
وشددت الورقة على ضرورة تفكيك التشكيلات العسكرية ذات الارتباطات الأيديولوجية، بما في ذلك كتائب البراء والتنظيمات المرتبطة بالحركة الإسلامية، باعتبار أن بناء سلام مستدام يتطلب مؤسسة عسكرية قومية بعيدة عن الانتماءات السياسية والحزبية.
وأكد المشاركون في الاجتماعات أن الورقة تمثل تصورًا عمليًّا للانتقال من الحرب إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والعدالة والسلام المستدام، بما يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في السودان.
وتتواصل الاجتماعات في يومها الختامي بمشاركة تحالفاتٍ سياسيةٍ وأحزابٍ وقوى مدنية وشخصيات عامة، وسط توقعات بخروج توافقات تتعلق بإطلاق عملية سياسية شاملة تشمل المسارين الإنساني والسياسي وترتيبات وقف إطلاق النار.
هذا ويشهد السودان حربًا داميةً منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدّى إلى واحدةٍ من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًّا، بحسب الأمم المتحدة، مع اتساع رقعة المجاعة والانهيار الصحيّ والنزوح الجماعيّ.
التغيير
المصدر:
الراكوبة