آخر الأخبار

من طهران إلى بورتسودان: كيف كشفت وثائق أميركية شبكة تهريب سلاح عابرة للحدود تمر عبر تركيا؟

شارك

لم يكن توقيف الإيرانية شميم مافي في مطار لوس أنجلوس مجرد قضية جنائية عابرة في سجلات القضاء الأميركي، بل فتح نافذة واسعة على واحدة من أكثر شبكات تهريب السلاح تعقيدًا في الشرق الأوسط، شبكة تمتد خيوطها من طهران إلى إسطنبول، وتنتهي – بحسب لائحة الاتهام الأميركية – عند الجيش السوداني الذي يخوض حربًا مدمرة منذ أبريل 2023.

الوثائق التي رفعت عنها السرية مؤخرًا، والصادرة عن محكمة فدرالية في ولاية كاليفورنيا، تكشف عن نموذج متكامل لاقتصاد الحرب: شركات واجهة، تحويلات مالية معقدة، وسطاء يحملون جنسيات متعددة، واستغلال لثغرات النظام المالي الإقليمي لتجاوز العقوبات الدولية ونقل معدات عسكرية تشمل طائرات مسيّرة وذخائر ومكوّنات متفجرة.

امرأة في قلب الشبكة.

بحسب لائحة الاتهام، تتهم السلطات الأميركية شميم مافي، وهي إيرانية مقيمة في الولايات المتحدة، بالعمل كوسيط لتسهيل صفقات أسلحة لصالح جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية. وتشير الوثائق إلى أن “مافي” لم تكن مجرد سمسار تقليدي، بل جزءًا من بنية تشغيلية معقدة تعمل على إعادة تدوير شبكات التهريب القديمة التي استخدمتها طهران خلال سنوات العقوبات.

وتقول السلطات الأميركية إن الصفقات شملت “طائرات مسيّرة، قنابل، صواعق تفجير، وملايين الطلقات من الذخيرة” جرى التفاوض بشأنها لصالح القوات المسلحة السودانية. كما تشير التحقيقات إلى أن إحدى الصفقات بلغت قيمتها نحو 70 مليون دولار، وتضمنت طائرات مسيّرة إيرانية من طراز “مهاجر 6”.

ورغم أن إيران خضعت لسنوات لعقوبات صارمة تتعلق بتصدير السلاح، إلا أن الوثائق تكشف كيف جرى الالتفاف على تلك القيود عبر شبكات مالية وتجارية عابرة للحدود.

تركيا .. نقطة العبور الهادئة.

أكثر ما يلفت الانتباه في ملف التحقيق الأميركي ليس فقط طبيعة الأسلحة أو وجهتها، بل الدور المحوري الذي لعبته تركيا كمنصة مالية ولوجستية.

فالتحقيقات الأميركية تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من التحويلات المالية المرتبطة بصفقات السلاح مر عبر شركات صرافة وكيانات تجارية داخل تركيا. كما استخدمت شركات مسجلة بأسماء تجارية مختلفة لتحويل الأموال وإخفاء المصدر الحقيقي للمدفوعات.

وبحسب إفادات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، فإن تركيا تحولت عمليًا إلى “منطقة عبور” تسمح بتمرير الأموال وإعادة توزيعها بين أطراف متعددة، مستفيدة من مرونة النظام التجاري، واتساع القطاع الخاص، وضعف الرقابة على بعض التدفقات العابرة للحدود.

ولا تتهم الوثائق الحكومة التركية رسميًا بالتورط المباشر، لكنها تطرح أسئلة حساسة حول قدرة شبكات التهريب على استخدام الأراضي التركية والبنية المالية المحلية للتحايل على العقوبات الدولية.

ويقول خبراء في مكافحة غسل الأموال إن شبكات تهريب السلاح الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السفن السرية أو الطائرات العسكرية، بل باتت تستخدم أدوات الاقتصاد المدني نفسه: شركات استيراد وتصدير، حسابات مصرفية، مكاتب صرافة، وشبكات نقل تجارية تبدو قانونية في ظاهرها.

السودان .. سوق الحرب المفتوحة.

اندلاع الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع خلق طلبًا هائلًا على السلاح والذخيرة والطائرات المسيّرة، ما جعل السودان ساحة جذب لشبكات التهريب الإقليمية.

ومنذ بداية الحرب، واجه الجيش السوداني تحديات كبيرة في الحصول على الإمدادات العسكرية بسبب الضغوط الدولية وتعقيدات التمويل، بينما اتهمت أطراف سودانية وإقليمية قوى خارجية بدعم خصومه بالسلاح.

في هذا السياق، تبدو إيران – وفق مراقبين – مستفيدة من فرصة إعادة بناء نفوذها في السودان بعد سنوات من التراجع في العلاقات الثنائية.

فالخرطوم وطهران كانتا حليفتين لعقود قبل أن يقطع السودان علاقاته مع إيران عام 2016 تحت ضغط التحالفات الخليجية. لكن مع تعقّد الحرب الحالية، عادت قنوات الاتصال تدريجيًا، وسط تقارير متزايدة عن وصول طائرات مسيّرة إيرانية إلى الجيش السوداني.

التحقيق الأميركي يمنح هذه الاتهامات بعدًا أكثر خطورة، لأنه يربطها بوثائق قضائية وتحقيقات فدرالية تتحدث عن عمليات تسليح ممنهجة، وليست مجرد صفقات متفرقة.

الطائرات المسيّرة .. سلاح الحرب الجديدة.

تكشف القضية أيضًا عن التحول الكبير في طبيعة تجارة السلاح المرتبطة بالنزاعات الإقليمية. فبدلًا من الدبابات الثقيلة والطائرات التقليدية، أصبحت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أداة مركزية في الحروب الحديثة. والطائرة الإيرانية “مهاجر 6” التي ورد اسمها في التحقيق الأميركي تُعد واحدة من أبرز المسيّرات التي استخدمتها طهران وحلفاؤها في عدة ساحات صراع.

هذه المسيّرات تمنح الجيوش والجماعات المسلحة قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بتكاليف منخفضة نسبيًا، كما يصعب أحيانًا تتبع خطوط إمدادها مقارنة بالأسلحة الثقيلة التقليدية.

وبحسب خبراء عسكريين، فإن انتشار المسيّرات في السودان غيّر طبيعة المعارك داخل المدن، خاصة في الخرطوم ودارفور، حيث أصبحت الهجمات الجوية الدقيقة جزءًا من الحرب اليومية.

اقتصاد الظل والعقوبات.

اللافت في الوثائق الأميركية أنها لا تتحدث فقط عن تهريب أسلحة، بل عن “بنية اقتصادية موازية” تعتمد على الالتفاف المنهجي على العقوبات.

وتشير التحقيقات إلى استخدام شركات في سلطنة عمان وتركيا ودول أخرى كواجهات لإخفاء الأطراف الحقيقية المشاركة في الصفقات. كما جرى استخدام وسطاء يحملون إقامات أو جنسيات أجنبية لتسهيل الحركة المالية وتقليل الشبهات.

هذا النموذج ليس جديدًا بالكامل؛ فإيران طورت خلال العقود الماضية خبرة واسعة في الالتفاف على العقوبات عبر شبكات تجارة غير رسمية تمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا وأفريقيا.

لكن الجديد هنا هو دخول السودان بقوة إلى هذه الشبكات، مدفوعًا بالحرب والانهيار الاقتصادي والحاجة المستمرة إلى السلاح.

هل تتحول القضية إلى أزمة دبلوماسية؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على توجيه اتهامات رسمية للحكومة التركية أو السودانية في القضية. إلا أن حساسية الملف قد تضع عدة عواصم تحت ضغط دولي متزايد، خاصة إذا توسعت التحقيقات الأميركية وكشفت أسماء شركات أو مسؤولين إضافيين.

كما أن القضية قد تعيد فتح ملف الرقابة على شركات الصرافة والتحويلات المالية في المنطقة، في ظل اتهامات متكررة بوجود ثغرات تُستغل لتمويل النزاعات المسلحة.

ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى من خلال نشر هذه الوثائق إلى إرسال رسائل متعددة: أولها تحذير إيران من توسيع نفوذها العسكري في أفريقيا، وثانيها الضغط على شبكات التمويل غير الرسمية التي تستخدمها طهران، وثالثها مراقبة مسارات التسليح في الحرب السودانية التي تحولت تدريجيًا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.

حرب تتغذى على الشبكات العابرة للحدود.

تكشف قضية “شميم مافي” أن الحرب السودانية لم تعد نزاعًا محليًا بين طرفين متقاتلين، بل أصبحت جزءًا من سوق إقليمية معقدة للسلاح والمال والنفوذ.

وفي قلب هذه السوق، تظهر شبكات تهريب قادرة على تجاوز الحدود والعقوبات والقوانين، مستفيدة من هشاشة الرقابة الدولية وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية.

الوثائق الأميركية لا تقدم الصورة كاملة بعد، لكنها تكشف بوضوح أن خطوط الحرب في السودان لا تُرسم فقط في الخرطوم أو دارفور، بل أيضًا في مكاتب صرافة بإسطنبول، وشركات واجهة في الخليج، وغرف تنسيق مرتبطة بطهران.

ومع استمرار الحرب، تبدو هذه الشبكات مرشحة لمزيد من التوسع، ما يعني أن معركة السودان قد تبقى مفتوحة ليس فقط على الأرض، بل أيضًا في دهاليز المال والسلاح العابرة للقارات.

فجر برس

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا