آخر الأخبار

السودان على خرائط الإرهاب الأمريكية.. كيف تقود سياسات الجيش البلاد للهاوية؟

شارك

تحوّل السودان، في الرؤية الأمريكية الجديدة، من ساحة حرب داخلية إلى نموذج خطير للدولة التي دفعتها الفوضى العسكرية والانهيار الأمني نحو هاوية الإرهاب العابر للحدود.

فاستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تضع السودان ضمن المناطق التي أعادت فيها بقايا داعش والقاعدة تموضعها بعد سقوطها في العراق وسوريا، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الغربية من أن السياسات التي اتبعها الجيش السوداني، واعتماده على المليشيات والانفلات المسلح، ساهمت في خلق بيئة مثالية لعودة الجماعات المتشددة.

ولا تنظر واشنطن إلى السودان باعتباره مجرد أزمة أهلية أو إنسانية، بل كساحة تتقاطع فيها الفوضى المسلحة، وشبكات الإسلام السياسي، والبحر الأحمر، والتهديدات الإرهابية التي تخشى الولايات المتحدة تمددها في أفريقيا والشرق الأوسط.

ويبدو السودان داخل العقيدة الأمريكية الجديدة جزءًا من معركة أوسع تشمل الإرهاب، والمليشيات، والممرات البحرية، وصراعات النفوذ، في منطقة تتجه تدريجيًا إلى التحول لساحة مواجهة أمنية مفتوحة.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشأن السوداني شوقي عبدالعظيم، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الأزمة السودانية الحالية تُعد «أكثر تعقيدًا» من كثير من أزمات المنطقة، محذرًا من أن استمرار الحرب والانهيار الأمني يفتحان الباب أمام تمدد التنظيمات الإرهابية داخل السودان، خاصة مع تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المرتبطة بتنظيم الإخوان.

كما اعتبر أن السودان بات مهددًا بالتحول إلى بؤرة تستغلها الجماعات المتشددة في أفريقيا والبحر الأحمر، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة واستمرار حالة الفوضى المسلحة.

السودان ضمن خرائط «عودة داعش»

وتكشف الوثيقة الأمريكية عن تحوّل أفريقيا إلى الساحة البديلة للتنظيمات الإرهابية بعد انهيار «الخلافة» المكانية لتنظيم داعش الإرهابي خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى.

وبحسب الاستراتيجية، فإن بقايا التنظيمات المتشددة استغلت الفراغات الأمنية والمساحات الخارجة عن سيطرة الحكومات لإعادة التموضع، خاصة خلال سنوات ما تصفه واشنطن بـ«سياسات مكافحة الإرهاب الفاشلة» في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

وفي هذا الإطار، تذكر الوثيقة السودان صراحة ضمن المناطق التي تشهد تهديدًا إرهابيًا متجددًا، إلى جانب غرب أفريقيا والساحل وحوض بحيرة تشاد وموزمبيق والصومال.

ويمثل هذا التصنيف تحولًا مهمًا في النظرة الأمريكية للسودان، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره دولة تعاني صراعًا داخليًا، بل كجزء من «قوس التهديد الإرهابي» الممتد من الساحل الأفريقي إلى البحر الأحمر.

وترى دوائر أمريكية وغربية أن استمرار الحرب والانهيار الأمني في السودان خلق بيئة مثالية لإعادة تموضع الجماعات المتشددة، في ظل اتساع المساحات الخارجة عن السيطرة، وانتشار السلاح، وتفكك مؤسسات الدولة.

وأوضح شوقي عبدالعظيم أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لعام 2026 تضمنت إشارات واضحة إلى السودان باعتباره ساحة مفتوحة محتملة للتنظيمات الإرهابية، مشيرًا إلى أن تنظيم داعش الإرهابي ذُكر تحديدًا باعتباره يسعى لاستغلال حالة الفراغ الأمني للدخول إلى السودان.

وأضاف أن تركيز الاستراتيجية كذلك على ملف مكافحة التنظيمات العابرة للحدود، يعكس حجم القلق الدولي المتزايد من تحول السودان إلى نقطة جذب للتطرف والإرهاب في المنطقة.

وأشار إلى أن تعقيد المشهد السوداني يرتبط بالدور الذي تلعبه الجماعات الإسلامية خلال الحرب الحالية، موضحًا أن الحركة الإسلامية السودانية تحاول استخدام أدوات التطرف والعنف لتحقيق أهداف سياسية.

وقال إن الحركة الإسلامية، التي تمثل الامتداد المحلي لتنظيم الإخوان العالمي، تُعد «البذرة الأساسية للتطرف والحركات المتشددة» في السودان، معتبرًا أن نفوذها المتزايد في ظل الانهيار الأمني يجعل البيئة السودانية أكثر خصوبة لانتشار الجماعات المتطرفة بوتيرة متسارعة.

الجيش والفوضى المسلحة

وتربط تقديرات غربية بين السياسات التي اتبعها الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب وبين اتساع حالة الانفلات الأمني، معتبرة أن إدارة الصراع بمنطق الحسم العسكري، دون مشروع سياسي أو ترتيبات أمنية مستقرة، ساهمت في تفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة.

وبحسب تقارير سابقة، فإن اعتماد الجيش على كتائب ومليشيات مسلحة خارج الأطر النظامية أوجد واقعًا أمنيًا شديد الهشاشة، تقوم فيه جماعات مسلحة متعددة بالتحرك خارج أي تسلسل قيادي واضح.

وترى هذه التقديرات أن هذا النمط من الفوضى المسلحة يشكل البيئة المثالية التي تستفيد منها التنظيمات الإرهابية لبناء قواعد خلفية وشبكات لوجستية، على غرار ما حدث في مناطق أخرى شهدت انهيارات أمنية في أفريقيا والشرق الأوسط.

كما أثارت مشاهد الانتهاكات الوحشية التي ارتكبتها مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش السوداني مخاوف متزايدة من تطبيع أنماط عنف تتقاطع مع أدبيات التنظيمات الإرهابية، في ظل غياب أي بنية عسكرية منضبطة أو منظومة أمنية قادرة على احتواء الفوضى.

وأضاف عبدالعظيم أن تجارب السودان السابقة مع الجماعات الإسلامية تعزز هذه المخاوف، مشيرًا إلى أن البلاد شهدت خلال فترات سابقة استقطابًا واسعًا لعناصر متطرفة، بينهم زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أسامة بن لادن وعناصر مرتبطة بالتنظيم.

كما أشار إلى ارتباط السودان بقضايا إرهابية بارزة، من بينها تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، فضلًا عن محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، معتبرًا أن هذه السوابق تؤكد أن الجماعات الإسلامية في السودان لم تتردد سابقًا في استخدام الأساليب الإرهابية في صراعاتها السياسية.

«داعش» يلتقط الإشارة
ولم تتأخر التنظيمات المتشددة في قراءة هذا الواقع.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، دعا تنظيم داعش الإرهابي في أحد إصداراته إلى ما سماه «الجهاد في السودان»، موجّهًا دعوة صريحة للمسلحين الأجانب للهجرة إلى البلاد.

وتنظر دوائر غربية إلى هذه الدعوة باعتبارها مؤشرًا خطيرًا على اهتمام التنظيم بالسودان كساحة محتملة لإعادة التموضع، مستفيدًا من حالة السيولة الأمنية، وضعف السيطرة على الحدود، والانهيار الواسع في مؤسسات الدولة.

كما حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن استمرار الحرب قد يحوّل السودان إلى ملاذ آمن للإرهابيين، في تكرار لسيناريوهات شهدتها دول أخرى انهارت فيها مؤسسات الدولة تحت ضغط الصراعات المسلحة.

وفي الاتجاه نفسه، أشار تقرير التهديدات السنوية الصادر عن مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكي إلى أن السودان بات «بيئة مثالية» لنشاط الشبكات الإرهابية والإجرامية نتيجة الحرب المفتوحة والانهيار الأمني المستمر.

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من أن إطالة أمد الحرب تفتح الباب أمام تمدد تنظيمي داعش والقاعدة واستغلالهما للمساحات الشاسعة داخل البلاد في التدريب والتجنيد.

وأكد عبدالعظيم أن استمرار الحرب ورفض السلطات السودانية الانخراط الجاد في تسوية سياسية شاملة، إلى جانب ما وصفه بالشروط التعجيزية التي تعرقل جهود السلام، يفتح المجال بشكل متزايد أمام التنظيمات الإرهابية لاستغلال الفراغ الأمني والتوسع داخل الأراضي السودانية.

وقال إن استمرار الصراع دون اتفاق نهائي أو حكومة مدنية قادرة على فرض السيطرة الأمنية سيؤدي، مع مرور الوقت، إلى تحول السودان إلى «بؤرة» تنطلق منها الجماعات المتطرفة والإرهابية لتهديد دول الجوار والمنطقة بأكملها.

الإخوان في قلب المعادلة

ولا تفصل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بين الإرهاب المسلح وشبكات الإسلام السياسي، بل تربط بينهما ضمن ما تصفه واشنطن بـ«المنظومة المنتجة للتطرف».

وفي هذا السياق، تشير الوثيقة إلى استمرار استخدام أدوات التصنيف والاستهداف ضد شبكات الإرهاب والمنظمات العابرة للحدود، بما في ذلك «تصنيف الفرعين السوداني والمصري لجماعة الإخوان».

ويكشف هذا الطرح عن تحول في المقاربة الأمريكية تجاه السودان، إذ لم يعد يُنظر إلى الإخوان باعتبارهم مجرد فاعل سياسي، بل كجزء من البيئة الأيديولوجية والتنظيمية التي ساهمت – وفق الرؤية الأمريكية – في إنتاج التطرف وتوسيع نفوذ الجماعات المتشددة داخل أفريقيا والشرق الأوسط.

ومن هنا، يدخل السودان في قلب هذه المقاربة باعتباره إحدى الساحات التي شهدت تاريخيًا تداخلًا بين الإسلام السياسي، والجماعات المسلحة، وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

البحر الأحمر.. البعد الأخطر
ولا تتوقف أهمية السودان في الاستراتيجية الأمريكية عند ملف الإرهاب، بل تمتد إلى موقعه الجيوسياسي المطل على البحر الأحمر، الذي تحول إلى أحد أهم مسارح الصراع الدولي.

فالوثيقة الأمريكية تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره أولوية استراتيجية، خاصة مع تصاعد تهديدات المليشيات والجماعات المسلحة للملاحة الدولية والطاقة العالمية.

ومن هذا المنطلق، يصبح السودان جزءًا من معادلة أمنية أوسع تشمل: البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الأفريقي، وشبكات التهريب والسلاح، والنفوذ الإيراني, والحروب غير المباشرة

وأكد عبدالعظيم أن السودان أصبح منذ وقت مبكر جزءًا من معادلات الصراع الجيوسياسي والدولي بسبب موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر.

وقال إن السودان يمتلك ساحلًا طويلًا يمتد لأكثر من ألف كيلومتر على البحر الأحمر، ما يجعله من أهم الدول الأفريقية المطلة على هذا الممر البحري الحيوي، ولذلك دخل مبكرًا في دائرة التنافس الدولي والإقليمي المرتبط بالممرات البحرية والتوازنات العسكرية في المنطقة.

وأضاف أن قوى دولية وإقليمية عدة حاولت خلال السنوات الماضية تعزيز نفوذها في البحر الأحمر عبر السودان، مشيرًا إلى محاولات عدة دول للحصول على موطئ قدم على السواحل السودانية.

واعتبر أن الجيش السوداني والسلطات النافذة يستخدمون «ورقة البحر الأحمر» باستمرار في إطار المساومات السياسية مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك في مواجهة الضغوط الأمريكية.

ورأى عبدالعظيم أن التطورات المتسارعة في البحر الأحمر، إلى جانب التوترات المرتبطة بمضيق هرمز والممرات البحرية العالمية، زادت من أهمية السودان الجيوسياسية، مضيفًا أن موقع السودان على هذا الممر البحري يمنحه دورًا محوريًا في التوازنات الإقليمية والدولية الحالية.

إيران والبحر الأحمر

وفي ما يخص التقارب بين إيران والسلطات السودانية، قال عبدالعظيم إن ملف البحر الأحمر يشهد بالفعل تنافسًا إقليميًا ودوليًا واسعًا يشمل إيران وغيرها، معتبرًا أن التقارب الإيراني مع السودان يمثل أحد أوجه هذا الصراع.

وأضاف أن الحديث عن تعاون إيراني في البحر الأحمر والسودان ليس جديدًا، بل يعود إلى عام 2014، حين أثيرت تساؤلات بشأن وجود تنسيق وتعاون بين طهران والسلطات السودانية.

وأشار إلى أن أي توسع للتعاون الإيراني مع الجيش السوداني أو السلطات السودانية قد يؤدي مستقبلًا إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية في البحر الأحمر، خاصة مع وجود تقارب بين إيران والحوثيين في اليمن.

لكنه أوضح في المقابل أن السعودية تملك نفوذًا كبيرًا داخل السودان، وأنها ترفض بشكل قاطع أي وجود إيراني معلن على السواحل السودانية المطلة على البحر الأحمر، نظرًا لقرب تلك السواحل من مدينة جدة والممرات البحرية الحيوية بالنسبة للأمن السعودي والخليجي.

وأضاف أن ما يجري حاليًا يتمثل، وفق تقديره، في تنسيق أو تعاون غير معلن أكثر منه وجودًا إيرانيًا مباشرًا وعلنيًا.

منع التحول لمركز انطلاق للإرهاب
وتكشف الاستراتيجية الأمريكية أيضًا عن تحول في طريقة تعامل واشنطن مع أفريقيا، يقوم على تقليص التدخلات العسكرية الواسعة والانتقال إلى نموذج «الوجود الخفيف».

فالوثيقة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تكرار نماذج «الحروب الأبدية» أو مشاريع إعادة بناء الدول، بل تفضل الاعتماد على الشراكات الأمنية، والمعلومات الاستخباراتية، ودعم القوات المحلية، والعمليات المحدودة، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء الإقليميين.

وفي هذا الإطار، يبدو السودان جزءًا من مقاربة أمريكية تقوم على منع تحوله إلى قاعدة انطلاق للتنظيمات الإرهابية أو ساحة نفوذ مفتوحة للجماعات المسلحة وشبكات التطرف.

وتكشف استراتيجية الولايات المتحدة لعام 2026 عن إدخال السودان إلى قلب الحسابات الأمنية الأمريكية، ليس فقط بسبب الحرب الداخلية، بل نتيجة موقعه ضمن خرائط الإرهاب، والإخوان، والبحر الأحمر، والفوضى الممتدة في أفريقيا.

وتقدم الاستراتيجية الأمريكية السودان بوصفه ساحة تتقاطع عندها تهديدات متعددة، تشمل جماعات متشددة تبحث عن موطئ قدم جديد، وشبكات إسلام سياسي عابرة للحدود، وصراع على الممرات البحرية، وفوضى مسلحة تتغذى على انهيار الدولة.

وفي هذا الإطار، ختم عبدالعظيم بالتأكيد على أن إنهاء الحرب والوصول إلى اتفاق سلام شامل يمثلان السبيل الوحيد لمنع انزلاق السودان نحو مزيد من الفوضى والانهيار الأمني، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي لا يهدد السودان وحده، بل يهدد كذلك الأمن الإقليمي والدولي وأمن الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

العين الاخبارية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا