11.6 مليار دولار، ليس رقماً في ميزانية دولة، بل حصيلة “سرقة باسم الله” امتدت لثلاثة عقود، بدأت من دار الهاتف في الخرطوم إلى تعويضات الحرمين في مكة، فيما حوّل نظام البشير أموال الأوقاف إلى “خزانة سوداء” تموّل القصور والشركات والعمارات…
هنا نستعرض وثائق وشهادات تجيب على سؤال واحد وهو كيف استُبيحت أموال أوقفها أصحابها لعلاج مرضى السرطان ودعم الجوعى، فصارت ثروات جارية في حسابات “عصابة النهب المقدس”؟ واستثمارات في شكل دكاكين تُؤجر بـ760 جنيهًا وتُباع بالمليارات، وأراضٍ تُمنح باسم الدعوة لتتحول إلى أبراج لعائلة المخلوع، وميزانيات تُقزم عمداً لإخفاء سرقة 90% من الريع سنوياً.
إدارة فقهية
بدأت أولى حلقات هذا الإجرام بما أسماه رموز النظام “إدارة فقهية”، بينما كانت في حقيقتها “قرصنة مؤسسة ” طالت أصولاً وقفية استراتيجية، فالوثائق عن سرقة علنية لـ36 مليون دولار تمثل قيمة دار الهاتف، وعلى المنوال ذاته، فضحت التحقيقات في “عمارة الذهب” بالخرطوم نموذجاً صارخاً لإهدار ريع الوقف، حيث كانت الدكاكين الوقفية تُؤجر لمنسوبي النظام بـ760 جنيهًا، ليعاد تأجيرها “من الباطن” بمليارات الجنيهات.
هذه العملية وحدها حرمت الأيتام والفقراء من دخل سنوي تراكمي يُقدر بـ25 مليار دولار، كان مخصصاً لعلاج أطفال السرطان ودعم القطاع الصحي المنهار.
الأوقاف في مكة والمدينة المنورة
ولم يتوقف النهب عند حدود الخرطوم، بل امتد إلى أقدس البقاع، ففي مكة والمدينة، تعرضت الأوقاف السودانية لعملية تخريب متعمد عُرفت بفضيحة “حجز التعويضات”، حيث تلاعب النظام السابق في مستندات الملكية وافتعل نزاعات قانونية بين “أجنحته”، ما أدى إلى تجميد مبالغ طائلة من تعويضات الأوقاف المزالة لصالح توسعة الحرمين الشريفين.
لم يكن التعطيل إهمالاً، بل وسيلة ابتزاز لضمان تحويل المليارات إلى حسابات ومنظمات واجهة، بدلًا من ديوان الأوقاف الرسمي الشي الذي أدى إلى حرمان السودان من تعويضات ضخمة كانت ستعين الفقراء.
وفي مسار موازٍ للنهب، استخدم النظام منظمة الدعوة الإسلامية ومنظمة معارج كأذرع أخطبوطية للاستيلاء على الأراضي الوقفية حيث تم استرداد 17 قطعة أرض من هاتين المنظمتين وحدهما بقيمة 1.3 تريليون جنيه، أي أكثر من 23 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي آنذاك، حيث كانت تلك المؤسسات تعمل كـ”شركات غسيل أموال” تُمنح الأراضي المميزة بحجة مشاريع دعوية، ثم تحولها إلى استثمارات تجارية لصالح العائلة الحاكمة في كافوري حيث سيطر شقيق الرئيس المخلوع عبد الله البشير على برج ضخم في الحي كان يدر 300 ألف دولار سنوياً، كانت تُحول مباشرة إلى حسابات خاصة خارج السودان، بلا رقابة محاسبية أو قانونية.
إخفاء حجم النهب
الجريمة الأخطر كانت تكمن في “التقزيم المتعمد” لميزانيات الأوقاف لإخفاء حجم النهب، ففي عام 2019، قيد النظام ميزانية الأوقاف بـ133 مليون جنيه فقط لعموم السودان، وهو رقم لا يعكس قيمة عقار واحد في “عمارة الذهب”، وما إن بدأت لجنة التفكيك عملها واستردت 81 عقارًا وقفيًا، حتى قفزت الميزانية في 2021 إلى 1.4 تريليون جنيه، بزيادة 1000% في تلك الفترة فيما نجد أن هذا الفارق يكشف بالدليل القاطع أن نظام البشير كان يسرق 90% من إيرادات الأوقاف سنويًا.
استعادة الأصول
إن استرداد الأصول لم يكن استعادة لمال فقط، بل استعادة لكرامة “الواقفين” الذين أوقفوا أموالهم لله، فجعلها النظام حصونًا وقصوراً لأتباعه، قبل أن يُعاد توجيهها أخيراً لمصارفها الحقيقية في دعم المستشفيات والفقراء، ثم إن ما تم الكشف عنه يتجاوز الفساد المالي إلى جريمة ضد الضمير الجمعي فقد استباح النظام ما حُرّم شرعاً وقانونًا، محولًا ديوان الأوقاف من مؤسسة تكافلية إلى إقطاعية حزبية.
وتبقى ملاحقة هذه الأموال المنهوبة في الداخل والخارج معركة السودان لاسترداد هويته وتاريخه، الذي بدأ التعدي على أوقافه منذ 1911 ولم ينتهِ إلا بسقوط الطاغية البشير.
صحيح السودان
المصدر:
الراكوبة