دخل القطاع الزراعي في السودان أزمات جديدة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب فوضى الرسوم والضرائب المحلية التي تهدده بعد ارتفاع تكاليف التشغيل. وبات شبح انهيار الموسم الزراعي وشيكاً، نتيجة تقاعس الدولة عن توفير وقود العازولين وتأمين مناطق الإنتاج، الأمر الذي وضع المزارع السوداني في مواجهة مباشرة مع سماسرة الوقود والمضاربين، ما رفع تكاليف الإنتاج إلى مستويات فلكية، ودفع كثيرين إلى هجر الزراعة، في وقت يعتمد فيه أكثر من 80% من السكان على الزراعة إنتاجاً واستهلاكاً.
من جهتها، وعدت وزارة المالية السودانية القطاع الزراعي بضمان توفير التمويل المطلوب لمدخلات الإنتاج للموسم الزراعي الجديد، بما يشمل الأسمدة والتقاوي والوقود، مع إشراك القطاع المصرفي في تمويل العمليات الإنتاجية.
إلا أن مديري الإنتاج بولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف وكسلا والنيل الأبيض وولايات دارفور وكردفان، قدموا تقارير إلى لجنة الموسم الصيفي 2026/ 2027 حول المساحات المستهدفة واحتياجات الموسم والتحديات التي تواجههم، والتي تمثلت في نقص الوقود وضعف التمويل ومشكلات الكهرباء والتقاوي، مطالبين بمعالجة الأزمات وتقليل تكلفة الوقود والضرائب ورسوم المحاصيل.
ويقول المزارع إسماعيل بابكر إن “زيادة أسعار الوقود تفرض قيوداً قاسية على الزراعة، ما يدفع كثيرين إلى ترك النشاط الزراعي، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأمن الغذائي وصادرات البلاد الزراعية”، مضيفاً: “إذا استمر الوضع على هذا المنوال فلن تكون هناك عمليات زراعية”.
ويرى رئيس تجمع مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل، طارق الحاج، أن كل المؤشرات تؤكد أن الموسم الزراعي لا يزال مهدداً، موضحاً أن التحضير للموسم بات صعباً بسبب الارتفاع الكبير في تكلفة الوقود. وأضاف أن تأثير الحرب أفشل الموسم الشتوي الماضي، وأن معظم الأعمال التحضيرية للموسم الجديد لم تبدأ بسبب ارتفاع التكاليف، مؤكداً أن التدخل الحكومي قد لا يكون كافياً لتدارك الوضع.
ورغم نفي المنسق القومي لتنظيمات المنتجين بوزارة الزراعة السودانية عمر طه البشير وجود أزمة وقود، فإنه أقر بأن استمرار الحرب يؤثر على الأسعار والتكاليف الإنتاجية، ما يفتح المجال أمام تجار الأزمات لاستغلال الوضع. وأشار إلى أن المشكلة تشمل أيضاً توفير الكهرباء والطاقة البديلة، مؤكداً أن الحكومة رفعت يدها عن العملية الزراعية، لكن الإنتاج لن يتأثر كثيراً في القطاع المطري الذي يشغل 80% من المساحات المزروعة، مع احتمال تراجع المساحات إذا استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، ما يستدعي دعماً حكومياً عاجلاً لوقود الزراعة.
وأوضح الاقتصادي السوداني هاشم عبد الله رحمة، أن اعتماد المزارعين الكامل على المحركات العاملة بالوقود، في ظل انقطاع الكهرباء وتدمير البنية التحتية، خلق سوقاً موازية تتحكم فيها المضاربات بعيداً عن الرقابة الرسمية. وقال إن هذه التجاوزات ما كانت لتحدث لو فعلت الجهات الرسمية آليات توزيع عادلة للوقود بالسعر المحدد، لكن ابتعاد المسؤولين عن معاناة المزارعين حول الوقود من مدخل إنتاج إلى سلعة للمضاربة.
وانتقد رحمة ما وصفه بـ”قصور التفكير الإداري” وتجاهل البدائل المتاحة، مشيراً إلى أن الحل الأمثل لزيادة الرقعة الزراعية وخفض التكاليف يكمن في الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
بدوره، يرى المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم أن ارتفاع أسعار الوقود سيلحق ضرراً واسعاً بالزراعة والإنتاج عموماً، محذراً من أن الزيادات “التضخمية” في أسعار الوقود تنعكس سلباً على الإنتاج الحيواني والزراعي.
المصدر:
الراكوبة