بقلم: تسغااب أمار ، باحث في مجلة هورن ريفيو
لا يُعدّ ممر جوت-باجاك في ولاية أعالي النيل مجرد امتداد عادي للأراضي، فقد كانت باجاك المقرّ السابق لفصيل الحركة الشعبية لتحرير السودان المعارض بقيادة رياك مشار، ما يمنحها تاريخًا طويلًا كمنطقة سياسية ذات طابع عسكري. والأهم من ذلك، من منظور جيوسياسي إقليمي، تقع باجاك عند ملتقى حدود جنوب السودان والسودان وإثيوبيا، على مقربة من روافد النيل الأزرق التي تغذي سد النهضة الإثيوبي العظيم.
يُعدّ التمييز بين الإغلاق الإداري المحلي والإشارة الاستراتيجية الوطنية بالغ الأهمية هنا. ووفقًا لصحيفة “سودان تايمز”، فقد صِيغ الأمر على أنه عاجل، وتشير خصوصيته الجغرافية إلى قرار سياسي اتُخذ على أعلى مستويات الحكومة الانتقالية في جوبا. ولا يمكن اعتبار هذا مجرد إجراء للحفاظ على الحدود، بل رسالة استراتيجية.
ولدى الرئيس سلفا كير دوافع داخلية ملموسة لإعادة تقييم الوضع، ولا تُعدّ هذه الإعادة تنازلاً بقدر ما هي تقارب للمصالح. فقد باتت إثيوبيا تنظر إلى الأمن الداخلي لجنوب السودان، بشكل متزايد، لا كمشكلة تُدار عبر النفوذ الفصائلي، بل كشرط لتحقيق الاستقرار من خلال التكامل الاقتصادي. ويعكس ممر جمبيلا-باجاك-بالوش البري، الذي يربط غرب إثيوبيا مباشرةً بالبنية التحتية النفطية لجنوب السودان، هذا المنطق. وتؤمن أديس أبابا بأن النفوذ الدائم في جوبا لا يُمكن بناؤه إلا من خلال سلاسل الإمداد والترابط، بدلاً من الدعم المُتدرج للفصائل المسلحة. ويُنظر إلى جنوب السودان، المتماسك داخلياً والذي لا يستضيف وجوداً عسكرياً متقدماً لمنافس في المصب، على أنه جار أكثر قابلية للتنبؤ والإدارة.
كما يجب وضع إغلاق قاعدة باجاك في سياق أوسع لهيكل الأمن المائي المصري لما بعد عام 2020. ففي مواجهة التوسع الحتمي لسد النهضة، انتهجت القاهرة ما وصفه العديد من المحللين باستراتيجية احتواء متعددة الطبقات؛ وهي عبارة عن شبكة من الشراكات العسكرية، واتفاقيات البنية التحتية، وحتى التحالفات الإقليمية المصممة لتقييد إثيوبيا دبلوماسياً واستراتيجياً.
ظهرت عناصر هذه الاستراتيجية في مسارح عمليات متعددة: –
• في *الصومال* ، من خلال اتفاقية الدفاع الموقعة في أغسطس 2024 وما تلاها من نشر للقوات ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM) بدءًا من عام 2025. وقد رسّخت هذه الخطوة وجودًا عسكريًا مصريًا مباشرًا على الجبهة الشرقية لإثيوبيا، وهو ما فُسِّر على نطاق واسع في أديس أبابا على أنه لا يتعلق باستقرار الصومال بقدر ما يتعلق بالتمركز الاستراتيجي.
• في *جيبوتي* ، من خلال ترتيبات الوصول البحري التي وسّعت الوجود البحري المصري على طول ساحل القرن الأفريقي، مُنشئةً خط وصول من مدخل البحر الأحمر جنوبًا.
• وفي *السودان* ، من خلال تعميق التنسيق العسكري مع القوات المسلحة السودانية خلال النزاع الدائر في ولاية النيل الأزرق، تشير التقارير إلى أن الأفراد المرتبطين بمصر والذين يعملون جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية واجهوا مخاطر متزايدة في ساحة المعركة وسط تصاعد هجمات قوات تحالف تأسيس (TASIS).
ما يتضح من هذه التطورات هو خطة هيكلية أوسع. لا تزال مصر تحتفظ بنفوذها على طول ممر البحر الأحمر، حيث يوفر لها وجودها البحري وشراكاتها مع دول الخليج عمقًا استراتيجيًا. مع ذلك، تتمتع إثيوبيا في قلب حوض النيل بمزايا جغرافية وسياسية راسخة، متجذرة في قربها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية وقدرتها على التأثير في أعالي النهر. ويعكس قرار جنوب السودان إغلاق قاعدة باجاك هذا الخلل. فقد تضاءلت جدوى المواقع الأمامية الصغيرة للمراقبة أو توجيه إشارات قسرية ضد سد النهضة بشكل كبير، نظرًا لتشغيل السد بكامل طاقته. فالبنية التحتية مكتملة، والتوربينات تعمل، وأي سيناريو ينطوي على تعطيل مباشر يحمل الآن مخاطر سياسية وعملياتية جسيمة، مع عوائد استراتيجية غير مؤكدة.
يندرج هذا الإغلاق ضمن نمط إقليمي أوسع، ففي جميع أنحاء القرن الأفريقي، تُظهر الدول بشكل متزايد ما يمكن وصفه بنوع من المرونة السيادية؛ أي تفضيلًا وفهمًا متزايدين لترتيبات أمنية يتم التفاوض عليها محليًا بدلًا من التواجد العسكري الأجنبي المفتوح. أصبحت المنصات العسكرية الأجنبية، التي كانت تُصوَّر سابقاً كضمانات للاستقرار، تُعتبر بشكل متزايد عبئاً قادراً على جرّ الدول إلى صراعات جيوسياسية أوسع نطاقاً دون تحقيق أمن دائم. ويُجسّد قرار جنوب السودان هذا المنطق. فقد وفّر الوجود المصري في باجاك لجوبا فائدة أمنية مباشرة محدودة، بينما ولّد في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية كبيرة، سواءً فيما يتعلق بإثيوبيا أو فيما يخصّ سردية سيادة جنوب السودان نفسها.
لا يُمثل هذا نهايةً للانخراط المصري مع جنوب السودان، ولا يُشكل قطيعةً شاملةً في العلاقات الثنائية، إذ ستُعدّل القاهرة نهجها. مع ذلك، تُشير هذه الحادثة إلى انكماشٍ ملحوظٍ في قدرة مصر على بسط نفوذها في عمق حوض النيل، في وقتٍ بات فيه هذا النفوذ بالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية.
أما بالنسبة لجوبا، فيكمن التحدي الآن في تحويل هذه اللحظة من السيادة الحازمة إلى إطارٍ مؤسسيٍّ راسخ. فبدلاً من أن يبقى جنوب السودان ساحةً سلبيةً للتنافس بالوكالة، لديه فرصةٌ ليُصبح جسراً وسيطاً في القرن الأفريقي. تتشارك هذه الدول الثلاث، جنوب السودان وإثيوبيا، والسودان لاحقاً بعد الحرب، أكثر المناطق الجغرافية المتنازع عليها في أعالي النيل، من حوض سوباط إلى مداخل النيل الأزرق، ولا يُمكن تصور أيّ بنيةٍ أمنيةٍ مستدامةٍ للمنطقة دون وجود الأطراف الثلاثة على طاولة المفاوضات. يُمكن لمجلسٍ ثلاثيٍّ مُستقبليٍّ لأمن الحدود أن يُضفي الطابع الرسمي على نوع التفاهم الأمني الذي يُشير إليه إغلاق باجاك ضمنياً، مُنشئاً آلياتٍ لإدارة التحركات المسلحة عبر الحدود والوصول العسكري الخارجي دون الاعتماد المُفرط على جهاتٍ خارجيةٍ من خارج المنطقة.
الدرس الأوسع الذي يقدمه هذا الأمر لمنطقة القرن الأفريقي هو درس مألوف في نهاية المطاف. فالاستعراض العسكري القائم على مواقع عسكرية وشبكات وكلاء، والذي يُفترض أن يكون محصلته صفر، نادرًا ما يُفضي إلى استقرار دائم، والدول التي يُرجّح أن تُشكّل ملامح العقد القادم في المنطقة هي تلك القادرة على تحويل النفوذ الجغرافي إلى تعاون مؤسسي.
ويبدو أن جنوب السودان، في الوقت الراهن، يُشير إلى أنه يُدرك الفرق، فباجاك بلدة صغيرة تقع على حدود متنازع عليها، لكن قرار إغلاق قاعدة عسكرية أجنبية بدلاً من السماح لها بالدخول هو نوع من الخيارات السيادية التي تكشف عن الوجهة التي اختارتها الدولة.
المصدر:
الراكوبة