آخر الأخبار

مخلفات الحرب تضع السودان أمام معضلة بيئية ومعارك مؤجلة

شارك

ملخص

تسبب فقدان قطاع النظافة نحو 90% من معداته نتيجة النهب والتدمير في انهيار أنظمة جمع النفايات وتوقف النظافة الدورية وتكدس الأوساخ المتحللة في الميادين والشوارع والأحياء، وتشكل النفايات الطبية في غير مناطقها المخصصة خطراً بيولوجياً كبيراً ينذر بأخطار بيئية وصحية متفاقمة.

بعد مضي أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع حرب السودان وما يزيد على العام من تحرير الخرطوم من قوات “الدعم السريع” تبقى “الخسارة البيئية” واحدة من أعمق الجروح التي خلفتها الحرب، ولا تزال العاصمة السودانية الأكثر تضرراً على الإطلاق، تكافح بإرادة البقاء لتسترد عافيتها وتستنشق هواءً نقياً من جديد، لكن معارك طويلة تنتظرها للتخلص من إرث الدمار والركام والتلوث البيئي المختبئ تحت ملايين الأطنان من حطام المباني والمصانع والمستودعات المحترقة.

تشير تقارير أممية إلى أن الأخطار البيئية الناتجة من الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، تتجاوز الدمار المادي الماثل للمباني والمنشآت لتشكل إرثاً طويل الأمد من السموم يهدد النظم البيئية لأعوام قادمة، وذلك بعد الأضرار الكارثية التي ألحقتها الحرب بالبيئة التي تقدر بأكثر من 10 مليارات دولار، معظمها عبارة عن أخطار تختبئ خلف الركام.

وحذر خبراء أمميون من أن السودان يواجه إرثاً ساماً جراء الحرب، حيث تتراكم تحت الأنقاض مواد غير خاملة تشكل مزيجاً معقداً من الملوثات التي تتطلب تقنيات متخصصة لإزالتها ومعالجتها، مشيرين إلى أن تجاهل هذا الواقع يضع السودان أمام تحدي معارك جديدة لتأمين بيئة وحياة معافاة لفترة طويلة بعد توقف الرصاص.

صدمة أممية

وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة تتمثل الأخطار البيئية الناتجة من الصراع في النفايات الصناعية والكيماوية الناجمة عن تدمير المصانع مثل مصانع البلاستيك والكيماويات والمستودعات النفطية مما أدى إلى تسرب حساء سام إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية.

وأعربت نائبة مدير البرنامج القطري للأمم المتحدة للبيئة بالسودان، منى زين العابدين، عن صدمتها من حجم الدمار البيئي بالخرطوم لدى زيارتها العاصمة السودانية لإجراء تقييم بيئي، محذرة من أن ما وصفته بـ”الإرث السام” يهدّد بتفشي الأمراض والتسبّب بالوفاة لأعوام قادمة، قائلة إن الطريق نحو سلام طويل الأمد لا بد أن يشمل ترميم الندوب البيئية التي خلّفتها هذه الأزمة.

تحسن ولكن!

على رغم التحسن النسبي في الأوضاع، لكن لا تزال العاصمة الخرطوم الأكثر تضرراً تعاني تلوثاً واسعاً بمخلفات الحرب، بحسب مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان الذي أكد أنه وعلى رغم التقدم الذي أحرزته الفرق الميدانية، لا يزال حجم التحدي كبيراً، مشيراً إلى أن الفرق الميدانية المتخصصة في مكافحة الألغام وعددها 15 فرقة تمكنت خلال الفترة الماضية من تدمير 150 ألف قذيفة غير منفجرة على ثلاث مراحل.

وتشكل المتفجرات ومخلفات القذائف الحربية غير المنفجرة المختبئة تحت تلال القمامة والأنقاض خطراً ماثلاً، حيث أعلنت لجنة طوارئ الخرطوم عن تسجيل 59 حادثة انفجار لمخلفات حربية أثناء محاولة حرق النفايات حتى نهاية أبريل (نيسان) الماضي.

أدى فقدان قطاع النظافة نحو 90 بالمئة من آلياته في انهيار أنظمة جمع النفايات (اندبندنت عربية – حسن حامد)

ويرهن متخصصون في البيئة تعافي العاصمة السودانية الخرطوم من آثار الحرب بضرورة إصلاح الندوب البيئية وجعلها جزءاً أصيلاً من أي عملية بناء سلام مستدام بالدمج بين إعادة الإعمار ومكافحة تلوث الحرب، حتى لا يتحول إلى حرب صامتة مستمرة.

وقدرت التقارير الدولية ركام الحرب في الخرطوم وحدها بحوالى 38 مليون طن من مخلفات المعارك وحطام المباني المختلط بمواد خطرة وذخائر غير منفجرة، بينما أعلنت السلطات عن رفع أكثر من 22 ألف طن من النفايات من منطقة وسط الخرطوم وفتح 61 شارعاً كانت مغلقة تماماً بحطام مئات المركبات المدمرة.

أحراش ونفايات

تسبب فقدان قطاع النظافة نحو 90 في المئة من معداته نتيجة النهب والتدمير في انهيار أنظمة جمع النفايات وتوقف النظافة الدورية وتكدس الأوساخ المتحللة في الميادين والشوارع والأحياء، وتشكل النفايات الطبية في غير مناطقها المخصصة خطراً بيولوجياً كبيراً ينذر بأخطار بيئية وصحية متفاقمة.

ومع مرور ثلاثة مواسم من الأمطار تحولت كثير من الطرق الخالية إلى غابات عشبية بسبب النمو العشوائي الكثيف للحشائش، ووسط الأنقاض وبين السيارات المحطمة، وأصبحت بعض الأحياء أشبه بمدن الأشباح المهجورة.

وعلى رغم قتامة الوضع، شرعت سلطات ولاية الخرطوم في التحرك لإعادة تهيئة البيئة في المناطق التي استعادت السيطرة عليها، وأعلنت الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بالولاية، غادة حسين العوض، عن خطة عشرية تمتد من 2026 حتى 2036، تهدف للترميم والتعافي البيئي وتتضمن معالجة التلوث وتنظيف التربة والمياه من تداعيات القصف والنفايات الصناعية والطبية، وبخاصة حول المناطق شديدة التضرر مثل مصفاة الجيلي.

وركزت الخطة على الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة (الرياح والشمس) بتعزيز الاستثمار في الطاقة النظيفة وإعادة تأهيل الغطاء النباتي بالتوسع في المساحات الخضراء ونقل الصناعات الملوثة من المناطق السكنية إلى مواقع تراعي الاشتراطات البيئية، غير أن الطموحات التي تضمنتها الخطة تواجه تحدي الكلفة المالية العالية، إذ تقدر حاجات إعادة الإعمار بنحو 300 مليار دولار للخرطوم وحدها.

شعبياً أطلق متطوعون سودانيون مبادرة الخرطوم خضراء تحت شعار (مكان كل قذيفة شجرة)، لإعادة تشجير شوارع العاصمة الثلاثة الخرطوم وأم درمان وبحري، وبدأت معها بعض مناطق الخرطوم تشهد بعض الظلال الخضراء على جانبي الطرق.

القضية المنسية

في السياق نبه المتخصص في مجال البيئة، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للبيئة بالخرطوم، بشرى حامد، إلى ضرورة الالتفات والتعامل المبكر مع هذا الملف والتركيز عليه بشدة كإحدى أهم أولويات المرحلة الراهنة لأن إغفال المشكلة البيئية سيجعل من السودان بلداً غير مؤهل للحياة.

كل التوقعات بحسب حامد، تشير إلى أن الحرب أفرزت كثيراً من المشكلات البيئية وبخاصة ما يتعلق بقضية التلوث نتيجة استخدام كل أنواع الأسلحة بما فيها المحظور منها، مما أدى لتلوث الهواء والأخطر من ذلك هو أنواع التلوث المزمن الذي يشكل إحدى المشكلات الكبيرة وبخاصة للدول النامية المحدودة الإمكانات ومنها السودان.

يعتقد أمين البيئة السابق أنه مع خطورة التلوث البيئي الذي حدث إلا أنه لا يزال منسياً، بينما يكثر الحديث عن إعادة الإعمار، وهي عملية لن تتم بمعزل عن أخذ التصحيح البيئي في الاعتبار، لذلك لا بد من عمل مسوحات ودراسات مفاهيمية وأوراق وورش عمل ورفع خلاصاتها ومخرجاتها للجهات الدولية للتدخل الفوري في هذا الملف المهم.

التعدين الأهلي

ينوه حامد إلى أن “إحدى المشكلات البيئية الخطرة التي رافقت الحرب هي الانفلات الكبير للتعدين الأهلي التقليدي المعروف بإفراز أسوأ أنواع التلوث البيئي بسبب تغييب الحرب للدولة، وأعتقد أن ما يتم الآن من تعدين في كل أنحاء البلاد من دون ضوابط وفي غياب حاكمية الدولة أدى إلى تلوث البيئية بصورة كبيرة وسيتسبب في مشكلة قد تحتاج إلى قرون للتخلص منها”.

يحذر المختص البيئي، من أن تصحيح ومعالجة الآثار والأضرار البيئية السنوية لهذا النوع من التعدين، سيكلف مستقبلاً أضعاف مردود العائد المادي من إيراداته للدولة، قائلاً “من يتحدثون عن أن دخل التعدين الأهلي يتجاوز الآن حوالى 3.5 مليار دولار عليهم أن يدركوا أن كلفة معالجة وتصحيح الخلل البيئي الذي يتسبب به قد تتجاوز 30 ملياراً من الدولارات”.

تجاوز الدمار المباني والمنشآت ليشكل إرثاً طويل الأمد من السموم (اندبندنت عربية – حسن حامد)

يبدي حامد أسفه لخسارة السودان مرجعياته العلمية البيئية بتدمير معظم مختبراته إلى جانب هجرة الكوادر المؤهلة، مما أفقد السلطات القدرة على قياس مستويات تلوث الهواء والتربة والمياه، عقب خروج المختبر البيئي المرجعي الوحيد في الخرطوم عن الخدمة وتقدر كلفة إعادة تأهيله بنحو 500 ألف دولار، لذا فإن كل ما يقال لا يعدو كونه مجرد اجتهادات، حسب قوله.

يتابع “كنت أتوقع دعماً دولياً للسودان بحكم توقيعه على كثير من الاتفاقات التي تتيح له فرصة الوصول إلى الدعم الدولي الفني والمالي لإجراء المسوحات وتحديد المناطق الملوثة وحجم التلوث وكميات الملوثات المختلفة وكيفية التعامل معها، إذ تتطلب كيمياء التلوث المعقدة إمكانات متقدمة غير متوفرة بالسودان، لذلك فإن أي حديث عن مجابهة الدولة للتلوث هو نوع من التفاؤل غير المحمود”.

عبء صامت

من جانبه وصف الإعلامي المختص في الشؤون البيئية، جلال محمد يس جلال، التحذيرات الأممية بأنها تعكس واقعاً قد يتشكل سريعاً إذا لم يُتعامل مع الآثار البيئية للحرب منذ الآن، حيث تؤكد تجارب الدول التي عانت نزاعات مدمرة واستخدام أسلحة فتاكة، أن التلوث الناتج من الحروب لا ينتهي بانتهاء القتال، بل يتحول إلى عبء صامت طويل الأمد يمس صحة الإنسان والمياه والزراعة.

يرى جلال أن أخطر ما يواجه السودان حالياً هو تلوث التربة والمياه بمخلفات الحرب والنفايات الخطرة، إلى جانب التعدين الأهلي العشوائي في ظل غياب أنظمة فعالة للإدارة والمعالجة، مطالباً بالتحرك المبكر كضرورة وليس مجرد خيار، وذلك بإجراء مسح بيئي دقيق وتدخلات عاجلة في المناطق الأكثر تضرراً، إلى جانب بناء نظام وطني متكامل لإدارة النفايات، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمات الطوعية والجهات ذات الصلة.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا