في خطوة وصفت بأنها محاولة لكسر حالة الجمود السياسي والإداري التي خيمت على السودان لسنوات، أعلن رئيس وزراء حكومة السلام، محمد حسن التعايشي، تشكيل حكومته الجديدة، مستندا إلى الدستور الانتقالي لسنة 2025 وميثاق السودان التأسيسي، ويأتي هذا الإعلان في ظل واقع معقّد فرضته تداعيات حرب أبريل، وما خلّفته من فراغ مؤسسي وانهيار واسع في الخدمات الأساسية.
التشكيل الحكومي شمل تعيين عدد من الوزراء ووكلاء الوزارات، إلى جانب قيادات في مؤسسات حيوية، في محاولة لإعادة بناء جهاز الدولة في مناطق خرجت عن سيطرة السلطة المركزية، وباتت تعاني من غياب شبه كامل لمؤسسات الحكم.
وبينما يراهن البعض على هذه الحكومة كمدخل لاستعادة الاستقرار، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرتها على مواجهة التحديات المتراكمة، خاصة في ملفات الاقتصاد، العدالة، والخدمات الأساسية.
مجموعة بورتسودان خططت لخلق فراغ أمني وإداري فى مناطق سيطرت تأسيس لكي تستثمره كما هو ديدنها دائمًا
مواجهة الفراغ المتعمد
ويرى المفكر والكاتب “د. النور حمد” أن تشكيل حكومة السلام لم يكن خيارا سياسيا بقدر ما كان استجابة لضرورة فرضها واقع الانهيار الإداري والأمني في مناطق واسعة من البلاد.
ويشير حمد في حديثه لـ”إدراك”، إلى أن “مجموعة بورتسودان” تعمّدت بحسب وصفه خلق فراغ شامل في تلك المناطق، عبر سحب مؤسسات الدولة ووقف الخدمات الأساسية، بما في ذلك الأمن، القضاء، التعليم، والصحة، بل وحتى خدمات الاتصالات، الأمر الذي أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة العامة.
ويضيف النور حمد أن هذا الوضع أفرز أزمات إنسانية ومعيشية خانقة، من بينها حرمان آلاف الطلاب من الامتحانات، وانقطاع رواتب العاملين، وتدهور الخدمات الحيوية،موضحا أن حكومة السلام تسعى إلى ملء هذا الفراغ عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، بدءًا من استتباب الأمن، مرورًا بإحياء الجهاز العدلي، ووصولا إلى توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
لكنه يقر في الوقت ذاته بضخامة التحديات، مؤكدًا أن نجاح هذه التجربة مرهون بقدرة الحكومة على تفكيك إرث الفساد، ومواجهة النزاعات الجهوية، وتعزيز وحدة النسيج الاجتماعي.
تشكيل حكومة السلام يحمل في طياتها، إشارات إيجابية لايمكن تجاهلها
إشارات إيجابية… لكن المخاوف قائمة
من جانبه، يري خبير الحكمانية “د. الوليد آدم مادبو” قراءة أكثر توازنا، معتبرا في حديثه لـ”إدراك”، أن إعلان الحكومة يحمل مؤشرات إيجابية، خاصة من حيث التنوع الجهوي ومشاركة النساء في مواقع مهمة، وهو ما يعكس بحسب رأيه تحولا نسبيا عن نمط المحاصصة التقليدي.
كما يشير إلى أن التشكيل لا يعاني من ضعف مهني واضح، إذ يضم مزيجا من الكفاءات والخبرات المتفاوتة، وهو أمر مألوف في الحكومات الائتلافية،غير أن مادبو يلفت إلى تحدٍ مهم يتمثل في تضخم الجهاز التنفيذي، حيث تجاوز عدد الوزراء السقف المنصوص عليه دستوريا، ما قد يثقل كاهل الدولة ماليًا وإداريًا.
ويؤكد “مادبو” أن نجاح الحكومة لن يعتمد فقط على الوزراء، بل على كفاءة الجهاز الإداري الوسيط، ما يستدعي استثمارًا جادًا في بناء القدرات المؤسسية، إلى جانب تبني نماذج حديثة كالحكومة الرقمية لتقليل التكاليف وتحسين الأداء.
ويحدد مادبو ثلاثة مفاتيح رئيسية لنجاح التجربة: تحقيق اختراقات سياسية ودبلوماسية لتأمين الدعم، وضع خطط تنموية واقعية، وتعزيز البنية المؤسسية للدولة.
إستمدت حكومة السلام، مشروعيتها وفق مرجعيتين هما ميثاق تحالف تأسيس ودستورها الإنتقالي لسنة 2025
الشرعية والرهان على إستعادة الدولة
في السياق القانوني، يري المحامي “نصرالدين رحال”، إن حكومة السلام تستند إلى مرجعيتين أساسيتين: الدستور الانتقالي وميثاق تأسيس، في محاولة لملء الفراغ الدستوري الذي خلفته الحرب، وإعادة تقديم الخدمات الأساسية كمطلب حقوقي قبل أن يكون سياسيا.
وأوضح “رحال” في حديثه لـ”إدراك”، أن حرب أبريل 2023 تسببت في فراغ دستوري وغياب مؤسسات الدولة الثلاث، ما أدى إلى حرمان قطاعات واسعة من المواطنين من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها العدالة.
مشيراً إلى أن إعادة تفعيل الأجهزة العدلية تمثل أولوية قصوى، داعيا إلى ضمان استقلالها الكامل وتعيين كوادر مؤهلة بعيدًا عن أي محاصصات، بما يسهم في استعادة سيادة القانون وتلبية احتياجات المواطنين.
إختبار الواقع ورهان المستقبل
اخيراً تمثل حكومة السلام خطوة أولى في مسار معقد لإعادة بناء الدولة السودانية من أطرافها المنهكة. وبينما تحمل هذه الخطوة قدرًا من الأمل، فإنها تواجه في المقابل تحديات عميقة تتطلب أكثر من مجرد تشكيل حكومي.
إن نجاح هذه التجربة لن يُقاس بعدد الوزراء أو توزيع الحقائب، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، وفرض سيادة القانون، وتهيئة الأرضية لسلام شامل يعيد السلطة إلى الشعب.في النهاية، تبقى حكومة السلام أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى نموذج بديل يعيد تعريف الحكم في السودان، أو أن تنضم إلى قائمة التجارب التي عجزت عن تجاوز تعقيدات الواقع.
إدراك نيوز
المصدر:
الراكوبة