تشهد العلاقات السودانية الإثيوبية منعطفاً خطيراً في مايو 2026 إثر اتهامات الجيش السوداني الصريحة لأديس أبابا بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت الخرطوم وانطلقت من مطار بحر دار، مما دفع بالبلدين نحو حافة مواجهة مفتوحة تتجاوز صراعاتهما التقليدية حول منطقة الفشقة الحدودية وسد النهضة. هذا التصعيد السوداني الذي شمل استدعاء السفير للتشاور والتلويح بحق الرد المكفول دولياً قوبل برفض إثيوبي قاطع وحملة دبلوماسية مضادة تمثلت في استدعاء السفير السوداني الزين إبراهيم حسين لتقديم إيضاحات، مع تمسك إثيوبيا بموقف الحياد تجاه الحرب الداخلية السودانية وتذكيرها بجهود الوساطة التي بذلها رئيس الوزراء آبي أحمد ومبادراته لتقريب وجهات النظر بين القيادة السودانية والأطراف الإقليمي.
تتسم ردود الفعل السياسية والدبلوماسية في الداخل السوداني بتباين واضح يعكس تعقيدات الموقف الميداني والجيوسياسي، حيث برزت أصوات تحذر من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية خارجية في ظل استنزاف موارد الدولة في حروب أهلية ممتدة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. ويرى تيار سياسي يقوده السيد مبارك الفاضل المهدي أن التصعيد العسكري يفتقر للحكمة الاستراتيجية بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية التي تمنح إثيوبيا تفوقاً دفاعياً طبيعياً بحدودها الجبلية مقابل سهول سودانية مكشوفة تضم أهم المنشآت الحيوية كخزانات الروصيرص وخشم القربة، محذراً من أن سياسة “العنتريات” قد تؤدي إلى كوارث وطنية، ومشيراً إلى ضرورة استحضار رؤية الإمام الصادق المهدي التي كانت تدعو لتجنب الصدام المباشر مع الجارة الشرقية نظراً لحساسية التداخل الجغرافي والأمني.
في المقابل، يحلل خبراء دبلوماسيون، ومن بينهم السفير الصادق عبر راديو دبنقا، المشهد من زاوية العرف الدولي، مؤكدين أن إعلان امتلاك أدلة على عدوان خارجي يوجب بالضرورة اتخاذ خطوات قانونية تبدأ بالشكوى لمجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي قبل الحديث عن الرد العسكري. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول توقيت هذا التصعيد وقدرة الدولة السودانية على فتح جبهة قتال خارجية بينما تخوض معارك داخلية شرسة، خاصة وأن اتهامات سابقة مماثلة بشأن سقوط منطقة الكرمك لم تؤدِ إلى نفس المستوى من التصعيد الدبلوماسي، مما يشير إلى أن الأزمة الحالية قد تكون بلغت مستويات من التعقيد تتجاوز مجرد الحوادث الحدودية المعزولة لتصل إلى صراع نفوذ إقليمي أوسع تستخدم فيه المسيرات كأدوات ضغط سياسي وميداني.
ويبقى المخرج الوحيد لتفادي الانفجار الشامل وفق القراءات التحليلية الراهنة هو العودة إلى طاولة التفاوض المباشر وتفعيل القنوات الاستخباراتية والدبلوماسية لمعالجة الملفات العالقة، مع ضرورة إدراك الطرفين أن كلفة المواجهة المباشرة ستكون باهظة على الشعبين، وأن استغلال الأراضي الحدودية في منطقة بني شنقول أو غيرها لشن هجمات سيزيد من تعقيد المشهد المائي والأمني المرتبط بسد النهضة، مما يجعل خيار الدبلوماسية الوقائية والتحلي بالحكمة ضرورة حتمية تتجاوز لغة التهديد والوعيد التي هيمنت على الخطاب الرسمي مؤخراً.
المصدر (دبنقا)
المصدر:
الراكوبة