آخر الأخبار

العفو عن مرتكبي جرائم الحرب في السودان: انتصار للإفلات من العقاب أم شرط للسلام؟

شارك

شيماء تاج السر، المحامية

عندما يغادر المقاتلون ساحات القتال ليجلسوا في قاعات المفاوضات، وعندما تُغلق ملفات الإبادة الجماعية والاغتصاب تحت مسمى التسويات السياسية، فإن الضحايا وأسرهم يظلون عالقين بين سؤالين لا ثالث لهما: لماذا لم يُحاكم الجناة؟ وكيف يمكن الحديث عن سلام دون رد الحقوق وكشف الحقيقة وتقديم المسؤولين للعدالة؟.
في السودان مع اشتعال الحرب منذ أبريل 2023، بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. النقاش الذي كان يبدو أكاديميًا حول مشروعية العفو عن مرتكبي جرائم الحرب، تحول إلى واقع مقلق ومؤلم في الأيام الماضية بعد الإعلان عن عودة بعض قيادات الدعم السريع إلى حضن الوطن بموجب عفو رسمي رغم ارتكابهم انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
هذا المقال لا يسعى فقط لتسجيل الوقائع والجرائم، بل لتفكيك الإطار القانوني السوداني والدولي الذي يُحكم هذه القضية، ولمساءلة ما إذا كانت العدالة الدولية قادرة على حماية الضحايا بعد أن سكتت الإرادة السياسية المحلية.

مشهد من الدماء في ولاية الجزيرة

لفهم حجم الكارثة لا بد من العودة إلى مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، بعد انشقاق القيادي البارز أبو عاقلة كيكل عن قوات الدعم السريع وانضمامه للجيش في 20 أكتوبر 2024، فتحولت الولاية التي كانت تُعتبر سلة غذاء السودان إلى مسرح لإبادة جماعية.
بحسب تقارير وزارة الخارجية الأمريكية وتقارير أممية موثقة فإن ما حدث في الجزيرة لم يكن مجرد رد فعل عسكري عابر، بل كان حملة انتقامية ممنهجة. فقد ارتكبت قوات الدعم السريع مجازر ضد المدنيين تضمنت عمليات قتل خارج نطاق القانون واغتصاب جماعي وحرق للمحاصيل الزراعية ونهب واسع للممتلكات. وفي حادثة مروعة أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بمقتل 124 شخصًا على الأقل في هجوم على قرية السريحة وحدها، مع توثيق حالات عنف جنسي بحق عاملات في المجال الطبي، وحتى طفلة تبلغ 11 عامًا.
وفقًا لتقرير رسمي سوداني قدمته اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق إلى مجلس حقوق الإنسان بلغ إجمالي ضحايا انتهاكات الحرب في البلاد حتى يونيو 2025 أكثر من 28 ألف قتيل، ونحو 43 ألف جريح، و14 ألف حالة اختفاء قسري، إضافة إلى اكتشاف 965 مقبرة جماعية.

حالات العفو الأخيرة: كيكل نموذجًا

في هذا السياق الدموي انشق أبو عاقلة كيكل، قائد فرقة كانت تابعة للدعم السريع في الولاية، وأعلن ولاءه للقوات المسلحة. ورغم الاتهامات التي لاحقته بارتكاب أعمال قتل وتدمير خلال الفترة التي كان فيها ضمن صفوف الدعم السريع، فقد أصدر القائد العام للجيش السوداني قرارًا بالعفو عنه وعمن معه. كانت ردود الفعل سريعة ومتضاربة بين من اعتبر الخطوة شجاعة واستباقية تهدف لإنهاء الحرب وتفكيك صفوف الخصم، وبين من وصفها بأنها ضربة قانونية قاضية تعزز ثقافة الإفلات من العقاب وتُسقط حق الضحايا في المحاسبة.
ولم تكن هذه هي الحالة الوحيدة. فقبل كيكل عادت قيادات ميدانية أخرى تابعة للدعم السريع بموجب عفو مماثل، مما جعل من هذه الممارسة نمطًا متكررًا يثير تساؤلات جوهرية حول التزام الحكومة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.

الإطار القانوني السوداني: للعفو حدود

ينص الدستور السوداني، وثيقة الفترة الانتقالية لعام 2019 والقوانين الوطنية مثل القانون الجنائي السوداني لعام 1991، على سلطة رئيس الدولة في منح العفو الرئاسي، ومع ذلك فإن القانون الدولي يضع قيودًا صارمة على ممارسة هذه السلطة.
في النظام القانوني السوداني يُعرف العفو بأنه إجراء قانوني يجوز بموجبه إلغاء العقوبة في حالة العفو الخاص، أو إسقاط الملاحقة القضائية أصلًا في حالة العفو العام.
بيد أن هناك قناعة قانونية راسخة في الفقه السوداني مفادها أن جرائم مثل الحرابة، بما تعنيه من قتل وقطع طريق وترويع آمنين، لا يجوز تطبيق العفو فيها بطريقة تمس حق الله وحق العباد. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في أن القانون السوداني الحالي، وإن كان يجرِّم القتل والاغتصاب والنهب، لا يملك آليات صارمة لتجريم الحملات العسكرية المنظمة ضد المدنيين بنفس القوة القانونية التي يملكها القانون الدولي.

القانون الدولي الإنساني هل يُبيح العفو عن الجرائم الدولية؟

هنا يأتي الجانب الأكثر حسمًا في القضية. تتعارض قوانين العفو المحلية مع الالتزامات الدولية التي يوقع فيها السودان.

عقيدة عدم التقادم واتفاقية 1968

مبدئيا تقضي القواعد العرفية للقانون الدولي واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية 1968، بأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم بصرف النظر عن مرور الزمن منذ ارتكابها، أي أنه حتى لو أصدرت الدولة عفوًا داخليًا فإن ذلك لا يُسقط مسؤولية الجاني الدولية، ولا يمنع المحكمة الجنائية الدولية أو أي محكمة دولية من ملاحقته، كما تنص الاتفاقية صراحة على أن معاقبة هذه الجرائم هي عنصر مهم في تفادي وقوعها وحماية حقوق الإنسان.

الالتزام بمحاكمة الجناة بموجب اتفاقيات جنيف
تُلزم المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الدول التي وقعت عليها، بما فيها السودان، بـ”محاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أو تسليمهم ولا يجوز للدولة أن تُعفي مرتكبي جرائم الحرب من العقاب بموجب عفو عام أو خاص”.

عناصر الجريمة الدولية

ما حدث في ولاية الجزيرة من قتل ممنهج واغتصاب جماعي وتهجير قسري لسكان قرى بأكملها يرقى وفق القانون الدولي إلى جرائم ضد الإنسانية، بل وإبادة جماعية وجرائم حرب. فقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية القتل المنهجي للرجال والفتيان على أساس عرقي والاستهداف المتعمد للنساء الاغتصاب بأنها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وهذه الجرائم لا يجوز منح عفو عنها بأي شكل من الأشكال، لا في زمن السلم ولا في زمن الحرب.

المحكمة الجنائية الدولية وأرشيف دارفور المفتوح

لا يمكن الحديث عن العدالة في السودان دون الرجوع إلى الملف المفتوح لدى المحكمة الجنائية الدولية ICC. فمنذ إحالة مجلس الأمن ملف دارفور إلى المحكمة في 2005 والمحكمة تتابع الجرائم المرتكبة في الإقليم، ولا تزال ولايتها ممتدة. في يوليو 2023 أعلن المدعي العام للمحكمة كريم خان فتح تحقيق جديد في الانتهاكات الأخيرة بدارفور التي تتسق مع النمط ذاته من الانتهاكات التي وقعت في الجزيرة.
هذا يعني أن الحصانة التي يمنحها العفو الحكومي لا تحمي المتهمين دوليًا. فإذا فشلت آليات العدالة المحلية في محاكمة الجناة بسبب العفو السياسي فإن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الجنائية الدولية، وهذا يُلقي بظلال قاتمة على مستقبل كيكل وغيره، فقد يكونون أحرارًا اليوم تحت حماية العفو المحلي لكنهم مطلوبون دوليًا في ساحات لا تُغلق.

الجريمة الأخرى: تهديد دعاة السلام والرافضين للحرب

بينما يُكافأ قادة الحرب بالعفو تُستهدف الأصوات الرافضة بإطلاق التهديدات. أحدث التطورات المقلقة في السودان هو تصاعد خطاب الكراهية والتهديد المباشر للمدنيين خاصة دعاة السلام والنشطاء الحقوقيين. فقد رصدت وسائل إعلام ومنظمات حقوقية ترويجًا لعبارات توحي بأن العودة للوطن قد تعني الموت، في محاولة واضحة لإسكات المنتقدين ومنع تشكيل أي رأي عام معارض للانتهاكات. هذه التهديدات ليست مجرد تجاوز أخلاقي، بل تُشكل جريمة تكميلية في القانون الدولي تتمثل في الترهيب القسري للسكان المدنيين، وهي تُظهر التناقض الصارخ في الوضع السوداني: قانون يُكافئ الجلادين ويدير ظهره للضحايا.

سلام بدون عدالة هو مجرد هدنة مؤقتة

بعد قراءة الوقائع على ضوء نصوص القانون السوداني والدولي يمكن استخلاص الآتي:
• التناقض مع الالتزامات الدولية: العفو عن مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في السودان مثل القتل والاغتصاب الجماعي، يتعارض مع التزامات السودان بموجب اتفاقيات جنيف واتفاقية عدم التقادم.
• العفو ليس حصانة دائمة: حتى لو قَبِل القضاء السوداني بالعفو، فإن المحكمة الجنائية الدولية ومبادئ الاختصاص القضائي العالمي تظل خيارات متاحة لملاحقة الجناة، خاصة في ملف دارفور وولاية الجزيرة.
• تهديد الاستقرار الدائم: إن منح العفو دون محاسبة لا يُنهي الصراعات، بل يُعمق جروح الضحايا ويخلق دوافع جديدة للانتقام، ويُسقط الثقة في أي تسوية مستقبلية. فالمصالحة الحقيقية تتطلب حقيقة ثم تعويضاً ثم عدالة.

على الحكومة السودانية والنخب السياسية والقبلية أن تُدرك أن إفلات الجناة من العقاب ليس علامة قوة، بل هو وصفة مضمونة لاستمرار دائرة العنف. يجب فتح ملفات الانتهاكات الجسيمة فورًا ومحاكمتها في محاكم وطنية شفافة، أو التعاون مع الآليات الدولية لمنع الجناة من التملص من العدالة.
السؤال ليس: هل يمكن أن يفلت الجناة من العقاب؟ بل: متى سيدفعون ثمن ما اقترفوه من دمار وألم؟.
العدالة قد تتأخر، لكنها قانونيًا لا تسقط أبدًا.

ديسمبر

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا