هدأ غبار المعركة وعلت الأصوات. إسرائيليا يتحدث كثيرون، علانية، عن أن البلاد باتت رهينة، وربما دمية، في يد البيت الأبيض، كما كتب إيهود باراك في "هآرتس" مؤخرا.
في أمريكا أيضا ثمة اعتقاد واسع بأن البيت الأبيض أسير، بل ولعبة، في يد القادة الإسرائيليين. ربما كانت الحقيقة في المنتصف، كما يقال.
أما البيانات فتأخذنا إلى واقع جديد لم نشهده من قبل. في الاستطلاع الأحدث الذي أجرته "NBC" أبدى ثلاثة أرباع الشباب الأمريكي بين 18-29 عاما تعاطفا مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين.
يعزى هذا الانقلاب الدرامي في الموقف الشعبي الأمريكي من الصراع العربي الإسرائيلي، في جزء منه، إلى انطباع متزايد عن وقوع البلاد، بكل منظوماتها، رهينة في قبضة إسرائيل، وهو انطباع عززته الحرب على إيران.
لم يعد الأمريكان يرون في إسرائيل "داود" الذي يقف هناك بمفرده في مواجهة جالوت، كما يخبرنا إدوارد لويس في "فايننشال تايمز". ارتقت إسرائيل إلى القوة الغاشمة التي لا تخشى طائلة القانون، ودفعت أمريكا إلى تغطيتها دبلوماسيا، بما في ذلك شن الحرب على قضاة المحكمة الجنائية الدولية.
ما فعلته أمريكا لإسرائيل أفقد الأولى موثوقيتها ومصداقيتها على الساحة الدولية. ثمة رغبة متزايدة على وضع حد لذلك الانهيار الأخلاقي، من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الدولتين: أمريكا وإسرائيل.
في الأيام الماضية صوت 40 سيناتورا ديمقراطيا، من مجموع 47 هم كل الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، ضد بيع السلاح لإسرائيل. مثل هذا الحدث، أو الخبر، كان من قبيل اللامفكر فيه إلى ما قبل وقت قصير.
لنعُد إلى إشارة إدوارد لويس، في مقالته على "فايننشال تايمز"، عن تجذر أمثولة "داود/ جالوت" في الوعي الجماعي الأمريكي كتعبير عن طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، ولنذهب إلى أصول تلك الفكرة في الخيال الأمريكي.
الحقيقة أنها فكرة أنتجتها الشاشة أكثر من الكتب المقدسة، بل هي فكرة سينمائية خطرة تمكنت من الخيال والعاطفة، وسهلت الطريق على اللوبيات الصهيونية للعمل في بيئة ثقافية مواتية.
تبدو المسيحية البروتستانتية، الإنجيلية على وجه الخصوص، أكثر نشاطا من الكاثوليكية، ولذلك أسباب كثيرة؛ لعل أهمها يكمن في طبيعة إيمان كل منهما. فبينما يبدو الإيمان الكاثوليكي معتمدا على الأسرار، كالقداس والتقاليد، فإن الإيمان الإنجيلي في اتجاه منه يأخذ طابعا ملحميا، وحتى سينمائيا.
هناك، في الرؤية الإنجيلية الأصولية، جدول معد سلفا لنهاية العالم، سيحدث الانهيار الأكبر بعد سلسلة من العلامات الكونية المهمة، مثل عودة اليهود إلى فلسطين، حرب هرمجدون، خروج الدجال، وظهور الأقمار الدموية. المكان الأمثل لهذه العقيدة الطقوسية هو الشاشة السينمائية، والحكاية.
تطورت السينما المسيحية مع الأيام، وشهدت نموا متزايدا بعد الحرب العالمية الثانية. تركت الحرب فراغا روحيا هائلا، وقلقا وجوديا غير مسبوق. في ذلك الفراغ تحركت السينما الدينية.
هنا حاولت أن تشير إلى المعاني الإلهية، بعيدا عن التفكير القيامي الأبوكاليبسي أو نهاية العالم، بعد أن صار كل شيء يبابا بعد الحرب الكبرى. سرعان ما صعدت خطوة إلى الأعلى مع نهاية أربعينيات القرن الماضي لتنتقل بخطابها الفني من تزويد الإنسان بالإجابات الروحية إلى خوض معركة توراتية ضد فرعون العصر، "الإلحاد" السوفياتي.
دائما ما كان الخطاب السينمائي الديني المسيحي توراتيا، فهناك موسى وفرعون، وداود وجالوت. أفلام الملاحم، ببطولاتها التوراتية وخطابها الإيماني، شغلت الفضاء الأمريكي، وخلقت بيئة حيوية للتفكير القيامي الأخروي الذي يشكل عصب الذهن الإنجيلي الأمريكي.
بينما كان الصراع بين الكتلتين الغربية والشرقية، في زمن الحرب الباردة، يدور حول المصالح والنفوذ في العالم، كانت السينما الأمريكية تمثل واحدا من خطوط الدفاع المتقدمة في تلك المعركة.
في الفترة المكارثية (حملة مطاردة الشيوعية في أمريكا)، أوائل خمسينيات القرن الماضي، أنتجت السينما ما يزيد عن خمسين فيلما عن الشيوعيين الأشرار، ثلث تلك الأفلام على الأقل استند إلى خطاب إيماني، توراتي الطابع.
كان البطل داود، القروي النحيل والشجاع، يذهب بسلاحه الوحيد "الإيمان" إلى المعركة، ولا يغادر المكان إلا على جثة العملاق جالوت، كما نشاهد في فيلم يحمل اسم "داود وجالوت" من إنتاج العام 1960، وهو عمل غاية في الأهمية أنتج بعد الحقبة المكارثية بقليل.
عبَرت الكنيسة، من خلال شاشتها الإلهية "Godlywood"، إلى الفضاء السياسي، أو عبرت إليها السياسة. مبكرا في الحرب الباردة أخذت التوراة مركزا متقدما في المعركة، وقدم الإيمان بوصفه المعنى النهائي للحرية، بينما أخذ الاتحاد السوفياتي الصورة المناقضة ليس للإيمان وحسب، بل لحرية الفرد.
في العام 1956 شاهد الناس فيلم "الوصايا العشر"، وهالهم مستوى الإنتاج وتكاليفه. كان، بحق، أغلى عمل سينمائي حتى ذلك الحين.
قال الفيلم رسالته بوضوح، فهو يحكي عن صراع موسى وفرعون، موسى الأمير اليهودي الذي ترك البلاط وانحاز لشعبه المعذب، وفرعون العدو للإله والإنسان معا. في سياق درامي، مثل فيه مشهد شق البحر ذروة الإثارة، ينتصر الشعب المُضطهد على فرعون مصر.
من أجل أن تصل الرسالة كاملة، قرر مخرج الفيلم، دي ميل، أن يظهر بشخصه في المقدمة ليخبر الناس عما سيشاهدونه: الحرية في مواجهة الاستبداد. وهي هنا أمريكا الإنجيلية- اليهودية في مقابل الاتحاد السوفياتي الملحد.
علينا أن نتذكر أن أولى طلائع المستوطنين البروتستانتيين المتطهرين، في العالم الجديد، أطلقت على نفسها مسمى العبرانيين. كما رسمت الحكاية الشعبية، والخطاب الوعظي المسيحي، الخروج من أوروبا إلى أمريكا في سياق توراتي ملحمي. الهنود الحمر، كالمتوقع، أخذوا مسمى الكنعانيين لفترة من الزمن.
لم تقف السينما المسيحية بعيدا عن الصراع العربي الإسرائيلي، بل خاضت فيه حتى عنقها. مرت قصة الصراع العربي الإسرائيلي على شاشة السينما المسيحية بأطوار عديدة. أعمال الخمسينيات قدمت المشروع الإسرائيلي بوصفه تمظهرا للرحلة البروتستانتية إلى أمريكا.
على الشاشة يمكنك مشاهدة الثالوث: الإنسان المتحضر، الإنسان الهمجي، والأرض اليباب. مثل الهنود الحمر يظهر العرب بين التلال: عرب بلا أسماء ولا قصص، يطلقون النار على الأبيض المتحضر الذي جاء ليحرث الأرض و"يجعلها تزهر".
بدا الصراع العربي الفلسطيني صورة طبق الإصل من صراع الغرب الأمريكي: الأبيض المتحضر الذي يشق سكة للقطار في أرض يحيط بها الهمج الحمر.
ثمة فيلم أيقوني يجسد هذه الفكرة، اسمه "الق ظلا عملاقا". يروي الفيلم قصة حقيقية لضابط أمريكي ارتحل إلى إسرائيل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهناك عمل كمدرب عسكري للهاغاناه.
وحتى يبدو الصراع العربي الإسرائيلي شديد المطابقة مع تجربة البروتستانتي الأمريكي فقد أُسند دور البطولة إلى كيرك دوغلاس، أشهر ممثلي أدوار البطولة في أفلام الغرب الأمريكي "The western".
استخرجت السينما الإنجيلية من التوراة أبطالها وأشرارها. العربي الفلسطيني هو الكنعاني المطرود في التوراة. الهندي الأحمر كان أيضا كنعانيا حتى يوم فنائه. أما الشيوعي فإن لم يكن الفرعون فهو جالوت.
ينتصر المؤمن التوراتي على كل أولئك الأشرار. فهو موسى، وهو داود، وفي اللحظات الحاسمة يصبح "يوشع بن نون" الذي سيأمره الرب بتدمير أريحا بما فيها ومن عليها عدا الذهب والفضة وجاسوسة تدعى رحاب.
لا يمكن إحصاء الأفلام التي أنتجتها السينما المسيحية، ناهيك عن هوليود بشكل عام، تمجيدا للسردية الإسرائيلية. فالفيلم الشهير "الخروج"، من إنتاج العام 1960، بات يطلق عليه تاريخيا "إنجيل السينما الأمريكية"، وهو يروي قصة المهاجرين اليهود المؤمنين إلى أرض يسكنها بضعة أشرار في صحراء ممتدة.
هجرة شبيهة بما جرى للمؤمنين البروتستانت الذين ركبوا البحر إلى العالم الجديد استجابة لنداء إلهي. في رحلة البحر تلك خطب القائد البروتستانتي جون وينثروب في أتباعه على ظهر السفينة، مستعيدا موعظة الجبل من إنجيل متى، مبشرا إياهم بمدينة على تل لا يخبو نورها أبدا.
بعد حرب 1967 انتقل خطاب السينما المسيحية إلى تقديم صورة مختلفة عن اليهودي- الإسرائيلي: البطل الخارق، المتفوق تقنيا وعلميا. تُجُوزت شخصية المؤمن الكيبوتسي "فلاح الكيبوتس" (مستوطنة زراعية) المحاط بما يعتبره بخطر وجودي، إلى شخصية أخرى محاطة بمخاطر جمة، ولكنها تحت السيطرة. لقد شب داود عن الطوق وبات قادرا على القتال على سبع جبهات في الوقت نفسه.
ضمن تحولات الخطاب السينمائي المسيحي المعاصر يجري تكريس المسيحية بوصفها جزءا من الرؤية اليهودية للعالم لا استبدالا لها. حول هذا دندنت السلسلة الروائية "المتروكون"، الصادرة في العام 1995.
الرواية التي بيع منها 65 مليون نسخة قفزت إلى الشاشة، وصارت عملا مرئيا قال ما لم تقله الكتابة: إسرائيل تدبير إلهي لا رجعة عنه.
أجرى العمل الروائي – السينمائي مصالحة مثيرة بين الديانتين: فاليهود هم شعب الله الأرضي، والمسيحيون شعبه السماوي.
في السياق نفسه أنتجت "Netflix" قبل عام فيلما عن حياة مريم العذراء. حمل الفيلم اسم "ماريا"، جسد فيه ممثلان إسرائيليان الدورين الأساسيين في الفيلم: مريم ويوسف.
يعيد الفيلم، الذي أنجز على عجل، تذكير المجتمع المسيحي بيهودية المسيح وأسرته، حيث القديسة ماريا تنفق زهرة حياتها خادمة في الهيكل اليهودي. كانت تلك الثيمة، على بساطتها، هي الرسالة النهائية للفيلم الذي فشل في أن يقول أكثر من ذلك: المسيح ولد يهوديا.
استدعت الظروف المحيطة بإسرائيل، على الصعيد الدولي، إنتاج مثل ذلك العمل، باعتبار أن إسرائيل هي التدبير الإلهي الأخير، ومن الخطأ إدانتها أو إدارة الظهر لها.
في السياق ذاته نشر القس الأمريكي جون هايجي، 2014، كتابه الشهير "الأقمار الدموية الأربعة"، ليصبح الأكثر مبيعا على أمازون لما يزيد عن 150 أسبوعا. إليكم ما تقوله الفكرة الرئيسية للكتاب في نسختيه المقروءة والفيلمية: ستحدث بين عامي 2014 و2015 أربعة خسوفات كلية للقمر، كلها في أعياد يهودية.
بعد القمر الرابع سيحدث خطب جلل في العالم قد يهدد وجود إسرائيل. ولأن إسرائيل تدبير إلهي لا رجعة عنه فعلى العالم المسيحي- أمريكا- مراقبة ما يجري جيدا وحماية ذلك المشروع الإلهي.
حدثت الخسوفات الأربعة، كما تنبأ العلم ضمن ظاهرة تسمى الرباعيات "Tetrads"، ولم يقع الخطب الجلل. هنا تدخل دونالد ترمب في ولايته الأولى، ليخلق مشهدا تعويضيا، كي لا تسقط النبوءات الإنجيلية في فخ الدجل والابتذال: قام بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
ربما نشهد قبل نهاية هذا العام تدخلا أكثر شراسة من قبل السينما المسيحية. إذ يعمل المنتج والمخرج الأمريكي الشهير ديفيد وايت، من خلال شركته "Pinnacle Peak Pictures" على إنتاج فيلم يحمل اسم "السابع من أكتوبر"، مع احتمال أن يغير اسمه إلى "أيادي حماس".
بحسب البيانات المنشورة فالفيلم يذهب إلى ذلك المكان المألوف، حيث الأشرار يعملون بكل الوسائل على كسر إرادة الرب المتمثلة في إسرائيل، مستعيدا الخطاب السينمائي لحقبة الخمسينيات. على تنويعات داود – جالوت سيأتي العمل، كسابقيه، وسيصل إلى النتيجة ذاتها.
كل هذه الذاكرة العميقة التي بنتها الشاشة، مستعينة بالخيال والكتاب المقدس، توشك أن تصبح شيئا من الماضي.
في مقدمة الأشياء التي ستغادر الذاكرة هو صورة داود المؤمن الضعيف، الذي لا يملك إلا عقيدته وحجرا من الأرض، واقفا أمام جالوت العملاق والمزود بآلة الفتك. لاحظ إدوارد لويس، على "فايننشال تايمز"، أن تلك الأيام الإسرائيلية السعيدة لم تعد جزءا من الحقيقة العالمية الراهنة.
فإسرائيل ذهبت بعيدا في طغيانها حد أنها أخذت مكان جالوت في نهاية المطاف، ومن المحتمل أن ينالها بسبب طغيانها المصير ذاته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة