بكرى الجاك مدني
لا أعتقد أننا كنا أقرب إلى إيقاف الحرب بدءا من الهدنة الإنسانية وصولا إلى ( بالتزامن مع) حوار سياسي يفضي إلى حل سياسي شامل يخاطب قضايا الأمن و العدالة والمحاسبة ونظام الحكم و ترتيبات انتقال سياسي يؤدي إلى إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة مثل المواطنة المتساوية و الفيدرالية وسيادة حكم القانون والمسؤولية الفردية و الجماعية أكثر من اليوم.
إيقاف الحرب يتطلب إرادة سياسية جامعة لقدر كاف من الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و ليس من المتوقع أن يتوافق كل الناس على هذه الرؤية إذ لم يحدث في التاريخ أن توافق كل الناس على أمر واحد و لكن يكفي توافق جل الفاعلين. هناك قاعدة تقول إنه أي حركة احتجاج أو مطالب سلمية لم تفشل في التاريخ إذا ما استطاعت أن تحرك او تٌشرك أو تفعّل ما يعادل 3.5 في المئة من السكان وفقا لتحليل كلي Meta analysis طورته أستاذة العلوم السياسية بجامعة هارفارد بروفسير Erica Chenoweth اريكا جينويس، السؤال يجب أن يكون كيف نسعى إلى تحويل رفض غالبية السودانيين للحرب إلى فعل مباشر يسهم في بناء كتلة ال 3.5 في المئة و بناء هذه الكتلة لا يحتاج إلى بناء تحالفات سياسية كما يعتقد البعض بقدر ما يحتاج إلى تنظيم و فتح الفضاء العام للمشاركة. من خلال الرصد والمتابعة عبر عدة أدوات تحليل و استطلاع الرأي لم يعد لدي أدنى شك أن الغالبية العظمى من السودانيين الآن يفضلون خيار الحل السياسي الذي يفضي إلى إيقاف الحرب بأسرع ما يكون و جلّهم لا يفكرون في الترتيبات الفنية المتعلقة ببناء الثقة و استكشاف المواقف التفاوضية من الحد الأعلى والحد الأدنى لكل طرف و كيفية تثبيت الهدنة، التي غالبا ما تكون هشة و مرفوضة من بعض الأطراف في المعسكرين لطبيعة التحالفات العسكرية التي تتسيد المشهد العسكري في البلاد.
و قبل أن ندلف إلى المتطلبات العملية لخلق حراك إيجابي يدفع في اتجاه خيار السلام دعونا أولا نستطلع المشهد من خلال مقاربة موضوعية سريعة تقارن بين المؤشرات التي تدفع في اتجاه التقارب نحو السلام و العوامل السلبية التي تدفع في استمرار الحرب و هذا معروف بنظرية Force Field Analysis أي تحليل مجال القوة والتي طورها Kurt Lewin ويقوم التحليل على افتراض أن هناك عوامل تدفع نحو التغيير و عوامل تعيق عملية التغيير باعتبار أن أي وضعية في أي سياق تعبر عن مصالح مجموعات محددة و هي غالبا ما تكون ضد عملية التغيير إلى أن تتضح الرؤية بخصوص مصالحها في الواقع الجديد المنشود، في السياق الحالي في واقعنا السوداني بالتأكيد هناك جهات ترى ان الوصول إلى سلام عبر الحل السياسي الشامل ربما يتعارض مع مصالحها المستقبلية ولذا تسعى إلى ضمان أو تأمين مصالحها في أي معادلة تؤدي إلى تغيير بنية السلطة وكيفية تخلقها في سياق جديد أي سياق السلام. و لضرورة التبسيط فإن تحليل مجال القوة في سياق الحرب في السودان يشير إلى حقيقة أن جل السودانيين ( فاعلين و خلافه) متضررون من الحرب و جلهم لم يجد فرصة للانتفاع بما أفرزته إلا قلة قليلة من الفاعلين العسكريين و المقربين منهم من رجال الأعمال و السماسرة وتجار الأزمات، لذا يمكن القول أن المصالح المباشرة لغالبية الشعوب السودانية تكمن في بناء سلام مستدام ركيزته العدالة و المحاسبة و له مؤسسات و آليات تضمن تحقيق العدالة ليس كشرط ميلاد بل كشرط ديمومة.
ما يقف بين الغالبية من السودانيين و التعبير عن هذه المصالح هو التناقض التاريخي المعروف بين السلام و العدالة والشعور بالغضب جراء التشرد واللجوء وفقدان الممتلكات المادية و المعنوية، هذه المشاعر تجعل الكثيرين يعتقدون أن مصالحهم تبدأ بالقصاص و بتجفيف مصادر الأذى و هنا مصدر الأذى هو الدعم السريع و حلفائه للغالبية والقوات المسلحة وحلفائها لأعداد كبيرة من السودانيين خصوصا في مناطق تاريخيا ظلت في حالة مواجهة مع الدولة المركزية.
الفاعلون في هذا الفضاء و هم القوى الرافضة للحرب، و ليست المحايدة في الحرب، و تشمل العديد من القوى السياسية والاجتماعية التي جلها كانت من القوى الاجتماعية التي كانت في صف التغيير السياسي الذي ظل يتخلق منذ التسعينات و الآن يتم الحديث عنها كقوى ثورة ديسمبر، وفي الحقيقة هي القوى الديمقراطية التي تسعى إلى إقامة نظام ديمقراطي.
و بالرغم من أن الخلافات بين الفاعلين في هذا المجال تبدو و كأنها عميقة و مبدئية لكن بالقليل من التدبر في أدبيات هذه المجموعات المنتشرة في مبادرات شبابية ونسوية و تحالفات و مجموعات واتساب يبدو جليا أن الخلافات بينها اعتباطية و أقرب إلى التنافس حول المشاركة و التأثير أكثر منه أنه خلاف في محتوى ما تسعى إليه أو ما يعرف بال Normative، و لغير المتابع قد يبدو هذا التباين و كأنه جوهري و مبدئي و لكن في حقيقة الأمر هذا التباين هو تجلي لإشكاليات ثقافية و بنيوية ( الخوف والتشكيك في النوايا والرغبة في السيطرة نتيجة ذات الخوف) تؤثر في طرائق التفكير و أشكال التنظيم بالإضافة إلى قلة الموارد و تعطل حياة غالبية السودانيين ليصبح الانخراط في الفضاء العام سوءا الاسفيري أو الأرضي هو ما تبقى للملايين بعد أن توقف العمل و تعطلت المدارس و توقفت المزارع و دمرت المصانع، و عليه جزء من هذه الخلافات الاعتباطية ستقل ما أن تبدأ عملية استعادة الفضاء المدني في أي عملية سلام. المؤكد أيضا أن التحالفات السياسية القائمة الآن سواء الداعمة سياسيا لسلطتي الأمر الواقع في بورتسودان و الخرطوم أو في نيالا أنها وفقا لما هو مكتوب في أبياتها أنها تتفق في أهم القضايا: وحدة السودان، الفيدرالية، المواطنة المتساوية، الانتقال إلى نظام ديمقراطي يقوم على سيادة حكم القانون كركيزة و مرجعية تقود إلى التبادل السلمي للسلطة و تقاسم الموارد على أسس عادلة، معالجة الاختلالات البنيوية في بنية الدولة و ذلك يشمل عمليات اصلاح وإعادة بناء جهاز الدولة وعلى رأسها المنظومة الأمنية و العسكرية. القوي التي قد تقف ضد الحل السياسي التفاوضي تشمل مجموعات منتفعة من الوضع الحالي لتركيبة هرم السلطة و هذا يشمل كل الأطراف المشاركة في سلطات الأمر الواقع في بورتسودان و نيالا و غيرها اذ من المؤكد أن هناك اقتصاد حرب و منافع أصبحت مرتبطة بالوضع الحالي Status Quo خصوصا اذا اعتقد هؤلاء الفاعلين السياسيين و العسكريين أن التسوية السياسية لابد لها أن تقوم بإعادة ترتيب بنية السلطة بما يتماشى مع تحقيق متطلبات السلام بغض النظر عن الصيغة التي يتوافق عليها السودانيين في حوارهم الذي لو أن قيامه يتحدد بعدد المرات التي يذكر فيها لأصبح واقعا منذ زمن بعيد.
وضرورة الحل السياسي تتطلب أولا القبول بحقيقة أنه لا يوجد حل عسكري و قد جربنا ذلك لثلاثة أعوام و النتيجة أننا خلقنا واقعا أكثر تعقيدا، وربما على وشك الانفلات من سيطرة أي فاعل، إذا ما قارنا ذلك بيوم اندلاع الحرب في يوم 15 أبريل 2023، عليه على الأطراف المتحاربة من حملة السلاح أن تتوافق على ثلاث قضايا: أولها أنها ستقبل بمخرجات الحوار السياسي بين الفاعلين السودانيين و أن بداية خروج السلاح من الحياة السياسية يبدأ بعدم توظيف السلاح للترفيع السياسي أو لإقامة الحجة أو إرغام الخصوم السياسيين، ثانيها ما هو الدور الذي يجب أن تقوم به الأطراف الحاملة للسلاح بمجرد توقيع الهدنة الإنسانية، أعني هنا هل يجب أن تكون لهذه الأطراف مسؤولية في حفظ الأمن و في تسهيل حركة المدنيين بين مناطق السيطرة حتى تبدأ الحياة في العودة إلى طبيعتها وهل هناك دور لقوات خارجية؟، أما ثالثها واعقدها هو المعادلة التي تخاطب مصالح ومخاوف الأطراف المتقاتلة و في نفس الوقت تحقق القدر المعقول من العدالة و المحاسبة و تجترح رؤية تقطع مع ماضي الحرب و تفتح أفق البلاد نحو المستقبل وهذا يتطلب تنازلات شبيهة بتجرع السم للجميع مع ضمان أن لا تكون هذه المعادلة بمثابة إعادة إنتاج لبنية الحرب مرة أخرى.
خلاصة القول أن الحل السياسي مهما بدا صعبا الا أنه أقل كلفة و بقليل من الخيال والإرادة السياسية و سلامة النوايا يمكن تصميم عملية سياسية حقيقية تخاطب جذور القضايا و تحرك و تشرك بأشكال متنوعة ما يكفي من الناس ( 3.5%) لإعطائها المشروعية و القبول و التوافق. لحدوث ذلك هناك مسؤولية ومتطلبات من الجميع لتهيئة العقول و القلوب لتحولات كبرى، وفي تقديري علي رأس هذه المتطلبات يجب أن يتوقف الجميع من السجالات حول سرديات الحرب فمن الواضح أنه لن يغير أي طرف تصوره لسرديات الحرب مهما توفر من حقائق و براهين فهذه مواقف نفسية لا علاقة لها بالمنطق و الحجة و الحقائق بل أننا في عالم ما بعد الحقيقة يمكن صناعة حقائق وشواهد لتبرير المواقف.
و علينا أيضا قبول مبدأ أن يغير الناس مواقفهم و يأتوا إلى حقيقة أنه لا حل عسكري و أن الحل السياسي هو الصحيح و ان نكف عن ” ما قلنا ليكم” فالناس تتحرك من مواقع اجتماعية متباينة و طبيعي أن يكون هناك تباين في كيفية وتوقيت الوصول إلى خلاصات، بل علينا أن نفهم الحالة النفسية للناس و نعطيها قدرها بدلا من من أسلوب المغارز الذي أصبح للأسف ثمة طبيعة و طريقة عمل الوسائط الاجتماعية. كما أن على الأطراف التي تعتقد أنها ستخسر في أي عملية حل سياسي أن تفكر في كيفية أن تعيد ترتيب أوراقها وفقا لهذا المتغير بدلا من محاولة فرض إرادتها و التعامل مع تطلعات السودانيين للسلام كرهينة، و كلفة تغيير المواقف أقل بكثير من الوقوف ضد إرادة داخلية و إقليمية و دولية جامعة لإيقاف الحرب.
أما الأهم أن نفهم مبكرا أنه لا توجد وسيلة لإشراك كل الناس في وقت واحد في كل العمليات المتعلقة بصناعة السلام ولكن يمكن أن نتواضع على صيغ تمكن أكبر قدر من الناس في المشاركة في رسم مستقبل بلادهم و هذا لا يبدأ بسؤال لماذا هؤلاء بل كيف يمكن توسيع المواعين ليكون هؤلاء وأولئك و نحن. لا محالة ان السلام قادم و لكنه يتطلب إرادة و رؤية و خطة عمل بلا شك أعقد وأصعب من إشعال الحرب و مواصلتها، بل على كل منا و من مواقعنا أن نعجل بذلك قبل أن يفقد الفاعلين العسكريين القدرة على وقفها حتى إذا أرادوا. (29 أبريل 2026 _اي ما يعادل 26,657.43 ساعة منذ اندلاع الحرب) ماهو رأيك في هذا المقال ؟
مداميك
المصدر:
الراكوبة