يرى مراقبون أن السودان يمر الآن بأخطر مراحله التاريخية وبدأت فيها ملامح الدولة تتآكل وتهدد وجودها وتماسكها، مما يستدعي إرادة صادقة لتحقيق توافق وطني يغلب المصلحة الوطنية العليا لإنقاذ للبلاد من الذهاب نحو هاوية الانقسام والضياع.
كشفت مصادر سياسية عدة عن ترتيبات جارية لانعقاد محتمل لجولة تفاوضية جديدة بين الجيش السوداني وقوات “ الدعم السريع ” خلال فترة لا تتجاوز الشهرين ضمن منبر جدة، وسط أنباء عن مؤشرات بانفراج وشيك في الأزمة السودانية باستعادة المسار التفاوضي.
وقالت مصادر سياسية عدة إن جهود الوسطاء الدوليين والإقليميين الرامية تتواصل لإنهاء النزاع في السودان وإيجاد تسوية للأزمة المتفاقمة، عبر استئناف التفاوض من خلال إحياء منبر جدة ، في أعقاب إبداء الجيش السوداني استعداده للعودة للمسار التفاوضي.
ويرى المراقبون أن البلاد تمر الآن بأخطر مراحلها التاريخية بدأت فيها ملامح الدولة تتآكل وتهدد وجودها وتماسكها، مما يستدعي إرادة صادقة لتحقيق توافق وطني يغلب المصلحة الوطنية العليا لإنقاذ للبلاد من الذهاب نحو هاوية الانقسام والضياع.
في السياق يرى الدبلوماسي السباق والمحلل السياسي السفير الصادق المقلي إلى أن اتساع معسكر القوى المدنية الداعي لوقف الحرب بانضمام قوى جديدة إلى معسكر السلام، يعد مؤشراً إيجاباً يدعم من اتجاه الحل في هذه المرحلة الحاسمة التي تعد آخر محطات معالجة الأزمة السودانية.
ولفت المحلل السياسي إلى أن كل القرائن تشير إلى أن التسوية السياسية للأزمة السودانية أصبحت الآن في مراحلها النهائية، وأن الاحتمال الأول هو استئناف منبر جدة خلال 40 يوماً، بينما يظل التدخل الدولي خياراً بديلاً في حال ممانعة أي طرف وتعذر المفاوضات، وهو أمر مستبعد في ظل الضغوط العالمية والإقليمية المتزايدة.
وأكد المقلي أنه لم يبقَ أمام طرفي الحرب سوى الامتثال لخريطة الرباعية التي يلتف حولها المجتمع الدولي بما فيها (الخماسية) التي تضم الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي والجامعة العربية، أو فتح الباب أمام التدخل الدولي.
وتعتزم المجموعة (الخماسية) تنظيم لقاء للقوى السياسية السودانية خلال مايو (أيار) المقبل يشمل الذين لم يشاركوا في مؤتمر برلين، وفق مبعوث الإيغاد إلى السودان لورانس كورباندي.
وأشار كورباندي إلى أن الغرض الأساس الذي تشكلت من أجله المجموعة هو توحيد الجهود الدولية والإقليمية في ملف السودان وتجنب تشتت الأجندات، حيث تتركز مهمتها على الدفع بجهود السلام وتسهيل الحوار السياسي بين الأطراف السودانية المدنية، وترى أن الحل يجب أن يكون نابعاً من إرادة السودانيين وليس من الخارج.
داخلياً أعلن تحالف (الكتلة الديمقراطية) المؤيد للجيش عن اكتمال الترتيبات النهائية لانعقاد اجتماعها التنظيمي الثاني بمدينة بورتسودان، خلال الفترة من الـ25 حتى الـ27 من أبريل (نيسان) الجاري، بمشاركة كافة الكيانات السياسية والمدنية التي تضمها.
وبحسب مصادر بالكتلة فإن الاجتماع سيناقش عدداً من الملفات السياسية المهمة على رأسها توحيد الرؤى ترتيب البيت الداخلي للتحالف خلال المرحلة الراهنة.
ويرى رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل أن القوى السياسية المدنية باتت الآن أقرب لتوحيد رؤيتها من أي وقت مضى تحت جهد وراية المجموعة (الخماسية) التي تضم (الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي و(إيغاد) وجامعة الدول العربية)، إذ تعكف المجموعة الآن على تشكيل لجنة تحضيرية للحوار السوداني الذي سيعقد خارج السودان وليس داخله.
ولفت المهدي إلى أن الاختراق الذي أحدثته وثيقة مؤتمر برلين بتوحيد الموقف السياسي والمدني لكل القوى السياسية والمجتمعية التي فرقتها الحرب حول وثيقة واحدة تدعو إلى إنهاء الحرب ومنع توسعها لمناطق جديدة في السودان، بما فيها مشاركة تنسيقية القوى الوطنية المؤيدة للسلطة بوفد ضم 10 من أعضائها إلى أحزاب (الأمة والأمة القومي وتحالف صمود والكتلة الديمقراطية، إضافة إلى تجمع نسوي وتمثيل للشباب)، واتفاقها على الدعوة إلى إنهاء الحرب، من شأنه أن يسهل انطلاق الحوار السوداني.
من جانبه كشف المتحدث باسم تحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بكري الجاك، عن وجود مؤشرات حقيقية على بعض التحول في موقف الجيش بالموافقة على استئناف التفاوض تحت مظلة منبر جدة، مشيراً إلى اتصالات بين الجيش وواشنطن بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية، كخطوة قد تمهيدية لعملية سلام أوسع.
وتوقع متحدث (صمود) أن تبحث جلسات مجلس الأمن خلال الأيام القليلة المقبلة آليات متابعة أي وقف محتمل لإطلاق النار، إلى جانب دور الجهات الدولية في ضمان الالتزام به. لكنه قلل من أهمية التوافق الذي تم في مؤتمر برلين بواسطة مجموعات ليس بالضرورة أنها تمثل كل السودانيين، حول ضرورة وقف التصعيد وعدم وجود حل عسكري للوضع في البلاد، مشدداً على أن توحيد القوى المدنية السودانية يأتي في مرحلة العملية السياسية التالية لوقف إطلاق النار.
في شأن الحوار السياسي الذي أعلن عنه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس وصفه الجاك بأنه لا يخاطب الهدنة الإنسانية أو مطلوبات الشعب السوداني أو يوقف الحرب، بقدر ما هو مصمم للمضي قدماً في إرضاء طموحات رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان ومحاولات تنصيبه رئيساً للجمهورية.
وكان رئيس وزراء السودان كامل إدريس أعلن على نحو مفاجئ سعي حكومته لإجراء حوار سياسي شامل بحلول نهاية مايو المقبل تشارك فيه كافة قطاعات الشعب السوداني للخروج بتوافقات عريضة حول التحديات التي تجابهها البلاد، وذلك قبل الوصول إلى تنظيم انتخابات حرة ونزيهة بمراقبة دولية وإقليمية ومحلية، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات وتسهيلات لعودة المعارضين من الخارج.
بدوره أكد رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول الالتزام بالسلام وإنهاء الحرب والتحول المدني الديمقراطي بوصفها قضية وطنية لا تقبل القسمة على اثنين.
وكشف أردول عن تحركات جديدة تلوح في الأفق في إطار المساعي الدولية والإقليمية لإعادة كل من الجيش و”الدعم السريع” إلى طاولة المفاوضات خلال الفترة المقبلة بغرض إنهاء الحرب في السودان. وتابع “يمثل إنهاء الحرب مطلباً شعبياً واسعاً لدى السودانيين، الذين تزايدت معاناتهم بسبب استمرار النزاع، وما ترتب عليه من نزوح وتشرد وتدهور في الأوضاع المعيشية، ويتوقون الآن بوضوح لوقف الحرب، والعودة إلى حياتهم الطبيعية، بما في ذلك الرجوع إلى القرى ومواقع العمل والمزارع، واستعادة الاستقرار والكرامة”، لافتاً إلى أن أي خطوة نحو التفاوض تمثل بارقة أمل يمكن أن تفتح الطريق لإنهاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد.
على صعيد متصل توقع عضو مجلس السيادة السابق صديق تاور أن تواجه جولة المشاورات السياسية التي تعتزم المجموعة الخماسية تنظيمها في مايو المقبل، تحديات عدة في شأن تنظيم العلاقة بين القوى السياسية والقوى المدنية وحول من يمثل القوى المدنية (النساء والشباب والمجتمع المدني)، مشيراً إلى أن تداخل الأدوار بين القوى السياسية والمدنية والمهنية ظل مشكلة مستمرة في السودان.
واقترح تاور أن تتولى القوى السياسية وضع المشروع السياسي، بينما تركز القوى المدنية على الملفات الإنسانية والحقوقية والمهنية، إذ إن هذا الخلط كان من أسباب فشل التجارب الانتقالية السابقة.
على نحو متصل يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية عبدالجليل عبدالله أنه وعلى رغم من الواقع شديد التعقيد بدأت ملامح توحيد القوى المدنية السودانية تظهر بوضوح من خلال توسع جبهة وقف الحرب، بعدما أدرك عديد منها أن التوافق الوطني بات ضرورة وطنية ملحة، وهو يحتاج إلى تنازلات وشجاعة سياسية من أجل مصالح البلاد العليا، لأن البديل هو مزيد من الدمار والانهيار الشامل.
لذلك عدَّ عبدالله الاتساع المتنامي لجبهة وقف الحرب في السودان عاملاً مهماً في التعجيل بالحلول وإنهاء الأزمة المتطاولة بالبلاد، بخاصة أن استمرار القتال والمعاناة غير المسبوقة التي وصل إليها حال الناس، أوجد رغبة شعبية متنامية في وقف الحرب، كما دفع بالعديد من القوى المدنية السياسية التي كانت تدعم الحسم العسكري إلى التحول إلى خانة وقف الحرب، إلى جانب أن تسارع إيقاع الحراك الإقليمي والدولي شكل عاملاً مهماً في حفز القوى السياسية على المضي في التوجه ذاته.
وأشار الأكاديمي إلى أن الانسداد السياسي الطويل تسبب في تعطيل الحلول الداخلية، لمصلحة تقدم الحل الدولي حتى أصبح الآن شبه جاهز، بعد أقر المجتمع الدولي أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً، وباتت مهدداً للأمن والسلم الدولي والإقليمي، في ظل بروز مؤشرات قوية على تدخل محتمل لمجلس الأمن. وقال، “مع اتساع الدمار وتفاقم الكارثة الإنسانية والمعاناة الإرهاق الشعبي من الحرب، بدأ صوت وقف الحرب يعلو كقاسم مشترك يصعب على أي فاعل مدني رفضه أو الوقوف ضده، مما زاد من الضغوط على القيادات المدنية لتجاوز خلافاتها الموروثة، فضلاً عن تزايد الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه تشكيل كتلة مدنية موحدة للتفاوض، لأن تعدد المنصات سيضعف أي عملية سياسية مستقبلية”.
ومن أبرز الكتل السياسية المدنية الرئيسة المتصارعة في السودان، التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الذي يضم طيفاً واسعاً من الأحزاب ولجان المقاومة والشخصيات المستقلة، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، وينادي بإنهاء الحرب عبر حل سياسي تفاوضي، لكنه يتهم من خصومه بأنه الجناح السياسي لـ”الدعم السريع”.
في المقابل تقف الكتلة المدنية (الديمقراطية) الأقرب للجيش وهي تحالف يضم مجموعة من القوى التقليدية والحركات المسلحة التي يقاتل بعضها مع الجيش، وترى أن الأولوية للحسم العسكري قبل أي تسوية سياسية، وتربط وقف الحرب بشروط ميدانية بضرورة انسحاب واستسلام قوات الميليشيات وتسليم سلاحها، وتتهم بتوفير الغطاء السياسي للجيش بما يضمن مشاركتها في السلطة والحفاظ على مواقعها السياسية.
وتمثل شبكات لجان المقاومة القاعدة الشبابية لثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019، ترفض الحرب والشراكة مع العسكريين، وتدعو سلطة مدنية خالصة، وفي الوسط يقف تحالف (التراضي الوطني) بقيادة مبارك الفاضل رئيس حزب الأمة مع الدعمين لوقف الحرب والحل السياسي التفاوضي.
إلى جانب وجودها ضمن (التيار الإسلامي العريض) التي تنضوي تحته تيارات إسلامية عدة بما فيها حركة الإصلاح الآن، وأجنحة من المؤتمر الشعبي، تقف الحركة الإسلامية داعمة للجيش في شبه تحالف عسكري وسياسي معه، بينما تتهم بالعمل على عودة النظام المؤتمر الوطني السابق، وتواجه عزلة ورفض من التحالفات المدنية وبعض القوى الإقليمية والدولية الكبرى.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة