آخر الأخبار

هل تعيد اختناقات هرمز اكتشاف موانئ السودان؟

شارك

ملخص

يمتلك السودان خمسة موانئ بحرية رئيسة وأخرى فرعية على ساحل البحر الأحمر، تشكل البوابة الرئيسة لتجارة البلاد الدولية، وتغطي كل الحاجات التجارية والنفطية للبلاد، وتمر عبرها 90% من الصادرات والواردات، تدار عبر هيئة الموانئ البحرية السودانية.

لم يكد مضيق هرمز  يفتح أمام حركة التجارة العالمية حتى أعادت إيران إغلاقه في اليوم التالي لفتحه احتجاجاً على استمرار الحصار الأميركي على السفن الإيرانية، ليعود العالم من جديد إلى التجربة المرة ذاتها التي تنفس فيها الصعداء جراء الضائقة التجارية الخانقة التي هزت أسواق النفط الدولية واقتصادات العالم لنحو 48 يوماً منذ إغلاقه في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، وإزاء هذه التقلبات وحال الاضطراب الأمني المتكرر التي يشهدها الخليج العربي ومضيق هرمز، وما عززته من مخاوف مستقبلية على التجارة الدولية، بدأت الموانئ السودانية على البحر الأحمر تتحسس أهميتها وتختبر جاهزيتها لاحتمال استقبال جزء من حركة تلك التجارة، فأي أهمية يمكن أن تكتسبها تلك الموانئ كبديل لوجيستي وأحد المسارات الآمنة للملاحة الدولية ونقل الطاقة عبر البحر الأحمر؟

وفي ما أشارت بعض التقارير إلى احتمال تعاظم أهمية موانئ  البحر الأحمر في المرحلة المقبلة، بصورة تجعل السودان إحدى الدول التي قد تستفيد من حال الشد والتوتر وتذبذب إغلاق وفتح المضيق، توقع متخصصون أن تلفت هذه الأوضاع أنظار كثير من القوى الدولية والإقليمية للدور الاستراتيجي الذي يمكن أن يؤديه ساحل السودان الشرقي ضمن منظومة الممرات البحرية البديلة وأمن البحر الأحمر، بخاصة ما يلي تأمين إمدادات دول الخليج العربي وأوروبا.

وعلى رغم أن السودان نفسه لم يكن بمنأى من تأثيرات ومضاعفات إغلاق مضيق هرمز، نتيجة اعتماده على وارداته من الوقود عبر هذا الممر، فإن متخصصين في الملاحة البحرية يؤكدون أن موقع السودان الاستراتيجي وساحله الممتد لنحو 800 كيلومتر على طول البحر الأحمر يمنحه فرصة ليصبح بوابة لوجيستية بديلة محتملة وآمنة.

ويمتلك السودان خمسة موانئ بحرية رئيسة وأخرى فرعية على ساحل البحر الأحمر، تشكل البوابة الرئيسة لتجارة البلاد الدولية، وتغطي كل الحاجات التجارية والنفطية للبلاد، وتمر عبرها 90 في المئة من الصادرات والواردات، تدار عبر هيئة الموانئ البحرية السودانية.

وتختلف أدوار الموانئ السودانية وعلى رأسها ميناء بورتسودان الشمالي، المنفذ البحري الرئيس للبلاد، الذي تم افتتاحه رسمياً في الرابع من أبريل (نيسان) 1909، ويقوم بدور مناولة البضائع العامة والحاويات، والسلع السائبة والمصبوبة كالزيوت والأسمنت والمحاصيل وصادرات الماشية، ويعد الميناء الأكثر نشاطاً وتستفيد منه حالياً بعض دول الجوار غير المشاطئة.

ويمثل الميناء الجنوبي محطة رئيسة للحاويات، إلى جانب الميناء الأخضر لاستقبال السفن الكبيرة المحملة بالبضائع الجافة.

أما ميناء سواكن ويعرف أيضاً باسم “ميناء الأمير عثمان دقنة”، فهو مخصص لنقل الركاب وصادر المواشي والبضائع العامة، ويربط بين السودان والسعودية عبر ميناء جدة، فيما يقوم ميناء بشائر (الأول) بمناولة وتصدير المنتجات النفطية والمشتقات البترولية، وخصص (الثاني) لصادر نفط جنوب السودان.

بديل لوجيستي

يوضح المدير السابق للمصلحة البحرية السودانية المهندس محجوب حسين أن الأزمة التي يمر بها العالم حالياً لفتت الأنظار إلى أهمية ودور موانئ السودان البحرية، وما يمكن أن تقدمه كبديل لوجيستي بحكم الموقع الجغرافي الملائم والمميز في منتصف سواحل البحر الأحمر على طول امتداده من الشمال إلى الجنوب، مما يجعل خدماته تغطي كلا الجزأين الشمالي والجنوبي، بينما تقع بقية الموانئ البحرية إما في أقصى شمال أو جنوب البحر الأحمر.

يشير حسين إلى أنه من خلال هذا الموقع تبدو الموانئ السودانية أكثر ملاءمة وتتمتع بصلاحية تمكنها من أن تقدم خدماتها عبر البر والموانئ البحرية المقابلة لها على الضفة الشرقية في كل من جدة وينبع وجيزان والعتبة، وتستطيع تلك الموانئ التواصل المفتوح مع أفريقيا عبر الموانئ السودانية، بما فيها السعودية والأردنية، وتابع “يمكن لتلك الدول عبر اتفاقات ثنائية أن تستخدم الموانئ السودانية كحلقة وصل آمنة بالنسبة إلى الدول التي عانت أزمة هرمز، بخاصة أن معظم الموانئ العربية موجودة أصلاً في منطقة التوتر والاستهداف أثناء الحرب، بينما تتمتع الموانئ السودانية بوضع أمني مستقر وبعيدة من النيران”، مبيناً أنه يمكن للموانئ السودانية أن تستخدم كموانئ عبور (ترانزيت) لجميع الخطوط البحرية الأخرى يتم عبرها الوصول والتوزيع لكل الساحل الآسيوي.

من جانبه يرى المتخصص في النقل البحري حسين عبدالسميع، أن الموانئ السودانية، وعلى رأسها ميناء بورتسودان، يمكن أن تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في مثل هذه الظروف، بخاصة في حال طول أمد التوترات وتذبذب الوضع في مضيق هرمز، حيث يتوقع أن تزداد حركة التجارة عبر البحر الأحمر بصورة تدرجية، ومن ثم تنشط حركة الاستثمار في الموانئ السودانية بواسطة الدول التي تسعى إلى تأكيد حضورها في منطقة القرن الأفريقي الحيوية.

يشير عبدالسميع إلى أن تداعيات الأزمة المستقبلية يمكن أن تحول الموانئ السودانية إلى بديل استراتيجي ومنفذ مهم لنقل وتصدير نفط وغاز دول الخليج عبر البحر الأحمر، ومرور السلع الاستراتيجية للدول الأفريقية والشرق أوسطية لتأمين الأمن الغذائي والسلعي الإقليمي.

وتعقيباً على إعلان رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، تضامن السودان الكامل مع الكويت وجميع دول الخليج وفتح موانئه ومطاراته لاستضافة كل ما تحتاج إليه، يوضح المتخصص في النقل البحري أنه في مثل التوترات الراهنة بإمكان دولة الكويت الاستفادة من الموانئ السودانية، إذ يمنحها مشروع تطوير ميناء الخير، المتخصص في المشتقات النفطية، خياراً مستقبلياً لتخزين أو إعادة شحن منتجاتها البترولية في منطقة البحر الأحمر بعيداً من نقاط الاختناق، إلى جانب أن هناك موانئ رئيسة متاحة للاستخدام الكويتي، منها ميناء بورتسودان لاستقبال السلع العامة والحاويات، وميناء سواكن المقترح ضمن مشروعات استثمارية كويتية في المنطقة الحرة التي تتضمن بناء مطار جديد مجاور للميناء، ويتابع “ليست الكويت فحسب، بل بإمكان دول الخليج كلها استغلال ميناء (بشائر) المخصص لتصدير النفط كخيار متاح لتصدير منتجات الطاقة بعيداً من الخليج العربي، كما بإمكانها الاستثمار في بناء صوامع غلال ومستودعات تخزين ضخمة في الموانئ السودانية (بورتسودان، سواكن) لبناء مخزون استراتيجي من الغذاء يمكن الوصول إليه بسهولة في كل الأوقات”.

بحسب عبدالسميع، تعتبر موانئ السودان على البحر الأحمر ركيزة حيوية لدول عربية مهمة مثل السعودية وقطر، إذ بإمكان الدولتين الاستفادة من موقع السودان الجغرافي لتأمين مصالحهما الاقتصادية والأمنية، بخاصة مع تزايد أهمية البحر الأحمر كممر بديل في ظل التوترات الإقليمية، منوهاً بأن السعودية تعمل من مشروعات رؤية 2030 على ربط نفسها بالموانئ السودانية التي تتيح لها منصة لوجيستية لنقل المنتجات الزراعية والحيوانية السودانية لتلبية حاجاتها الغذائية من السلع المستوردة.

“فلامنجو” الاستراتيجي

إلى جانب الموانئ المدنية يمتلك السودان كذلك قاعدة “فلامنجو” البحرية العسكرية أبرز أكبر القواعد البحرية السودانية لتأمين المياه الإقليمية السودانية على ساحل البحر الأحمر شمال مدينة بورتسودان.

أنشئت قاعدة “فلامنجو” في مطلع الستينيات (فترة تولي الرئيس إبراهيم عبود)، وتم تحديثها في السبعينيات بمساعدة يوغوسلافيا، وجرت محادثات في وقت سابق لم يكتمل الاتفاق في شأنها مثل استضافة مركز لوجيستي روسي، وتعد القاعدة مركزاً رئيساً للأسطول البحري السوداني تتم فيها عمليات التدريب والصيانة.

ساحله الممتد لنحو 800 كيلومتر يمنحه فرصة ليصبح بوابة لوجيستية آمنة (اندبندنت عربية – حسن حامد)

من جانب آخر، يعتمد السودان على قاعدة “فلامنجو” بالبحر الأحمر كخط دفاع أساس لحماية حدوده الشرقية من أي اختراقات أو هجمات بحرية، وتعد ركيزة أساسية ضمن منظومة أمن الدول المطلة على البحر الأحمر لتأمين الملاحة من القرصنة والعمليات الإرهابية ومكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية.

وتكتسب القاعدة أهمية عسكرية كمنصة للنفوذ البحري اللوجيستي والعملياتي لمراقبة الممرات، وهو ما يفسر التنافس المحموم لكثير من الدول من بينها روسيا وإيران خلال الفترة الماضية لإنشاء قواعد بحرية لها في بورتسودان، كونها توفر بنية تحتية جاهزة لاستقبال سفن الإمداد العسكري والبوارج الحربية الكبيرة لتقديم الدعم اللوجيستي وعمليات الصيانة.

وكانت هيئة الموانئ البحرية السودانية أعلنت عن خطة شاملة تستهدف تأهيل الموانئ لتصبح بوابات رئيسة لتجارة الترانزيت وخدمة الصادرات السودانية وفق معايير عالمية، عبر تطوير وتحديث البنية التحتية والإنشائية وزيادة مناولة الحاويات إلى 500 ألف سنوياً.

وتشمل الخطة بحسب المدير العام للهيئة جيلاني محمد جيلاني، تطوير ميناء أوسيف، وبناء أرصفة جديدة ومربطين للسفن بسعة 50 ألف طن لزيادة القدرة التخزينية، إلى جانب تحديث نظم التشغيل وتبني معايير دولية لتعزيز القدرة التنافسية.

وتتجه الهيئة وفق جيلاني إلى تعزيز الشراكات الدولية لتحديث الموانئ التخصصية بالاستعانة بشركات صينية متخصصة في الهندسة الملاحية لتنفيذ دراسات التطوير، إضافة إلى مقترحات تعاون مع مصر لتطوير الموانئ البحرية السودانية ودعم الخدمات اللوجيستية بالتركيز على تطوير الموانئ المتخصصة وتوفير الآليات والمعدات الحديثة.

وكانت مصر طرحت في وقت سابق المشاركة في تطوير الموانئ البحرية السودانية، وأبدى رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، استعداد بلاده لتقديم كل أوجه الدعم والتعاون مع هيئة الموانئ البحرية السودانية.

وتعتبر شركة الخطوط البحرية السودانية أولى شركات النقل البحري فـي أفريقيا والشرق والأوسط، وقد باشرت نشاطها التجاري عام 1962، إلا أن نظام الرئيس السابق عمر البشير أعلن عام 2017 تصفية الشركة رسمياً.

وأعلن وزير النقل والطرق والجسور مكاوي محمد عوض عن تسجيل شركة أخرى باسم “سنجنيب” (لم تملك أسطولاً حقيقياً)، وتوقيع اتفاق إطاري مع شركة “بولي” الصينية لتنفيذ مشروع إعادة بناء الأسطول البحري للشركة، لكن ذلك لم يتم بينما لم يتبق لها أية بواخر صالحة للإبحار.

وبعدما كانت الشركة تمتلك أسطولاً بحرياً يضم 15 باخرة، تم بيعها جميعاً ضمن سياسات الخصخصة والتخلص من مؤسسات القطاع العام.

عقب سقوط نظام البشير في 2018 ألغي قرار تصفية الشركة بحكم قضائي وعاد اسم “الخطوط البحرية السودانية” للشركة لتعمل كناقل وطني، وعلى رغم الإحياء القانوني للشركة فشلت محاولة استئجار السفن لتشغيلها كمرحلة أولى بسبب عقبة التمويل والضمانات الحكومية، حتى اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وتجمد خطط عودة الناقل الوطني البحري من جديد.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا