عاين- 19 أبريل 2026
ارتبط تنظيم الإخوان المسلمين في السودان بإدارة أموال ضخمة، لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب بعد القرار الأمريكي الذي صنف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، الأمر الذي سيكون له تأثير مباشر في نقل هذه الأموال بين الدول ورصد حركتها.
وفي التاسع من مارس 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً تصنيفاً خاصاً، كما صنفت لاحقاً في ذات الشهر الجماعة منظمة إرهابية أجنبية اعتباراً من 16 مارس 2026.
وحسب حيثيات القرار الصادر عن الخارجية الأمريكية، فقد تم التأكيد على أن “جماعة الإخوان المسلمين السودانية” تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان، ونشر “أيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة”. وقد نفذ مقاتلوها، الذين يتلقى العديد منهم التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني، عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين. وكان قد سبق ذلك تصنيف “لواء البراء بن مالك” التابع للجماعة بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر 2025؛ لدوره في الحرب الوحشية المستعرة في السودان.
مال سياسي
وانخرط إسلاميو السودان -وفقًا للمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، أحمد خليفة- في مشاورات مستمرة للتعامل مع التصنيف الصادر من الولايات المتحدة منذ مارس الماضي، مؤكداً أنهم قلقون للغاية بشأن الأموال المتحركة في الاستثمارات بين دول الخليج وأوروبا وتركيا .
أموال الإسلاميين، وتحت وطأة التصنيف الأمريكي بالإرهاب، لم تُجمد بل “تسيّلت” لتدخل في شرايين الاقتصاد الخفي عبر واجهات تجارية وشركات تعود إلى شخصيات من الصف الثاني
متخصص في الجماعات الإسلامية
ويقول خليفة في مقابلة مع (عاين): “بينما كانت واشنطن تُحكم حصارها الاقتصادي عبر إصدار سلسلة من القرارات واللوائح، كانت هناك أموال غير منظورة للإسلاميين في السودان تنسج شبكة موازية تفوق الخيال في مرونتها؛ فلم تكن مجرد أرصدة في بنوك، بل تحولت إلى (أخطبوط مال سياسي) تودع وتتحرك في ملاذات سرية”.
عناصر من لواء البراء بن مالك الموالية للحركة الإسلامية – الصورة مواقع التواصل الاجتماعيويشير أحمد خليفة إن أموال الإسلاميين، وتحت وطأة التصنيف الأمريكي بالإرهاب، لم تُجمد بل “تسيّلت” لتدخل في شرايين الاقتصاد الخفي عبر واجهات تجارية وشركات تعود إلى “شخصيات من الصف الثاني”، تمتد من شرق أفريقيا إلى قلب الخليج، وصولاً إلى بعض العواصم الأوروبية. وتابع قائلاً: “لقد أتقن مهندسو هذه الأموال فن التمويه المالي، حيث تحولت الاستثمارات الضخمة إلى كيانات صغيرة مجهولة الهوية، مما جعل ملاحقتها من قبل الخزانة الأمريكية أشبه بمطاردة شبح في ليلة عاصفة”.
خارطة الاستثمارات
وفي السياق ذاته، يرى المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم أن تتبع حركة أموال الإسلاميين من قبل الولايات المتحدة يرتبط مباشرة بقرار تصنيف هذه الجماعات كمنظمة إرهابية. ويشير في مقابلة مع (عاين) إلى أن هناك خيارات وضعتها الجماعة قيد التنفيذ، مثل نقل الأموال من بعض الدول إلى سلطنة عمان، رغم أن الأخيرة قد لا تسمح بتوسيع الشبكة المالية للمجموعة على أراضيها. في الوقت نفسه، تتوفر معلومات عن صفقات عقارية في ماليزيا وبريطانيا مرتبطة بعناصر تنتمي إلى “إسلاميي السودان”.
أُنشئت مؤخرا ما لا يقل عن 27 شركة لاستيراد الوقود برأسمال لا يقل عن 500 مليون دولار مرتبطة بالإسلاميين
محلل اقتصادي
وتابع إبراهيم قائلاً: “إذا كان هناك أشخاص وكيانات مرتبطة بالتوجهات الإسلامية وموضوعة تحت بند العقوبات الصادرة من الخزانة الأمريكية في سبتمبر 2025، فإنها أيضاً تستثمر أموالاً طائلة داخل السودان عن طريق واجهات أخرى”. وأردف: “ما لا يقل عن 27 شركة لاستيراد الوقود برأسمال لا يقل عن 500 مليون دولار نشأت خلال الفترة الماضية، وتقودها شخصيات عامة لإيهام الرأي العام بأن الإسلاميين لا صلة لهم بها، لكن هذا الأمر غير صحيح”.
ويعتقد إبراهيم أن الأموال الخاصة بـ “التنظيم الإسلامي” ذات أبعاد متعددة؛ فقد يمتلك الأشخاص ملكية خاصة للأموال والممتلكات، وهؤلاء يمولون الحرب والمقاتلين والدعاية العسكرية إذا طُلب منهم ذلك، بينما هناك أموال خاصة بالتنظيم نفسه. وهذه الأموال “مبعثرة” بين أوروبا وبريطانيا ومصر والإمارات وتركيا وكوالالمبور، وأغلبها يتحرك ضمن نطاق امتلاك الأصول العقارية لتكون بمعزل عن “السيولة” النقدية، وبالتالي تجنب التتبع من سلطات الهجرة والرقابة المالية في تلك البلدان.
تآكل الموارد وصراع مراكز النفوذ
بالمقابل يرى المحلل الاقتصادي عمار إسماعيل، أن الإسلاميين لديهم أموال تعمل ضمن النظام الاقتصادي في الإمارات وتركيا وماليزيا، لكنها ليست ضخمة، وأغلبها عبارة عن أصول عقارية قد تنمو بمقدار 60 مليون دولار سنوياً بقيمة سوقية تتراوح بين 20 إلى 40 مليار دولار. ويرى إسماعيل أن الإسلاميين يديرون الشركات والأنشطة التجارية خارج البلاد في كل من مصر وبريطانيا والولايات المتحدة وشرق أفريقيا والإمارات وتركيا، عبر أسماء أبناء العائلات أو المعارف أو الأصدقاء. وتدار هذه الأنشطة عن طريق طواقم قد تكون أجنبية أو سودانية، أو عبر أموال مودعة في بنوك بأسماء أفراد لا تربطهم علاقة مباشرة بالتنظيم.
ومع ذلك، يعتقد إسماعيل أن أموال الإسلاميين بالخارج قد “تآكلت” منذ عام 2019؛ لأن فقدانهم للسلطة ظاهرياً جعلهم يخسرون مصادر رئيسية لتدفق الأموال من داخل السودان إلى الخارج. فقد كانوا، على سبيل المثال، يحتكرون استيراد السلع والخدمات، ويجنون قرابة 50 مليون دولار في بعض الصفقات، وهي امتيازات فُقدت بسبب منافسة شركات الجيش وقوات الدعم السريع في الفترة من 2019 حتى 2023.
ويؤكد إسماعيل في مقابلة مع (عاين)، أن شركات الجيش هي الأكثر قدرة على تجميع الأموال، يليهم الدعم السريع، بينما يأتي الإسلاميون في المرتبة الثالثة؛ وذلك لأن السودان يعتبر “الأرض الخصبة” لتوليد هذه الأموال نحو الخارج، وهذا المسار الآن بات شبه متوقف بالنسبة للإسلاميين.
ملاحقة أموال الإسلاميين لن تؤدي كلياً إلى تجفيف منابع الحرب في السودان
متخصص في الجماعات الإسلامية
وفي منحى آخر، يرى الباحث في شؤون الجماعات الاسلامية أحمد خليفة، أن أموال الإسلاميين لم تمول الحرب بشكل مباشر؛ لأنهم لا يفضلون المخاطرة بهذه الأصول، بل قد يعتمدون على رجال أعمال داخل التنظيم لتمويل بعض الصفقات الصغيرة. وأردف قائلاً: “هناك صفقات كبيرة للأسلحة تُبرم بين الجيش السوداني وبعض الدول، وهي تقع خارج نطاق سيطرة الإسلاميين، لأن التمويل يحتاج إلى ضمانات من جهات اعتبارية مثل المؤسسة العسكرية وشركاتها أو وزارة المالية؛ لذا فإن ملاحقة أموال الإسلاميين لن تؤدي كلياً إلى تجفيف منابع الحرب في السودان”.
البقاء في “المنطقة الرمادية“
لم تكن العقوبات الأمريكية خلال حقبة الرئيس المعزول عمر البشير مجرد جدار عازل، بل كانت دافعاً لابتكار مسارات بديلة جعلت من حركة هذه الأموال “لغزاً” يصعب فك طلاسمه؛ إذ اعتمدت الحركة الإسلامية على استراتيجية “الملاذات الرمادية” بعيداً عن رقابة نظام “سويفت” (SWIFT) العالمي.
قائد الجيش السودان وسط عدد من الجنرالات- الصورة ارشيفيةوفي هذا الصدد يقول الباحث في الاقتصاد السياسي، عثمان عبد المنعم لـ(عاين): “في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الدولية عن شلل اقتصادي في السودان بسبب العقوبات المصرفية والاقتصادية، كانت هناك تدفقات نقدية تعبر الحدود عبر نظام (الحوالات) التقليدي تارة، وعبر تجارة الذهب والمعادن النفيسة تارة أخرى، لتستقر في محافظ استثمارية عقارية وزراعية في دول لا تطبق العقوبات الأمريكية بصرامة. هذه الحركة كانت تُدار بواسطة الإسلاميين أو بواسطة مسؤولين حكوميين وجنرالات في الجيش السوداني لديهم ولاء للتنظيم الإسلامي”.
بالمقابل، يتفق عبد المنعم مع الاتجاه الذي يعتقد أن شركات الجيش السوداني هي “الأكثر ثراءً” من التنظيم الإسلامي. ويرى عبد المنعم، أن بعض الإسلاميين عملوا على تهريب الأموال بعد سقوط الرئيس عمر البشير في أبريل 2019 تحت بصر العسكريين الذين تولوا السلطة الانتقالية، مشيراً إلى أن هذه الأموال تُوجه للإنفاق على تحركات عناصر التنظيم وتمويل الأعباء الإدارية للتنظيم نفسه”.
مستقبل الأصول
أما أحمد خليفة، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، فيعتقد أن الحديث عن تواضع ثروات “التنظيم الإسلامي السوداني” غير صحيح، مشيراً إلى أن شركات الجيش نفسها صمدت بفضل وجود عناصر من “التنظيم الإسلامي” خلف نموها وصمودها، موضحاً أن الريع العقاري لرموز الإسلاميين في الخليج ومصر وبريطانيا وماليزيا وتركيا لا يقل عن 200 مليون دولار سنوياً، بينما قيمة الأصول والأنشطة التجارية والعقارات لا تقل عن 50 مليار دولار.
وحول مصير هذه الأموال في ظل تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية لـ “إسلاميي السودان” كمنظمات إرهابية، يرجح خليفة صدور إجراءات جديدة منتصف هذا العام أو نهايته من واشنطن بخصوص الحركة الإسلامية في السودان، قد تحد من فرص بقائها في الواجهة السياسية للبلاد، لكنه يرى من الصعب “المساس” بالأموال، سواء كانت في الداخل أو الخارج، إلا بتغيير سياسي جذري في السودان، وبشكل أعمق مما حدث في الفترة الانتقالية السابقة لأن المجتمع الدولي لديه تنازلاته وتفاهمات سرية في نهاية المطاف.
المصدر:
الراكوبة