تستضيف العاصمة الألمانية برلين مؤتمرًا دوليًا حول السودان، في محاولة جديدة لحشد الجهود السياسية والإنسانية والمدنية لمواجهة تداعيات الأزمة المتفاقمة في البلاد وإعادة الاعتبار للقوى المدنية للمساهمة في إيجاد حلول للأزمة، بينما أعلنت الحكومة عدم التزامها بمخرجات المؤتمر بسبب عدم دعوتها.
ويأتي هذا المؤتمر في ظل استمرار النزاع المسلح وتدهور الأوضاع المعيشية، ما يجعل منه محطة مفصلية لإعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو السودان.
وتنطلق الأربعاء أعمال المؤتمر بهيكلية متعددة المسارات، إذ يضم ثلاثة أنشطة رئيسية تعكس طبيعة الأزمة السودانية المركبة، وهي الاجتماع الوزاري السياسي، والاجتماع الإنساني، والاجتماع المدني السوداني.
وسينعقد الاجتماع الوزاري السياسي بمشاركة وزير الخارجية الألماني وعدد من ممثلي الخارجية الفرنسية والبريطانية والاتحاد الأفريقي وجهات أخرى، بجانب أنيت وايبر مبعوثة الاتحاد الأوروبي إلى القرن الأفريقي. لبحث سبل وقف الحرب الدائرة بين الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو. ويهدف هذا المسار إلى الدفع نحو وقف إطلاق النار، وإحياء العملية السياسية، وخلق توافق دولي يدعم تسوية سلمية شاملة.
وأشارت المصادر إلى أن مشاركة أطراف الرباعية الدولية ستمثل فرصة للضغط على الأطراف التي تملك تأثيراً على طرفي الحرب. كما سيعمل الاجتماع على تنسيق الجهود الدولية، خاصة في ظل وجود أطراف الرباعية والخماسية.
أما الاجتماع الإنساني، فيركز على تنسيق الاستجابة الدولية للأزمة الإنسانية التي تُعد من بين الأسوأ عالميًا، حيث يعاني ملايين السودانيين من النزوح ونقص الغذاء والرعاية الصحية. ويشارك في هذا المسار ممثلون عن منظمات أممية وإغاثية، من بينها الأمم المتحدة، بهدف حشد التمويل وتسهيل إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية واللوجستية.
وسيعمل المسار الإنساني على التركيز على زيادة التعهدات الخاصة بالمساعدات للسودانيين داخل البلاد وخارجها. والوصول إلى تعهدات وجمع أموال رغم الأوضاع التي يشهدها العالم.
عدم دعوة طرفي الصراع في السودان إلى المؤتمر يعود الى عدم وجود تغيير على الأرض في اتجاه السلام
ويأتي الاجتماع المدني السوداني ليمنح مساحة لقوى المجتمع المدني والفاعلين السياسيين غير المسلحين، لطرح رؤاهم بشأن مستقبل البلاد من أجل الخروج برؤية مشتركة وموحدة، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والخماسية، ويُنظر إلى هذا المسار كعنصر أساسي لإعادة الاعتبار للدور المدني في صياغة الحلول، بعد أن همشته سنوات من الصراع بين الأطراف العسكرية.
وتثار شكوك حول قدرة الجهات على الوفاء بالتعهدات، أسوة بمؤتمري لندن وباريس، لكن المصادر تؤكد عزم الجهات المنظمة للمؤتمر على متابعة تنفيذ التعهدات.
وكان المشاركون في مؤتمر برلين قد عقدوا أمس اجتماعاً تحضيرياً في أديس أبابا، اتفقوا خلاله على وقف الحرب واللجوء إلى هدنة إنسانية، والتوصل إلى عملية سياسية بملكية سودانية.
وقالت المصادر إن التواصل سيستمر مع الجهات المانحة لضمان الوفاء بالتعهدات، كما ستتابع الآلية الخماسية الجهود مع الأطراف المدنية السودانية، واعتبرت أن من العوامل التي تضمن نجاح مؤتمر السودان في برلين وجود الأطراف المدنية السودانية، وتنسيق الجهود الدولية المتمثل في الآلية الخماسية والرباعية، وتعيين مبعوث شخصي جديد للأمين العام للأمم المتحدة.
وأرجعت المصادر عدم دعوة طرفي الصراع في السودان إلى عدم وجود تغيير على الأرض في اتجاه السلام، وبعيداً عن المنطق العسكري، مشيرة إلى ضعف الجهود المبذولة في العمل السلمي. كما أشارت إلى أن وزير الخارجية الألماني أبلغ نظيره السوداني بذلك خلال زيارته الأخيرة إلى ميونيخ في فبراير/شباط الماضي.
وأضافت المصادر أن الجهات المنظمة لا ترى سبباً لدعوة طرفي الصراع طالما أنهما لا يعملان من أجل السلام.
من جهته، رحب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” بانعقاد المؤتمر. وقال المتحدث الرسمي باسمه د. بكري الجاك، في تصريحات صحفية إنَّ فكرة انعقاد المؤتمر تهدف إلى حشد الدعم للقضية السودانية باعتبارها من أكبر الكوارث في العالم.
بدورها، رفضت الحكومة السودانية انعقاد المؤتمر دون دعوتها، وقال رئيس الوزراء كامل إدريس إنَّ ألمانيا لا تزال تملك الوقت لاتخاذ القرار الصحيح، وإلا فإن الحكومة السودانية لن تكون ملزمة بأي قرارات تصدر في برلين، وسيكرر المؤتمر إخفاقات سابقيه في باريس ولندن.
وأكد أن نجاح المؤتمر أو فشله مرتبط بمشاركة وحضور الحكومة، وتابع “إذا لم يشمل مؤتمر برلين حكومة السودان، يمكنني أن أؤكد لكم وبثقة تامة وبصراحة أنه سيكون فاشلاً، ولا يمكنكم اتخاذ قرارات نيابة عنا”.
وفي السياق، قالت الخارجية السودانية إن بعثتها الدائمة في جنيف نفذت اجتماعات استباقية لمؤتمر برلين مع رؤساء المنظمات الدولية والإنسانية، بهدف تمليكهم موقف السودان الرسمي من المؤتمر.
وكانت الخارجية قد أعلنت في وقت سابق عن إبلاغ وزارة الخارجية الألمانية برفض عقد مؤتمر برلين حول السودان دون مشاركة الحكومة وموافقتها.
من جهته، حذّر “تحالف السودان التأسيسي” (تأسيس) من إشراك واجهات تابعة للحركة الإسلامية واختطاف الصوت المدني وعرقلة مسار السلام.
ووجّه التحالف في بيان انتقادات للمؤتمر، بأن هناك أوجه قصور جوهرية تجعله غير كافٍ لضمان مسار سياسي يتسم بالمصداقية والشمول.
بدوره، قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إنه دفع بمنسق الشؤون الإنسانية للإقليم عبدالباقي حامد لحضور مؤتمر برلين بصفة مراقب.
وأضاف مناوي في منشور على حسابه في منصة إكس “اطّلعت على الدعوات غير منسجمة مع الأجندة المطروحة وطبيعة الشخصيات المدعوة، ما يعكس سعياً لبحث الحلول في غياب الأطراف المعنية بالمشكلة”، واصفاً المؤتمر بأنه “غريب ولن يأتي بجديد”، معتبراً أن بعض الجهات المشاركة تمثل “عواصم داعمة للحرب”.
وقال “لا يمكن التعويل على المؤتمر ولا على مخرجاته”، متوقعاً ألا يسفر عن نتائج تُذكر.
لكن مجموعة “محامي الطوارئ” أعلنت ترحيبها بمؤتمر برلين، داعيةً المشاركين فيه إلى اتخاذ خطوات عملية تشمل “ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام، وفتح ممرات إنسانية دائمة ومحمية دولياً”.
ورغم أهمية المؤتمر، فإن نجاحه يبقى رهينًا بمدى قدرة الأطراف الدولية على ممارسة ضغط فعلي على الفرقاء السودانيين للانخراط في مسار تفاوضي جاد. كما أن الانقسامات الإقليمية والدولية قد تُضعف من فرص التوصل إلى مواقف موحدة.
المصدر:
الراكوبة