فما بدأ كإجراء إداري مرتبط بمناقصة استيراد غاز الكلور المخصص لتنقية مياه الشرب، والصادرة عن منظومة الصناعات الدفاعية- إحدى الشركات التابعة للجيش السوداني والمدرجة ضمن العقوبات الأمريكية- تحول إلى ملف يضع الجيش تحت المجهر ويعيده إلى دائرة الضوء من جديد.
في هذا التقرير تكشف “العين الإخبارية” استنادا لوثائق وإفادة حقوقية، مؤشرات على رغبة قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، في التوسع في استخدام السلاح الكيماوي، في محاولة يائسة يؤكد مراقبون أن الهدف منها هو الاحتفاظ بالسلطة بتحريض من جماعة الإخوان الممثلة في “الحركة الإسلامية” التي فقدت كل أوراقها، وصنفتها الولايات المتحدة مؤخرا، منظمة “إرهابية”
كيف بدأت القصة؟
القصة بدأت عندما نشرت “هيئة مياه ولاية الخرطوم” في وقت سابق من العام الجاري، كما هو موضح أدناه، العطاء رقم ( ١) لتوريد غاز الكلور المسال، والعطاء رقم (٢) لتوريد بولي ألمونيوم كلوريد، وهي مواد تستخدم لتنقية مياه الشرب.
حتى هذه اللحظة سار كل شيء بشكل طبيعي، بحسب ما قالته المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان في السودان، رحاب المبارك سيد أحمد لـ”العين الإخبارية”.
وأوضحت المحامية أنه: “وبناء على أن هذه العطاءات تم طرحها من قبل هيئة مياه الخرطوم حسب القانون، تقدمت عشرات الشركات للعطاءين، بعد أن استوفت كل الشروط المذكورة في الإعلان”.
وتابعت: “أكثر من ذلك جرى بالفعل فرز العطاءات أمام مندوبي الشركات في الزمن المحدد بواسطة لجنة فرز العطاءات، والتي قامت بتقييم العرض الفني والمالي، وبهذا أصبحت جميع الشركات المتقدمة للعطاء، تنتظر فقط نتيجة الفرز”.
المفاجأة الصادمة
غير أن مسار المناقصة تغير بشكل مفاجئ، إذ تشير المعلومات التي أفادت بها المحامية والناشطة الحقوقية إلى صدور توجيه مباشر من البرهان لـ”هيئة مياه ولاية الخرطوم”، يقضي بإغلاق باب المنافسة أمام الشركات الخاصة، وحصر استيراد الكلور في منظومة الصناعات الدفاعية، ما أدى فعليا إلى احتكار مادة حساسة ذات استخدام مزدوج.
وأضافت “في يوم فض المظاريف وانتظار معرفة الشركة التي فازت بالعطاء، فوجئت جميع الشركات بقرار احتكار استيراد غاز الكلور المسال لصالح منظومة الصناعات الدفاعية وبأمر مباشر من قائد الجيش السوداني، بغلق المناقصة أمام الشركات الخاصة وإبقائها فقط لصالح منظومة الدفاعات الصناعية”.
أسباب الخوف
وفي هذا الصدد، أوضحت الحقوقية السودانية أن احتكار منظومة الصناعات الدفاعية لهذا الكلور الخطير متعدد الاستخدامات، “يولد أسئلة جوهرية ومحورية، تضع الجيش في دوائر المساءلة بعد أن ارتبط اسم أحد الضباط في هذه المنظومة، باستيراد شحنة الكلور الأخيرة المشبوهة عبر سواحل بورتسودان لأجل استخدامه في تنقية مياه الشرب، وثُبت معالجتها لأجل الاستخدام في صناعة السلاح الكيميائي”.
وبحسب المبارك فإن الاتهام الأخير للجيش، باستخدام السلاح الكيميائي، وثبوت استخدامه في مناطق سودانية عديدة مثل : “الكومة” و”مليط” في شمال دارفور، و”جبل موية” في سنار، و”نيالا” بجنوب دارفور، و”الجيلي” في الخرطوم، يؤكد أن قوات البرهان تسعى إلى إدخال مصادر جديدة وبديلة لاستيراد الكلور، بعد اندلاع الحرب الإيرانية، وتوقف إيران عن دعم منظومة الصناعات الدفاعية بالأسلحة التي تشارك بها في حربها ضد قوات الدعم السريع” .
ليست مجرد شكوك
في السياق ذاته، تشير بيانات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، المدير العام للمنظومة، يُعد من أبرز الشخصيات المرتبطة بتوسيع قدرات الجيش التسليحية، وأحد أكثر المقربين من البرهان، وهو من تسبب في توسيع الحرب بالسودان بعدما قاد عمليات شراء مسيّرات من عدة دول لصالح الجيش.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2024 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على ميرغني إدريس سليمان.
وحينها قالت الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على إدريس، بصفته المدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، وهو الذراع الأساسية لإنتاج الأسلحة وشرائها في الجيش السوداني.
وأضافت أن القوات المسلحة السودانية أعطت الأولوية لاقتناء الأسلحة، بما في ذلك شراء الطائرات بدون طيار من إيران وروسيا، بدلاً من الاستجابة لدعوات السلام.
سوابق ودلائل
وكان القيادي في جماعة الإخوان السودانية الحاج ماجد سوار، قد دعا في وقت سابق من الشهر الجاري، قيادة الجيش إلى استخدام “القوة المميتة” في الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، في تصعيد خطير يتضمن الدعوة إلى استخدام أسلحة محظورة دوليا.
دعوة أكد محللون لـ«العين الإخبارية»، في وقت سابق، أنها لا تأتي في فراغ، بل تستند إلى سياق متراكم من الأدلة الموثقة والتقارير الدولية والعقوبات، ما يجعلها تتجاوز كونها مجرد خطاب سياسي، لتتحول إلى مؤشر على اتجاهات تصعيدية محتملة داخل الصراع.
وفي هذا الإطار، اعتبر الخبير في الشأن السوداني سيبويه يوسف، في حديث سابق مع “العين الإخبارية”، أن الدعوات الصادرة عن قيادات الحركة الإسلامية، بما فيها تصريحات حاج ماجد سوار، لا تمثل تحولا جديدا، بل تأتي ضمن سياق ممتد منذ بداية الحرب.
وقال إن الحديث عن “القوة المميتة” سبق أن طُرح في تصريحات الفريق ياسر العطا بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب، مشيرا إلى أن ما أعقب ذلك كان – بحسب تقديره – استخدامًا مكثفًا للأسلحة الكيماوية.
وأضاف أن هناك بيانات صادرة عن جهات دولية تحدثت عن مناطق متعددة تم فيها استخدام هذه الأسلحة، معتبرًا أن الأمر لم يعد مجرد ادعاءات، بل أصبح مدعومًا بما وصفه بـ”دلائل ومؤشرات واضحة”.
كما أشار إلى أن الحركة الإسلامية لديها سجل سابق في استخدام وسائل قتالية شديدة الفتك في مناطق مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، معتبرا أن ما يجري حاليا هو “امتداد لهذا النهج، لكن في ظل رقابة دولية أكبر”.
وأكد أن “الجيش لا يعمل منفردا، بل يعتمد على قوات مساندة، من بينها كتائب من البراء بن مالك والتي تمتلك طائرات مسيّرة وإمكانات قتالية، وهو ما يمنح هذه الأطراف القدرة على تنفيذ عمليات متقدمة، بما في ذلك استخدام أسلحة غير تقليدية”.
وسبق أن كشفت تحقيقات عدة، من بينها تحقيق لقناة “فرانس 24” أواخر العام الماضي، عن استخدام غاز الكلور، الذي عادة ما يُستعمل في معالجة المياه الصالحة للشرب، كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة للنفط شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، وذلك في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024.
وتشير كل المعطيات إلى ضلوع الجيش السوداني في هذه العملية، بحسب الوثائق الحصرية التي حصلت عليها القناة، مشيرة إلى أنه في تلك الفترة كان الجيش يحاول استعادة السيطرة على مصفاة النفط هذه من أيدي قوات الدعم السريع.
إضافة إلى تحقيق آخر أجراه مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة في واشنطن (C4ADS)، تحدث عن استيراد الجيش السوداني مواد كيميائية عبر شركات تابعة له.
كذلك ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، نقلا عن مسؤولين أمريكيين كبار، أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية مرتين على الأقل خلال الصراع.
ووفقا لما نقلته الصحيفة عن المسؤولين، فإن السلاح المستخدم يرجح أنه غاز الكلور، الذي يمكن أن يسبب ألما شديدا في الجهاز التنفسي وقد يؤدي إلى الوفاة.
العين الاخبارية
المصدر:
الراكوبة