آخر الأخبار

سودانيات نازحات... صراع يومي من أجل البقاء

شارك

ميرفت عبد القادر

السودان ـ بينما احتفلت النساء حول العالم بيوم المرأة العالمي بالمطالبة بالحقوق والحريات والعدالة، تجد النازحات في مخيمات السودان أنفسهن يحتفين بما هو أبسط بكثير: جرعات من الماء النظيف تروي عطشهن، ولقمة جافة تسد رمقهن ورمق أطفالهن. يحتفين بالنجاة، ولو جزئياً، من الموت الذي يلاحقهن منذ اندلاع النزاع الذي يقترب من عامه الرابع، نزاع ما زال ينهش أجسادهن ويقف بينهن وبين حقهن في الحياة والأمان.

في كل يوم، يتدفق المزيد من النازحين إلى المخيمات في المناطق الأكثر أمناً، وغالبيتهم من النساء والأطفال. كثيرات فررن بعد مقتل أزواجهن أو أبنائهن، وأخريات هربن بعد تعرض بعض الفتيات للاغتصاب، بحثاً عن فرصة للنجاة بمن تبقى من أسرهن.

الحال يغني عن السؤال

داخل الخيام القديمة، التي لا تقي الحر ولا البرد أو الأمطار، يكفيك أن تتجول بعينيك فقط لتجد إجابات على كل التساؤلات فالحال هناك يغني عن السؤال، أطفال حفاة بملابس متسخة وبالية يتضورون جوعاً ويترقبون بين الفينة والأخرى من يمن عليهم ببعض الطعام، لا يتحدثون عن الذهاب للمدرسة وماذا شاهدوا على التلفاز أو الهاتف كما الأطفال في كل مكان، بل يجتمعون ليتذكروا مشاهد النزاع التي عاشوها إذ لا تزال في أعينهم وقلوبهم، يحكي كل واحد منهم لرفاقه كيف تم قتل أبيه أمام أعينه، وكيف أخذوا شقيقته الكبرى من بينهم وكيف عانوا حتى وصلوا إلى ذلك المكان.

تعيش النساء داخل هذه المخيمات كل واحدة مع عدد من الأطفال، يتبادر إلى ذهنك سؤال: هل كل هؤلاء أطفالها؟ فتصيبك الدهشة عندما تعلم إن معظمهم لا يقرب لها بل وجدتهم في الطريق بعد أن قتلت الدعم السريع ذويهم فقامت المرأة بضمهم إلى أبنائها.

نازحة تعيل أطفالاً وجدتهم في الطريق

داخل إحدى الخيام في مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، التقت وكالتنا بـ عزيزه علي أبكر القادمة من معسكر “أبوشوك” بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان.

فقدت عزيزة علي بكر زوجها في النزاع وهي أم لخمسة أطفال وتكفل معهم أربعة آخرون وجدتهم في الطريق بعد أن قامت الدعم السريع بقتل والديهم، فقامت هي بإجلائهم مع أبنائها إلى مدينة الكرمك، تقول إنه بعد أن قُتل عدد من رجال القرية وأسر البقية وتعذيبهم وضربهم، خرجت في رحلة شاقة ومرهقة وهي تقود الأطفال سيراً على الأقدام لعدة أيام حيث لا توجد أي وسيلة مواصلات، ليس هناك سوى صوت المسيرات والمقذوفات التي تتساقط على طول الطريق. لا يحملون طعاماً ولا ماء، إلى أن وصلوا إلى إحدى القرى الآمنة حتى تمكنوا من الحصول على الطعام والماء ونقلتهم السيارات إلى مدينة الكرمك.

وأضافت بأنها ليس لديها أي عمل، بل تعتمد على الإغاثة التي تأتيهم من المنظمات الإنسانية فقط، متمنية أن يجد أطفالها وأخوتهم المنضمين لهم وجبات إغاثية تسد رمقهم وتحفظ حياتهم، مناشدة المنظمات بتقديم يد العون لهم داخل مخيمات النزوح.

عنف جنسي أثناء رحلتهن إلى مخيمات النزوح

الخروج من مناطق القتال والمعارك قد لا يمثل أماناً للنساء في كثير من الأحيان، فهذه القوات تلاحقهن حتى في رحلة نجاتهن المرهقة وكأن الحرب على أجسادهن، ففي ولاية دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع تدفع النساء في رحلة نزوحهن ثمناً باهظاً وفاتورة حرب أصبحت جزءاً أساسياً فيها دون رغبتها.

ازدادت وتيرة العنف الجنسي في عام 2026 خاصة في ولايات دارفور غربي السودان ففي شباط/فبراير وحده كشفت مصادر طبية، عن تعرض أكثر من 400 امرأة، بينهن طفلات، لاعتداءات جنسية أثناء رحلة النزوح من مدينة الفاشر إلى طويلة بشمال دارفور.

وفي شهر آذار/مارس الجاري، كشفت تقارير أممية عن توثيق نحو 104 حالات عنف جنسي في مخيم “زمزم” بدارفور، من بينها 75 امرأة. كما أوضحت وزيرة الرعاية الاجتماعية سليمى إسحق في بيان أن عدد حالات اغتصاب النساء قبل سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر بلغ 1844 حالة، ليرتفع بعد ذلك في شمال دارفور إلى أكثر من 2500 حالة.

وأشارت إلى أن عمليات الحصر ما تزال متواصلة رغم غياب الخدمات الصحية وصعوبة توثيق الانتهاكات في مناطق النزاع مثل الفاشر ومنطقة بارا وكردفان خلال وجود قوات الدعم السريع.

ووفق منظمة “بلان انترناشيونال” فإنه خلال آذار/مارس الجاري رفض 88% من الفئة الشابة في دار السلام وطويلة طلب المساعدة عن العنف القائم على النوع الاجتماعي بسبب الخوف من الوصمة وضعف الخدمات.

وأوضح التقرير أن الفتيات أفدن بأنهن لا يشعرن بالأمان إلا داخل منازلهن أو مخيماتهن الضيقة خلال النهار، مما يجعلهن يعشن في عزلة شبه تامة.

ويقول صندوق الأمم المتحدة للسكان أن 12.3 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في 2026، بزيادة قدرها 80% مقارنة بعام 2024.

وتبقى رحلات النزوح للنساء في السودان محفوفة بالمخاطر ولا يجدن الأمان حتى في المخيمات تلاحقهن المخاطر.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا