أثارت دعوة مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة في السودان لتشمل كامل البلاد قلق الجيش وحلفائه، فيما لقيت الدعوة ترحيبا من القوى المدنية التي ترى أن الخطوة ضرورية لإيقاف آلة الحرب ودفع طرفي النزاع للسلام.
وطالب فولكر تورك، الذي تحدث خلال حوار تفاعلي بشأن حقوق الإنسان في السودان بجنيف الخميس، بضرورة الامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي الخاص بحظر توريد الأسلحة إلى دارفور وتعميم نطاق الحظر على جميع أنحاء البلاد.
وقال إن النزاع “وحشي ودموي وعبثي”، محملا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على السواء مسؤولية استمرار القتال ورفض التوصل إلى هدنة إنسانية.
ورفض وزير العدل في الحكومة الموالية للجيش عبدالله درف، دعوة المفوض الأممي، وقال درف إن دعوة توسيع حظر السلاح “ليست سوى تبنٍ لمطالب المليشيا – أي الدعم السريع – وداعميها”.
وجدد الوزير السوداني رفض الحكومة لما اعتبرها بمحاولة للمساواة بين الجيش والدعم السريع، حيث “يضطلع الأول بواجبه الدستوري في حفظ الأمن وسيادة حكم القانون والدفاع عن وحدة البلاد وسلامة أراضيها، فيما ارتكبت الثانية انتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق بحق المدنيين”.
ومع اتساع رقعة الحرب في السودان منذ اندلاع المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 وتنافس الطرفين على تنويع مصادر التمويل العسكري، بات فرض حظر شامل على توريد السلاح ليشمل كامل البلاد، أحد الخيارات المطروحة للمجتمع الدولي.
وقف الإمدادات العسكرية يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو تجميد القدرة على التصعيد، ويفتح نافذة، ولو ضيقة، أمام جهود الوساطة الإقليمية والدولية.
ويقتصر الحظر القائم الذي أقره مجلس الأمن على إقليم دارفور، وهو إجراء يعود إلى ذروة الصراع هناك في مطلع الألفية، غير أن طبيعة الحرب الحالية تجاوزت الحدود الجغرافية القديمة، وأصبحت معظم الولايات مسرحا لعمليات عسكرية مفتوحة، ما يجعل الإبقاء على حظر جزئي يبدو منفصلا عن واقع الميدان.
وأسهم تدفق السلاح إلى أطراف النزاع، سواء عبر قنوات رسمية أو شبكات تهريب عابرة للحدود، في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التسوية. فكلما توافرت الموارد العسكرية، تراجعت حوافز التنازل السياسي، وتقدّم منطق الحسم بالقوة على حساب منطق التفاوض.
وفي ظل هشاشة الدولة وتفكك مؤسساتها الأمنية، لم يعد السلاح يقتصر على أيدي القوات النظامية أو التشكيلات شبه العسكرية الكبرى، بل تسرب إلى مجموعات محلية وقبلية، ما يهدد بتحول الصراع إلى نزاعات متناسلة يصعب احتواؤها مستقبلًا.
ويرى مؤيدو الحظر الشامل أن وقف الإمدادات العسكرية يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو تجميد القدرة على التصعيد، ويفتح نافذة، ولو ضيقة، أمام جهود الوساطة الإقليمية والدولية.
لكن الدعوة إلى حظر شامل لا تخلو من تعقيدات سياسية وقانونية. كما أن تجارب سابقة في دول أخرى أظهرت أن حظر السلاح، إذا لم يُنفذ بآليات صارمة ورقابة فعالة، قد يتحول إلى إجراء رمزي لا يمنع استمرار التدفق عبر قنوات غير شرعية، بل ربما يعيد تشكيل شبكات التهريب ويزيد أرباحها.
ويضاف إلى ذلك أن أي قرار جديد في مجلس الأمن يحتاج إلى توافق بين القوى الكبرى، وهو أمر تصطدم به حسابات المصالح والتحالفات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ومع ذلك، فإن الكلفة الإنسانية المتفاقمة تعيد ترجيح كفة النقاش لصالح خطوات أكثر حزما، فوجود ملايين النازحين داخل السودان وخارجه، وانهيار الخدمات الأساسية، وتكرار الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، كلها عوامل تضغط باتجاه تحرك دولي يتجاوز بيانات الإدانة.
وإذا اقترن الحظر الشامل بعقوبات محددة على منتهكيه، وآلية مراقبة مستقلة، ودعم متزامن لمسار سياسي جامع، قد يشكل جزءا من حزمة ضغط متكاملة بدل أن يكون إجراءً معزولًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس ما إذا كان الحظر الشامل حلا سحريا، بل ما إذا كان استمرار الوضع الحالي أقل كلفة. وفي ظل حرب مفتوحة بلا أفق واضح، يبدو أن الإبقاء على تدفق السلاح بلا قيود واسعة يرسخ معادلة الاستنزاف المتبادل.
ويرى مسؤولون أمميون أن أي تأخير في كبح سباق التسلح الداخلي يعني مزيدا من الدماء، ومزيدا من التعقيد في طريق استعادة الدولة السودانية لاستقرارها.
المصدر:
الراكوبة