لم يعش السودانيون أجواء شهر رمضان الطبيعية منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، فالغالبية يعيشون بعيداً عن بيوتهم، ويفتقدون عاداتهم في شهر الصوم، وبعضهم يواجهون الأمراض والجوع.
اعتاد السودانيون أن يستقبلوا شهر رمضان بطقوس وتقاليد شعبية متوارثة كثيرة تبدأ بترتيب المنازل وتجهيزها جيداً، وشراء أوانٍ خاصة بالإفطار وأخرى للسحور، وتخزين تمور وسكر وصناعة “الحلو مر” الذي يُعرف بـ”الأبري”، أشهر مشروب شعبي في السودان، وأيضاً تجهيز أطعمة جافة وطحن ذرة لتحضير العصيدة التي تتسيّد موائد رمضان. كما دأبوا على تنظيم إفطارات جماعية في مساجد وميادين وساحات عامة، والتي تحظى باهتمام واسع. لكن هذه الأجواء الاحتفالية الرائعة لدى السودانيين تختفي للعام الثالث على التوالي بسبب الحرب التي شرّدتهم من ديارهم، وجعلتهم لاجئين في دول الجوار، أو نازحين داخلياً في مخيمات بائسة يواجهون فيها تفشي الجوع والفقر والأمراض وتزايد الأوجاع.
أصبح إحياء شهر رمضان والاحتفال به حلماً يتوق السودانيون إلى تحقيقه من بعيد، ولم تعد موائد رمضان تُجهّز بالعناية ذاتها بسبب تفاقم الأوضاع المادية ونفاد المدخرات وتآكل الرواتب نتيجة الانخفاض الشديد في قيمة العملة السودانية، كما لم تعد المشاركة في اللقاءات الجماعية تتجاوز أفراد الأسرة الواحدة.
يصف شريف آدم، وهو معلم مدرسة من مدينة نيالا بإقليم دارفور لجأ إلى مصر، في حديثه لـ”العربي الجديد”، استعدادات أسرته لرمضان هذا العام بأنها “منقوصة، بعدما تفرّق أفرادها منذ أكثر من ثلاثة أعوام بين النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار”. يتابع: “في السابق كان رمضان بالنسبة إلى أفراد أسرتي شهر التفرغ من الأعمال المختلفة واللقاء في منزلنا الكبير بنيالا. وقبل أن نحضر من أماكن عملنا في باقي المدن كانت والدتي وأخواتي ينفذن تجهيزات واسعة ويصنعن الأبري ويحضرن نوعاً خاصاً من الذرة يُحصد قبل أن ينضج ويُدفن في الأرض وتشعل فوقه النار لفترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام فيُسمى المَلِيل الذي يُقدم مخلوطاً بالبلح على مائدة رمضان”.
أصبح إحياء عادات وطقوس رمضان حلماً لدى غالبية السودانيين، ولا يجتمع أفراد الأسر على مائدة الإفطار كونهم بين نازحين ولاجئين
ويتحدث أيضاً عن أن والدته “كانت تجهّز دقيق الدخن الذي تستخدمه في صناعة العصيدة طول شهر رمضان، والسمن البلدي واللحوم المجففة، وكل هذا فقدناه بعد الحرب التي فرقتنا بين نازحين ولاجئين. وتعيش والدتي وإحدى شقيقاتي حالياً في مخيم لجوء بكامبالا في أوغندا، وشقيقي نازح في مخيم طويلة بجبل مرة، وثلاث من شقيقاتي لاجئات في مصر. وفي ظل هذه الحال لم يخطر في بالي أن أستعد لرمضان هذا العام، لأنّه مهما فعلت لن أستطيع أن أجلب الروح والحميمية اللتين كنت أجدهما في عائلتي في منزلنا بنيالا، وهكذا سأنتظر وقف الحرب والعودة إلى السودان كي أحيي رمضان كما كنت أفعل”.
بدورها، أهملت أسرة كوثر عبد الله، النازحة في مدينة الأبيض، الاستعداد لرمضان هذا العام بسبب عوامل عدة، منها النزوح والإقامة في خيمة ضيّقة مصنوعة من مواد محلية على أطراف المدينة المكتظة بآلاف النازحين من مناطق وولايات مختلفة، كذلك بسبب الظروف الاقتصادية التي تعيشها الأسرة بعدما استمر نزوحها أكثر من عام ونصف العام. وتقول لـ”العربي الجديد”: “يحتاج رمضان إلى أموال لشراء الاحتياجات المتنوعة وإلى منزل فسيح لمشاركة أفراد الأسرة والجيران والأهل الأكل والشراب. وفي حالتنا لا توجد أموال لشراء أغراض واحتياجات رمضان، وحتى لو توافرت لا يمكن أن نضعها في خيمة لا تكاد تسعنا، لذا تجاهلنا أي استعدادات هذا العام واستقبلنا رمضان في انتظار رحمة الله. ليس لدينا طعام كافٍ ولا حتى مياه للشرب، ونحن نعتمد على المطابخ الجماعية ومساعدات الخيرين”.
أما هدى سليمان، وهي موظفة حكومية في إقليم دارفور لديها خمسة أطفال نزحت في بداية الحرب إلى مدينة أم درمان بالخرطوم، فتقول لـ”العربي الجديد”: “لم أفكر منذ اندلاع الحرب في تجهيزات رمضان بسبب تفرق أسرتي وخسارتي وظيفتي ومنزلي في مدينة زالنجى وسط دارفور، ومقتل عدد من أفراد أسرتي في الحرب. في السابق كان رمضان يمثل فرصة جيدة للقاء أفراد من أسرتي، وكنت أستعد له مبكراً عبر شراء المستلزمات الضرورية لإعداد العصيدة والأبري والبليلة وجلب مشروب التبلدي الذي يُعرق أيضاً بالقنقليز، لكن بعد الحرب لم يعد ذلك ممكناً، لأن بعض أفراد أسرتنا قتلوا في دارفور وتفرّق الأحياء بين النزوح الداخلي واللجوء إلى الخارج. وفي ظل هذه الحال داخل السودان وخارجه، زالت رغبتي في الاستعداد لرمضان الذي أصبح مجرد ذكرى من أيامي الجميلة”. تضيف: “لم أجهّز لرمضان إلا الأبري، وتخلّيت عن الدقيق الذي تصنع منه العصيدة، وهي وجبة رئيسة في إفطار رمضان في السودان”.
كذلك يقول محمد عبد الله، وهو موظف حكومي متقاعد يعيش حالياً لاجئاً في أوغندا لـ”العربي الجديد”: “توقفت عن الاستعداد لرمضان منذ بداية الحرب، لأنني لم أعد في حالة تسمح لي بالتفكير في هذه الأمر، خصوصاً أنني لا أملك القدرة المالية لتنظيم دعوات. وعموماً لم يعد أفراد أسرتي يلتقون لأن الحرب شردتهم في جهات مختلفة، ويمكن القول إن التحضير لرمضان بات رفاهية تفوق طاقتنا وقدراتنا المالية، فنحن نتضور جوعاً حالياً، ونبحث عن فتات طعام لدى منظمات خيرية. من هنا استقبلنا رمضان بالصبر والدعاء بأن تتوقف الحرب ونعود إلى بلدنا كي نلتقي مجدداً على مائدة رمضان في وطننا”.
ورغم أن أحلامهم وذكرياتهم تكاد تتطابق، يتوق السودانيون إلى أدق التفاصيل والمواقف في رمضان، والتي لم تعد متاحة منذ بدء الحرب، مثل صلاة التراويح في الساحات الخالية والميادين، وقيام الليل في المساجد، والإفطار في الطرقات العامة، والتواصل مع الأهل والأقرباء والموائد الرمضانية العامرة بالأكل والشراب التقليدي. ويقول عبد الله من مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان التي خضعت نحو عامين لحصار عسكري، لـ”العربي الجديد”: “من أكثر الأشياء التي أفتقدها في رمضان هي الإفطار في الطرقات العامة، والذهاب إلى صلاة التراويح التي يحضرها مئات المصلين، وقيام الليل في المساجد. فعلياً لم أعد أفكر في كل هذه الأشياء، خوفاً من أن نقصف بمسيرات أو المدافع إذا تجمّعنا في مكان محدد. وهكذا لم تعد التجمعات آمنة كما كانت، حتى إن كانت من أجل الصلاة أو تناول مائدة إفطار رمضان”.
يتابع عبد الله، وهو تاجر خسر أمواله في الحرب: “لا تهدد المسيرات والمدافع وحدها أمننا، إذ يمكن أن نقع ضحايا نصابين ومتفلتين يحملون أسلحة. ولو أردنا المجازفة بالذهاب إلى المسجد في أوقات متأخرة من الليل قد نقتل من أجل سرقة أقل أشياء نحملها أو للاشتباه في أننا نحمل أشياء مهمة. ينتشر السلاح في أيدي الناس، ولا يُستبعد أن تحصل جرائم ليلية، لذا نُحرم حتى من الذهاب إلى المساجد والجلوس للإفطار في الطرقات العامة أو التواصل مع الأقرباء والعشيرة. صار رمضان بالنسبة لنا صوماً بدون طقوس وعادات كانت متوارثة في حياتنا منذ أجيال كثيرة”.
من جهتها تقول آمنة السر، وهي موظفة لجأت إلى العاصمة الكينية نيروبي، لـ”العربي الجديد”: “نصوم رمضان وسط ظروف قاسية في بلد يختلف شعبه عنا في ثقافته ودينه، ولا توجد فيه مظاهر صيام ولا مساجد يرتادها الناس، ونواجه صعوبة في معرفة وقت الإمساك والإفطار. كل الأشياء حولنا تجعلنا في غاية الحزن لما وصلنا إليه، وما أجبرتنا عليه الحرب المدمرة التي شردتنا إلى مناطق لم تطأها أقدامنا سابقاً”.
تتابع: “كان الشهر الذي يسبق رمضان يشهد تدافعاً غير مسبوق لتوفير الاحتياجات والأغراض واللوازم الضرورية، إذ كنا نخمّر الدقيق لصناعة الحلو مر ونجهّز الدقيق والويكة والسمن البلدي ونحدّد لكل نوع من الطعام الأواني التي تُقدم به، وللمشروبات التي كنا نصنعها بأنفسنا. وهنا في كينيا لا طقوس ولا حتى إحساس بوجود شهر رمضان، ولا نعلم كيف سنستطيع الصيام في بلد لا يدري سكانه نهاراً أننا نصوم رمضان. هذه حال قاسية، خصوصاً أننا كنا نستعد مبكراً لرمضان في السودان من خلال طقوس مليئة بالعادات والتقاليد القديمة التي نفتقدها حالياً في دول اللجوء على غرار أشخاص لا يزالون داخل السودان. يصعب قبول فكرة صيام رمضان من دون أن تتوفر المائدة الرمضانية السودانية التي تتضمن مواد محلية لا توجد إلا نادراً خارج السودان”.
المصدر:
الراكوبة