هشام هباني
ليس في الوطن ما هو أسوأ ولا أخطر من ذاك المتعلّم المتثاقف المتعالي على شعبه. ذاك الذي يحمل أرفع الشهادات، ويتباهى بأطول السير الذاتية، لكنه في الحياة الوطنية صفرٌ كبير، بلا موقف ولا التزام ولا ضمير!! تراه مستعدًا للاستماتة في كل أشكال الانتهازية من أجل وظيفة، بل من أجل وزارة أو سفارة، حتى لو كان الثمن إراقة كرامته على الأرصفة!! يستند إلى علمه لا ليخدم شعبه، بل ليصطاد به موقعًا، ويحوّل المعرفة إلى سلعة، والوطن إلى فرصة شخصية. هذا المتعلّم ينسى أو يتناسى أن الشعب الذي أنفق عليه، وعلّمه، وأهّله، هو الأولى بعلمه وخبرته.
وأن العلم، قبل أن يكون امتيازًا، هو دين أخلاقي، وواجب ردٍّ للشعب عبر الرؤى العلمية والمشاريع العملية التي تنهض بالوطن في كل زمان. لكن هذا الصنف مفلس أخلاقيًا وفكريًا، لذلك لا يرى في العلم سوى سلّمٍ للمصالح الذاتية.
وهنا تكمن خطورته الحقيقية: فهو الرصيد الخفي لكل دكتاتورية اذ تصطاده بالمنصب، بالوزارة، بالامتياز، فيتحوّل فورًا إلى أشرس المدافعين عنها، لا عن قناعة، بل خوفًا على الكرسي. يبرّر القمع بلغة أكاديمية منمّقة، ويكسو الباطل بمصطلحات براقة، ويمنح الظلم غطاءً “علميًا”.
إنه أشبه بكلب حراسة أنيق، بشهادات وخطابات، لكن كلب البيت أشرف منه لأنه لا يعضّ إلا اللصوص، أما هذا فينهش شعبه، ويحرُس الاستبداد، ويبيع صوته وموقفه مقابل راتب ومنصب.
هذا المتعلّم المأجور هو العدو الحقيقي للشعب لأنه كائن بلا مواقف، بلا كرامة، بلا انتماء! وحيثما وُجد، فاعلم أن الاستبداد لم يأتِ وحده، بل وجد من يخدمه بوعيٍ كامل!! و(القلم ما بزيل البلم ) الا لمن يمتلك ضميرا ووعيا وأيضا القيم.
المصدر:
الراكوبة