آخر الأخبار

دور الدستور في الاستقرار السياسي و النهضة (3-3

شارك

وضح من خلال الآراء الراجحة لعدد مقدر من كبار فقهاء القانون الدستوري، تلك الآراء التي أشرت إليها في الحلقتين السابقتين، وضح أن الدولة التي تمتلك نظام دستوري Constitutional system و دستور هي الدولة المؤهلة لصون حقوق مواطنيها و حرياتهم مع توفير الضمانات لها، و كذا الحفاظ على المصلحة الوطنية، و الفصل بين السلطات العامة. و من شأن هذا الوضع، إذا ما أصبح واقعا، أن يمهد الطريق للديموقراطية و بالتالي يعمل على تأمين الاستقرار السياسي و يحقق النهضة بالبلد المعين. ذلك أن اعتماد الديموقراطية كنظام حكم، و ترسيخها في أي بلد، يمثلان المعادل الموضوعي للاستقرار و الذي يعبد الطريق للتطور و النماء و النهضة.
و تأسيسا على ما سبق، فإنه، و بالنظر إلى السودان، نجد أنه، و للأسف الشديد، يفتقر إلى دستور دائم منذ الاستقلال، حيث ظل يعتمد في أنظمة حكمه المختلفة على دساتير مؤقتة Temporary constitutions، اعتمدت عليها الحكومات المختلفة في تنظيم سلطاتها. و قد ظلت هذه الدساتير تخضع، في الغالب، لرغبات الحكومات، سيما العسكرية، حيث لا تراعي من خلالها التعبير عن سيادة الشعب و صون حقوقه و حرياته، و كذا مراعاة المصلحة العامة، بقدر ما تعبر عن الخط السياسي للحكومة و تخدم مصلحتها، بل و تجير لمصلحة رموز النظام و تدور في فلكهم. و لا شك في أن هذا الوضع هو الذي تسبب في الظلم و التهميشGrievance & marginalization بمناطق الهامش السوداني و من ثم قاد إلى الحروب التي دمرت البلاد و أقعدتها حضاريا، كما خلقت حالة من عدم الاستقرار السياسي، ما زال السودان يعاني منها.
و في ظل هذا الوضع، فإن ثمة حاجة لقيام القوى الحزبية السودانية باختراق سياسي كبير يتمثل في وضع إستراتيجية محكمة و ذكية هادفة لاستعادة التحول الديموقراطي، ثم العكوف على وضع دستور دائم يعمل على تأسبس دولة جديدة يتضمن دستورها الآتي:
١.نصوص صريحة تجسد إرادة الشعب، و تضمن سيادة القانون، و تعكس ديموقراطية الحكم Democracy of rule.
٢.النص على حقوق الإنسان و حماية الحريات الأساسية كحرية التعبير، الرأي، الصحافة، التجمع، و حرية التنظيم، و كذلك الضمانات الخاصة بهذه الحقوق و الحريات.
٣.النص على حق التداول السلمي للسلطة عبر إنتخابات دورية حرة و نزيهة، مع اقرار التعددية الحزبية.
٤.النص على الفصل بين السلطات العامة (السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائية)، و ذلك منعا للاستبداد.
٥.النص على دور البرلمان أو الجمعية التأسيسية في الرقابة والتشريع أي سن القوانين.
٦.النص على دور المحكمة الدستوريةConstitutional court ذات الصلة بمسؤوليتها الخاصة بدستورية القوانين Constitutionality of laws، أي دورها في التأكد من مدى توافق القوانين مع نصوص الدستور.
٧.النص على آليات المحاسبة و الشفافية، بهدف خضوع الحكومة للمساءلة، و ضمان تملك المواطنين للمعلومات
و مما يجدر تأكيده، فإن هذه المطلوبات و التي تعمل على ترسيخ الممارسة الديموقراطية، تمثل صمام الأمان بالنسبة للاستقرار السياسي، و مفتاح التطور و النماء و النهضة الشاملة. لذا يجب الحرص على تضمينها في الدستور، و ذلك من أجل تأسيس دولة القانون.
و لكي يؤسس السودان، عبر إعداد دستور هادف و منتج، دولة قانون بحق و حقيقة، تعمل على إرساء قواعد العدالة، يجب أن يخاطب الدستور كل قضايا البلاد التي تسببت في عدم الاستقرار السياسي Political instability منذ فجر الإستقلال حتى تاريخه، و أقعدتها، مرسخة حالة التخلف العام.
و تبعا لذلك يجب أن يخاطب الدستور القضايا المشار إليها، من خلال الأتي:
١.اعتماد النظام الفيدرالي المبرء من العيوب، من أجل حكم البلاد.
٢.ترجمة النظام الفيدرالي إلى واقع ملموس، عبر إنهاء القبضة المركزية و تقصير الظل الإداري حتى تتمكن أقاليم/ولايات البلاد من حكم نفسها، و ذلك عبر تنظيم العلاقة دستوريا بين المركز و الأقاليم.
٣.إنهاء المظالم التاريخية Historical grievances و تعويض المناطق المهمشة من خلال العمل على تنميتها، و ذلك لتضييق الفجوة التتموية بين مناطق السودان المختلفة.
٤.هيكلة الخدمة المدنية على نحو يضع حدا لاحتكار الوظائف و بالذات الوظائف العليا من قبل أبناء مناطق معينة على حساب غيرهم، مع مراعاة التأهيل و الخبرة.
٥.هيكلة القوات النظامية (الجيش و الشرطة و جهاز المخابرات) و ذلك بالقدر الذي يقوم على العدالة و لإنصاف، و ينهي احتكار الوظائف من قبل أبناء مناطق بعينها.
٦.مخاطبة أي قضية أخرى من شأنها أن تشكل معوقا للاستقرار و النهضة.
و من الضروري بمكان أن يتم توظيف الإعلام من أجل توعية المواطن بأهمية الدولة المدنية الديموقراطية و دورها في الاستقرار و النهضة، حتى يدعمها الشعب و يدافع عنها. هذا أمر في غاية الأهمية، في ظل تشويه الحكومات العسكرية لصورة الديموقراطية، حتى ترسخت لدى المواطن فكرة نمطية سالبة عنها.
و إذا ما تضمن الدستور كل المطلوبات التي تمت الإشارة إليها في صدر المقال، و خاطب القضايا سالفة الذكر، ثم توافرت للقوى السياسية الكفاءة والوطنية و الأهلية الأخلاقية، فسوف تكون البلاد موعودة باستقرار سياسي و نهضة شاملة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا