آخر الأخبار

السودان: جغرافيا الذبح تحت مسمّى الوطن

شارك

علاء الدين سعيد
في هذا البلد الذي يتقن “الدوران حول الذات” ويسمّيه تاريخاً، لم يسقط الفشل علينا فجأة من السماء؛ بل نحن من صنعناه بدم بارد، وبنيناه طوبةً طوبة، ثم جلسنا فوق ركامه نبكي على “كرامة” ضائعة. الحقيقة التي يخشى الجميع قولها هي أننا لم نكن يوماً بصدد بناء دولة، بل كنا بصدد إدارة “ضيعة عسكرية” ورثناها عن المستعمر، فحافظنا على “سوط الجلاد” وغيرنا فقط لون يده.
منذ عام 1956، والسودان يعيش داخل “مفرمة” تكرر نفسها. تسلّمنا هيكلاً إدارياً صُمم للقمع لا للبناء، مركزاً يمتص رحيق الهامش، وجيشاً لم تُصمم عقيدته يوماً لحماية الحدود بقدر ما صُممت لضبط الداخل المتمرّد. وعندما يتحدث “حكماء” السياسة عن انحراف المؤسسة العسكرية، فهم يمارسون تزييفاً متعمداً؛ ففي السودان، تدخل الجيش في السياسة هو “الأصل”، وما الديمقراطية إلا “فواصل إعلانية” قصيرة ومملة بين حكم عسكري وآخر.
إن لغة الأرقام في هذا الوطن هي الفضيحة الأكبر التي تواريها شعارات “الجيش جيش السودان”. طيلة عقود، استنزفت البندقية ما بين 60% إلى 75% من موازنة بلد يفتك بطفاله سوء التغذية، بينما ظلّت الصحة والتعليم مجرد فُتات لا يتجاوز 5% في أحسن الأحوال. لقد أثقلنا كاهل الأجيال بمديونية تجاوزت 60 مليار دولار، لم نُشيد بها مصنعاً ولم نزرع بها أرضاً، بل صرفناها على صفقات أسلحة أحرقت الجنوب، ومزّقت دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ثم انتهى بها المطاف أخيراً لتُحيل عاصمتنا إلى مدينة للأشباح.
وعندما نتحدث عن “الدعم السريع”، فنحن لا نتحدث عن قوة غازية من كوكب آخر؛ بل نتحدث عن “الابن الشرعي” لعقلية الدولة الأمنية التي آمنت بأن العنف يمكن خصخصته، وبأن حماية الكرسي تبرر تحويل الرعاة إلى ميليشيات. واليوم، حين انقلب السحر على الساحر، يُطلب من المواطن المطحون أن يختار بين “القاتل القديم” و”القاتل المستجد”، تحت طائلة التخوين.
إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب ليس دمار البنية التحتية، بل دمار “الوعي”. لقد ظهرت فئة “البلابسة” لتمارس غباءً وطنياً منقطع النظير، فتشرعن قتل المدنيين وقصف البيوت بدموع التماسيح، بدعوى “دعم المؤسسة”. فبأي منطق أخلاقي يُغفر للجيش عجزُه عن حماية الناس، ويُبرر له قصفهم؟ وبأي منطق يُعتبر رفض الدم خيانة؟ لقد صار الصمت عن المجزرة بطولة، والتحريض على الموت موقفاً وطنياً، بينما الحقيقة هي أننا نغتال مستقبلنا بأيدينا.
السودان اليوم ليس في حالة حرب فقط، بل في حالة “انهيار قيمي” شامل. القوى المدنية التي تلومونها، نعم هي ضعيفة ومتنازعة، لكنها الضحية التي لم تُمنح يوماً فرصة الخطأ والتصحيح؛ فالديمقراطية لا تنمو وتحت رأسها سكين الجنرالات. أما الاقتصاد، فقد تم اختطافه في إمبراطوريات “الشركات الرمادية” التي تسيطر على 82% من مواردنا، بعيداً عن ولاية وزارة المالية، لتمويل حروب الجنرالات الشخصية على حساب رغيف خبزنا.
يا سادتي، نحن لا نعاني من أزمة أشخاص، بل من “معادلة انتحارية”: جيشٌ يرى الدولة ثكنة، ونخبةٌ ترى السياسة غنيمة، وشعبٌ يُطلب منه أن يصفق لموته. إلى أن نملك الشجاعة لنقول إن “البوت” لا يصنع وطناً، وإن “الميليشيا” لا تجلب حقاً، سنظل ندور في هذه الساقية اللعينة؛ نفقس من البيضة ذاتها، ونتعجب في كل مرة أننا عدنا إلى نقطة الصفر، بينما العالم من حولنا يمضي ونحن غارقون في دمائنا، نقدّس قاتلينا ونشتم الضحايا.
المشكلة ليست في من يربح هذه الحرب، المشكلة في أننا خسرنا “الوطن” منذ أن سمحنا للبندقية أن تفكر بدلاً من العقل.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا