آخر الأخبار

مجلس تشريعي في السودان: للتشريع أم لتدوير الصراع؟

شارك

دعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قوى مختلفة إلى تقديم مقترحات في شأن تشكيل المجلس التشريعي، مؤكداً في الوقت نفسه عدم وجود أي خطط لحل مجلس السيادة الانتقالي في المرحلة الراهنة.

بعدما ظل حبيس نصوص الوثيقة الدستورية منذ ما يقارب الأعوام الستة من دون أن يجر تشكيله، بدأ الفريق عبدالفتاح البرهان الأسبوع الماضي، مشاورات مع القوى السياسية بالداخل لتشكيل مجلس تشريعي بهدف استكمال هياكل السلطات بالدولة، لكن هذه المشاورات تجيء في وقت تحتدم فيه الحرب وتنقسم فيه الساحة السياسية بحدة ما بين قوى الداخل المساندة للجيش وقوى الخارج المناهضة للحرب، فكيف يجري في مثل هذه الأجواء تشكيل المجلس التشريعي وما دوره ومهامه ومن هم أطرافه، وهل يصبح أداة للصراع السياسي بدلاً من التشريع والرقابة، وما الذي سيضيفه إلى المشهد السياسي الدامي في السودان؟

مشاورات ومقترحات
خلال اجتماعه مع عدد من القوى السياسية في بورتسودان دعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، تلك القوى إلى تقديم مقترحات في شأن تشكيل المجلس التشريعي، مؤكداً في الوقت نفسه عدم وجود أي خطط لحل مجلس السيادة الانتقالي في المرحلة الراهنة.

رفض وتحذير
إلى ذلك أعلن التحالف الثوري للقوى الديمقراطية المدنية (صمود)، الغريم السياسي الأبرز المناهض للحرب، رفضه جملة وتفصيلاً أي مساعٍ تهدف إلى تشكيل مجلس تشريعي في ظل الظروف الحالية.

ووصف المتحدث الرسمي باسم التحالف بكري الجاك، تلك المساعي بأنها مجرد محاولة بائسة لإظهار أن هناك مؤسسات وإجراءات انتقال بهدف المحاولة للحصول على شرعية لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي وتثبيت سلطة البرهان كحاكم بأمره، وأضاف “في الحقيقة إن هذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر ولا يسهم في إيقاف الحرب ولا في تخفيف معاناة السودانيين وكل ما سيحدث سيكون هذا المجلس وسيلة جديدة لإهدار ونهب المال العام ومدخلاً للفساد”.

وحذر القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي، خالد الفحل، من أن اقتصار مشاورات ولقاءات البرهان على مجموعات سياسية محددة قد يضر بوحدة الصف في مواجهة التحديات الراهنة، مؤكداً ضرورة الشمولية لضمان وحدة القوى السياسية.

وشهدت بورتسودان اجتماعات ضمت ممثلين عن الكتلة الديمقراطية وقوى وطنية أخرى، تهدف إلى تعزيز استكمال مؤسسات الحكم ودعم الجيش.

توجه حكيم
في السياق يرى المتخصص في القانون الدستوري والمستشار القانوني السابق بالبرلمانات السودانية، محمد أحمد سالم، أن الشروع في تكوين جسم تشريعي من ناحية الفكرة ولو بالتعيين في هذا الظرف توجه حكيم وصائب وينسجم مع خطوات سابقة لمصلحة التحول الديمقراطي والمدني لمؤسسات الحكم، كتعيين رئيس وزراء مدني ورئيس المحكمة الدستورية وإحياء دور مجلس القضاء العالي، وعودة الحكومة إلى العاصمة القومية الخرطوم.

وأوضح سالم أن قيام المجلس التشريعي ينهي كذلك الوضع المعيب بتركيز مقاليد الأمور في أيدي عدد محدود من الأفراد في مجلسي السيادة والوزراء، الذين ينفردون من دون مشاركة واسعة مقننة باتخاذ القرارات المصيرية في شأن الحرب والسلام ومستقبل البلاد، كذلك فإنه سيشكل قاعدة شعبية مساندة ويضفي على القرارات والسياسات شرعية وثقلاً سياسياً ودستورياً أعظم.

ضرورة ملحة
وأشار المتخصص في القانون الدستوري إلى أن “قيام المجلس التشريعي ضرورة ملحة لسد الفراغ الدستوري الحالي، بيد أنه لا بد من أن نحسن اختيار قيادته وأعضائه، وقبل هذا وذاك أن تكون هناك إرادة سياسية قوية تجاه خلق جسم تشريعي ورقابي فاعل ومقتدر، وألا يكون المجلس القادم مجرد ديكور شكلي للترضيات والمظاهر يكلف البلاد مالاً وجهداً ووقتاً من غير طائل”.

أما من جهة الإطار الدستوري والقانوني للمجلس، فقد كانت النصوص المتعلقة بالسلطة التشريعية في الدساتير السابقة موزعة بين الدستور الذي يتضمن الأحكام الأساسية، وقانون الانتخابات في شأن عدد الأعضاء وأهليتهم وانتخابهم ثم لائحة تنظيم أعمال المجلس التي تعني بالتفاصيل الإجرائية، باستثناء مادتين فقط أغفلتا كثيراً من المسائل الجوهرية، ولا يوجد قانون انتخابات أو لائحة لتنظيم أعمال المجلس سارية المفعول.

ولسد ثغرات عدم وجود أحكام مفصلة في الوثيقة الدستورية، وتأسيس إطار دستوري وقانوني سليم للمجلس، ينصح المستشار البرلماني بخيارين، إما إجراء تعديل للوثيقة الدستورية بالنص على الأحكام الرئيسة المتعلقة به وترك التفاصيل للائحة تنظيم أعمال المجلس، وإما سن قانون متكامل للمجلس التشريعي الانتقالي يحوي كل الأحكام المطلوبة وبالتفصيل كما هي الحال في مصر وسوريا وبلدان أخرى.

كيفية التكوين
وعن البنية الهيكلية للبرلمان المتوقع، ذكر سالم، أن النص الحالي في شأن عضوية ومكونات المجلس يتميز بالمرونة والواقعية ويخلو من عناصر الإقصاء والعزل لأي فئة، بعدم جواز عزل أي مكون من مكونات الأمة السودانية بشكل جماعي بسبب اختلاف الفكر أو العقيدة أو اللون السياسي، بيد أنه يأخذ على النص الحالي للمادة 24 من الوثيقة الدستورية إغفاله تحديد الجهة التي تشكل المجلس وكذلك آلية الترشيح.

واقترح أن يناط الأمر بمجلس السيادة شريطة التشاور مع سائر القوى السياسية والمدنية بالبلاد، ومراعاة التمثيل الشامل لكل مكونات المجتمع والمناطق الجغرافية والفئات العمرية، مع التركيز على الملاءمة بين التمثيل الفئوي والكفاءات المهنية لإثراء المجلس بكوادر متخصصة في كل المجالات.

شروط العضوية
ولاحظ المتخصص في القانون الدستوري، أيضاً أن النص الخاص بالعضوية لم يتضمن أي شروط خاصة بالعضوية كالسن والميلاد والحد الأدنى من المؤهلات العلمية وحسن السير والسلوك وخلو الصحيفة الجنائية، كذلك لم ينص على حالات فقدان العضوية أو إسقاطها، إلى جانب إغفال اشتراط أداء القسم الدستوري، وصيغته وفقما درجت الدساتير السودانية على إيرادها.

ونصح أن يكون حجم العضوية أقل بكثير مما حددته الوثيقة الدستورية كسقف أعلى وهو 300 عضو، لأن البلاد بصدد كيان شوري في ظرف استثنائي وليس مؤسسة تشريعية منتخبة في إطار وضع عادي ومستقر، إذ يكفي تمثيل نوعي ورمزي، بعيداً من ترهل العضوية وما يترتب عليه من كلفة وأعباء مالية باهظة، وصعوبة في توفر النصاب القانوني، وسرعة اتخاذ القرار.

من جهة المهام والسلطات، أشار المستشار القانوني البرلماني إلى إغفال المادة 25 من الوثيقة اثنتين من الصلاحيات والمهام الجوهرية للمجلس التشريعي وهما إجازة المراسيم الدستورية، وإقرار السياسات العامة للدولة والخطط الاستراتيجية، مما يعني أن أي تعديل للوثيقة أو مرسوم دستوري يجب أن يعرض على المجلس لإقراره قبل نفاذه، إضافة إلى مناقشة سياسات أو خطط أو برامج للدولة، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة التي تمر بها الدولة، والتي قد تقتضي اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل البلاد وعلاقاتها الخارجية وقضايا الحرب والسلم.

استباق ترتيبات السلام
على الصعيد ذاته أكد رئيس حزب الأمة وتحالف التراضي الوطني، مبارك الفاضل المهدي، أن المشاورات التي يقوم بها الفريق البرهان تنحصر في مجموعة محدودة استقطبها حوله، ويسعى إلى استخدامها ليشكل بها المجلس التشريعي مع إضافة بعض قيادات الإدارات الأهلية بحكم تبعيتها للدولة.

وقال المهدي “يبدو أن البرهان في سباق مع الزمن بترتيبات تسبق السلام والحوار الوطني، ليؤكد أن هناك نظاماً مدنياً تسنده شرعية عبر المجموعة المعروفة بـ(تنسيقية القوى الوطنية) التي هي في غالبيتها أفراد وحركات مسلحة أو تحالفات جرى تكوينها بتبن كامل منه باسم دعم الجيش، بخاصة بعد ما جاء في خريطة الرباعية الدولية بالعودة إلى الحكم المدني وهو يجتهد لتثبيت وضعه كذلك من خلال وثيقة الهدنة التي قدمها، مطالباً فيها أن يكون الجيش هو ممثل الشرعية”.

بين “السيادي” و”التشريعي”
يعتقد رئيس حزب الأمة أن المشاورات الجارية حالياً هي امتداد لجهود ومساعٍ بدأت قبل عامين، ففي عام 2025 جرى استضافة تلك المجموعات مدة شهرين وإعلان ميلاد ما يسمى تنسيقية القوى الوطنية، التي وصفها بأنها ليست سوى مجموعات من الأفراد يسمون أنفسهم تنظيمات وهي المجموعات التي تتمتع بمزايا ورعاية السلطة.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا