آخر الأخبار

مواصلة في حوراتي مع د. ناهد محمد الحسن(1_2)

شارك

مهند مزمل

نعود مرة اخري الي محاورة د. ناهد و لكن دعونا نكون اكثر صراحة ووضوح هذه المرة. انا شخصياً اعطي هذا الحوار أهمية بالغة وذلك لانني لا احاور د. ناهد في ذاتها و انما احاور فئة كبيرة من المثقفين السودانيين و بالأخص الوسطيين و النيليين الذين طالهم الالتباس حول تعريف حرب 15/ابريل واطرافها، مما قادهم هذا الالتباس الي تصديق “العلف” و الوقوع في فخ نظرية المؤامرة. و بأعتبار ان د. ناهد تمثل ذروة المثقفين الاكاديمين، يمكننا عبرها ان نوضح اراءناً حول ما دار و ما يدور في أروقة العملية الفكرية و السياسية و الأمنية في السودان المعاصر .

حين تتفكك الدولة ؟

نحن هنا لسنا بصدد تعريف الدولة تاريخياً او بنيوياً، و لكن لنضع النقاط في الحروف يجب علينا المرور سريعاً علي مفهوم الدولة و ماهيتها و وجودها او زوالها، وربط ذلك بواقع سودانا المأزوم. دعونا ان نتناول فقط مفهوم الدولة الحديثة، دون الخوض في شكل الدولة و بنيتها التاريخية و ذلك ليس تقليل او ابتسار، ولكن لضيق المساحة. اذا اقرينا بأنجع التعريفات في علم الاجتماع السياسي و بالتحديد تعريف ماكس فيبر للدولة بانها (هيئة بشرية تطالب بنجاح احتكار العنف المادي)، حتي أضاف اليها بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي ليكتمل التعريف باحتكار العنف المادي و الرمزي معاً، و هنا يأتي التسأول المشروع، كيف لهيئة بشرية تطالب باحتكار العنف علي مستوييه المادي و الرمزي؟ ثم من الذي فوضها للقيام بذلك الدور؟ وهذا الذي يقود الي أنماط الدول و مشروعيتها من حيث التشكُل، سوي كانت مستندة في شرعيتها علي عقد اجتماعي، او مشروع غلبة، او تفويض إلهئ . هذه هي الدولة بمفهمومها الحديث الذي بدأت الصياغة له في مؤتمر وستيفاليا 1648 و الذي استند علي فكرة الدولة القومية. مع الاحتفاظ ببعض اراء المفكرين الاخريين أمثال ماركس و انجلز الذين يرون منها انها جهاز طفيلي أُسس لخدمة المجتمع البرجوازي و يرتبط و جودها بصراع الطبقات. المضحك جداً يا دكتورة انو هذا الكائن الذي يسمي الدولة في السودان، ان هناك شعوب بأكملها أنماط عيشها غير مرتبط بها بالعكس اذا اضطروا للتعامل معها يتم التعامل معها و مع الكراهة لأنها في نظرهم جامع (دقنية و جبايات او متحصل او…………) .

دعونا نتجاوز هذه النقطة لنأتي الي تحليل د. ناهد الأثّر لبنية المجتمعات عندما تنهار الدولة (حين تتفكك الدولة وتغيب القواعد ويزداد الخوف، تميل المجتمعات إلى البحث عن يقين سريع. هذا اليقين قد يأتي في هيئة شعار، أو هوية، أو بندقية. أخطر هذه اليقينات هو ذاك الذي يقدّم نفسه بوصفه حلًا أخلاقيًا نهائيًا، لا مجرد أداة ظرفية. هنا يبدأ الالتباس بين العدالة/ والعنف… المظلومية/ والشرعية… التحرر /وإعادة إنتاج القهر.) انتهي الاقتباس.

لا نغفل تحليل د. ناهد الذي يستند علي مرجعية علم النفس السياسي، و الذي اتفق معه في الكثير، الا ان اليقين السريع التي تبحث عنه المجتعمات موجود اساساً في بنية تلك المجمتعات، و لان مفهوم القومية لديها اقوي، من خلال التاريخ، الأسطورة ، الثقافة و غيرها من المشتركات، من غير تدخل الدولة، و التي يفترض بها صياغة مفهوم القومية السودانوية الموّحدة، بدلا عن ذلك اختارت ان تضع نفسها في عنق الزجاجة، كما نشاهد الان. بالمقابل ظلت جميع المجتمعات الريفية علي هذا النمط، مما جعلها في هويات متفرقة.

اما حالة انهيار الدولة، وهنا نقصد الدولة القومية الحديثة التي بُنيت وفق مفهوم الدولة القومية في اروبا، التي تم اسقاطها في المستعمرات الاروبية بعد مؤتمر برلين، اذ تمت هندستها ورسم خرطها وفق الاطماع الاستعمارية و التي في مخيلتها بنية الدولة القومية (ويستفاليا). و لأننا في السودان نفتقر لمفهوم القومية من اساسو، وبدلاً من خطاب قومي يمثل الجميع ظلت الدولة تتمترس خلف خطاب قومي عروبي قسم السودانيين انفسهم الي هويات مستقلة اخذت الجانب الحذِر من الدولة !! وهذا جميعه مرتبط بعنف الدولة التاريخي. وهنا حالة انهيارها قد لا تعني للمجتمعات الريفية الكثير فهي قد تكّيفت و توأمت مع غياب الدولة.

لنكون اكثر صراحة، ان د. ناهد باعتبارها الحالة القصوي من العقل الوسط الذي سعي للتحرر و قدم الكثير. لا يري من الد.عم السريع سوي أدوات استخدمتها الدولة المركزية عند الطلب. و يجب عليها ان تحل نفسها و تسلم سلاحها!! متجاهلين الواقع المختل لبنية الدولة و منظومتها الأمنية التي ظلت مصدر لمشروعية العنف وذلك من خلال الخلل البنيوي الذي صاحبها منذ التكوين. لذلك لا يجب التعامل مع قوات الد.عم السريع بأنه الثور في مستودع الخزف، و الكارثة تأتي عندما نستخدم أدوات و “بردايم” الدولة العميقة في التعاطي مع الاشياء، تخّيلوا ان مؤسسة بحجم الحزب الشيوعي ان تصدر بيان تصف حديث الد.عم السريع حول برنامجه لانهاء الحرب في اغسطس 2023(بالصفاقة)!! لان هذا المخيأل الاجتماعي الذي يدعي احتكار المعرفة و العملية السياسية متجذر في اذهان البعض !! لذلك لا يرى من الدعم السريع و الحركة الشعبية و غيرها سوي مجرد متمردين علي الدولة!

الحقيقة ان تاثير قوات الد.عم السريع قبل 2013 كان محدوداً ثم ان ظهورها و تكوينها و تشكيلها و تنظيمها مرتبط بشخصية و كاريزما قائدها فقط و ليس لديها أي امتدادات اخري. هذه القوات ووفق منطق الدولة الذي بُني علي حرب الوكالة و ذلك منذ نشأتها (الدولة)، قّدرت لها صيرورة التاريخ ان تشهد نهاية تحطم الأسطورة، و كان ذلك يمكن ان يحدث في السابق علي فكرة، سوي كان مع كاربينو كوانجين او فاولينوا متيب او غيرهم بما كان يسمي بالقوات الصديقة. في وجهة نظري ان قوات الد.عم السريع جأءت نتيجة للخلل البنيوي التاريخي الممتد داخل الدولة، و الان أصبحت شريك اصيل في العملية الأمنية في السودان! بل الشريك الأكثر ليونة و ايمان بمسألة السلام و الحل الشامل، و يظهر ذلك من خلال توقيعها و قبولها و غيره من ما يؤكد حرصها و تعاونها. ثم ان وثيقة تحالف السودان التأسيسي و دستور السودان الانتقالي 2025 قد وضعا كل الأُطر النظرية و أليات تتنفيذها، و هذه وثائق ملزمة للجميع.

السلاح من اجل تحقيق مشروع العدالة:-

ان مشروعية سلاح التحرر الوطني مشروعية أخلاقية حتمية لمواجهة صلف الأنظمة التي احتكرت العنف و مارسته ضد شعوبها، و لا يفرق هنا سوي كانت تلك الأنظمة استعمارية او بعدها. في واقعنا السوداني المعاصر دابت الأنظمة المركزية علي الدوام في محاولة تجريد الريف من أدوات المقاومة، المادية و المعنوية، لتستمر عملية النهب و التدمير الممنهجتين للريف و انسانه، و هنا تُظهّر بندقية الريف أهميتها في حماية الانسان والموارد. ان عملية النهب الممنهج تتم ببشاعة و تلغّف لموارد قابلة للنضوب، مثال البترول الذي يتم فيه استخدام الطلمبات الغاطسة ذات الكفاءة الفائقة في الشفط (و التي تعتبر نهبية) وممنوعة قانونياً. وذلك خوفاً من صحوة انسان الهامش الحتمية لوضع يده في الموارد التي تعتبر ثروة قومية.

ان اقتصاد الحرب الذي تتخوف منه د. ناهد هو اقتصاد متجزر في بنية دولة العنف، اذ ظل الاخوان المسلمين يمتلكون اقتصاد موازي لاقتصاد الدولة، و تراكم رؤس أموال طفيلية من خلال الحروب التي دأبو علي اشعالها، حتي اصبحوا ذوي نفوذ كبير شكّل عائق امام تحقيق السلام المستدام، بعدما ظلوا يدعون لاستمرار الحرب الي ما لا نهاية. الذي حدث اليوم ان عمليات نهب الموارد المنظمة التي ظلت تنتهجها الأنظمة المركزية المتعاقبة، قد توقفت الان ولو بشكل مؤقت، خصوصاً المواد الخام. ان شرعية بندقية الهامش لا تستمدها عبر الأطر البيروقراطية التي وضعها “الكمبرادور” للهبوط الناعم الذي يمسك فيه بخيوط اللعبة، و انما تستمد شرعيتها من خلال مسؤليتها التاريخية تجاه حماية شعوبها و مواردهم.

لقد ظل التحالف النخبوي الخفي الذي يضم المركزيين بكل مدارسهم الفكرية، يسعي لشرعنة عنف الدولة و احتكارها له عبر المنظومة الأمنية الاستعمارية التي هندسها ونجت باشا في 1925م تحت مسمي قوات دفاع السودان، و التي كانت نتيجة لدمج مليشيات كتيبة عرب الشايقية و مليشيات البازنقر و الباش بزوق، و التي شكلت لاحقا النواة الأولي لما يعرف بالقوات المسلحة السودانية الان، تلك التي لم تتم هيكلتها او حتي سودنتها بالمعني الرمزي، و بالرغم من ذلك يأتيك افندي بهتاف أجوف (العسكر للثكنات و الجنجويد ينحل)، كيف لجيش استعماري مغتصب و عنصري بغيض و ناهب وقاتل لشعبه من قبل خروج المستعمر، ان يعود للثكنات؟ الكارثة ان هؤلاء الافندية بالنسبة لهم ان الحرب في السودان بدأت في 15/ابريل، متجاهلين سلسلة جرائم الجيش السوداني الممتدة التي وصلت حد الإبادة الجماعية. اذا كان هناك إحلال فيجب ان ينحل الجميع و اولهم ما يسمي بالجيش السوداني، وتكوين جيش وطني و مهني جديد يمثل كل السودانيين….

نواصل
صحيفة إدراك الالكترونية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا