وفي وقت كان من المفترض أن يشهد تواصلًا نحو تسوية سياسية للنزاع، تظهر التقارير أن باكستان، بوساطة سعودية، تقترب من إتمام صفقة أسلحة تشمل طائرات كاراكورام-8، وأكثر من 200 طائرة مسيرة، وأنظمة دفاع جوي، وربما مقاتلات متعددة المهام JF-17 التي تُنتج بالتعاون مع الصين.
وتقول الباحثة أريج الحاج في تقرير نشره معهد واشنطن إن هذا التحرك ليس مجرد صفقة تجارية، بل يمثل مؤشرًا واضحًا على تحول أعمق في المنطقة بعيدًا عن دعم الحوار والجهود الدبلوماسية، نحو حل عسكري يبدو أنه يحظى الآن بالأولوية.
ويبرز في هذا السياق التقارب المنسق بين السعودية ومصر وتركيا لدعم القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع، وهو تقارب انعكس في سلسلة قمم رفيعة المستوى خلال عام 2024 وأصبح السودان محورًا رئيسيًا ضمنه.
ويعكس هذا التحالف تقييمًا مشتركًا بين القوى الثلاثة بأن سيطرة قوة مسلحة غير دولة على بلد بحجم السودان وأهميته الاستراتيجية سيشكل سابقة خطيرة تهدد استقرار المنطقة برمتها.
وتخشى مصر، التي تستضيف أكثر من خمسة ملايين سوداني ونحو نصف مليون لاجئ، من انعكاسات استمرار عدم الاستقرار على سد النهضة الإثيوبي وأمن مياه النيل، معتبرة أن دعم الجيش السوداني قضية وجودية.
وفي الأشهر الأخيرة، ألمحت القاهرة إلى استعدادها لتفعيل آليات مشتركة بموجب اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان، وقد نفذت القوات الجوية المصرية ضربات على قافلة تابعة لقوات الدعم السريع قادمة من ليبيا.
وتعتبر تركيا السودان بوابة لتوسيع نفوذها في إفريقيا، ودرعًا استراتيجيًا ضد التواجد الإماراتي المتنامي في البحر الأحمر، بما يعكس أبعادًا إقليمية أوسع للتنافس العسكري في المنطقة.
ويعكس انضمام باكستان إلى هذا التحالف عبر حزمة الأسلحة الكبيرة دورها المتنامي في الأمن الإقليمي، إذ تشير التقارير إلى مشاركة وسطاء إقليميين، أبرزهم السعودية، مما يجعل هذه الخطوة جزءًا من شبكة أوسع من تفاهمات الدفاع التي ترتبط بعلاقات باكستان العسكرية العميقة مع الرياض.
وبذلك يتحول النزاع السوداني تدريجيًا من صراع داخلي إلى ساحة للتنافس الإقليمي، حيث يكتسب التدخل الخارجي بعدًا استراتيجيًا بعيد المدى.
ويبدو أن جميع الأطراف بدأت تتخلى عن المسار الدبلوماسي لصالح التصعيد العسكري، رغم أن السعودية كانت حتى وقت قريب تُصوَّر كداعمة رئيسية للجهود الدبلوماسية من خلال إطار “الرباعية” ومنصة جدة للتفاوض التي استضافت جولات متعددة منذ مايو 2023. غير أن هذه المفاوضات فشلت في تحقيق وقف إطلاق نار دائم، ومع توثيق الانتهاكات الإنسانية المستمرة، بما في ذلك القتل الجماعي في ولاية الجزيرة والحصار الطويل على الفاشر، دفع هذا الواقع الرياض إلى إعادة تقييم جذري لنهجها، معتبرة أن استمرار النزاع يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار البحر الأحمر وأن السودان قد يتحول إلى منصة عمل للمجموعات المسلحة العابرة للحدود.
رغم أن التحالفات الجديدة وتدفقات الأسلحة قد تغير ديناميكيات ساحة المعركة مؤقتًا، فإنها تضيق أيضًا المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسية، مما يجعل فرص الوصول إلى حل سلمي أكثر محدودية.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز القوات المسلحة السودانية وفرض التفوق العسكري عليها يبدو وسيلة لإجبار الطرفين على العودة إلى التفاوض الجاد، على الرغم من المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها هذا الخيار.
لكن هناك خطر واضح في هذا التوجه العسكري، وهو أن تصعيد التسليح قد يؤدي إلى نتائج معاكسة، فالأسلحة نادرًا ما تظل أدوات ضغط سياسي، بل تتحول سريعًا إلى وقود لتوسيع رقعة النزاع وتكريس الصراع لفترات طويلة.
ورغم أن التحالفات الجديدة وتدفقات الأسلحة قد تغير ديناميكيات ساحة المعركة مؤقتًا، فإنها تضيق أيضًا المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسية، مما يجعل فرص الوصول إلى حل سلمي أكثر محدودية.
وفي المقابل، تراقب قوات الدعم السريع هذه التطورات بقلق بالغ، إذ تشير التقييمات الميدانية إلى أن المجموعة، رغم سيطرتها على دارفور وأجزاء من كردفان، ما زالت تفتقر إلى القدرات الجوية الكافية، وقد اعتمدت على الطائرات المسيرة ، مدعومة بشبكة لوجستية معقدة تمتد عبر تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.
وكل هذا يشير إلى أن التسليح لن ينهي النزاع، بل سيحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة تشبه ليبيا، حيث تصبح السياسة مجرد تكتيك تتخلله الأسلحة والتمويل الخارجي.
ويحدث هذا التصعيد رغم الجهود الدبلوماسية الأميركية، ما يعكس تناقضًا في الموقف الأميركي، إذ تستمر الولايات المتحدة في تقديم نفسها كراعٍ رئيسي للوساطة في السودان عبر الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، بينما تغذي صفقات الأسلحة التي تمر عبر شركاء مقربين منها التصعيد العسكري مباشرة، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه الوساطة.
وزاد الأمر تعقيدًا الاجتماع البارز بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس ترامب، حيث حث الأخير على زيادة التورط الأميركي في السودان، وهو ما يظهر التناقض بين التصريحات السياسية والواقع الميداني على الأرض.
وزادت التساؤلات بعد زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني، الفريق أول عاصم منير، إلى البيت الأبيض في 2025، والتي وصفت بأنها اجتماع سياسي وأمني هام يعكس رؤية أميركية متنامية لدور باكستاني أوسع في الأمن الإقليمي، مما يجعل من الصعب تفسير أي تحرك عسكري باكستاني على أنه مجرد صفقة تجارية، بل جزء من حسابات دولية أوسع تشمل التنسيق مع واشنطن وربما إشراكها في المراحل المقبلة من النزاع.
ويثير هذا التصعيد المخاطر الكبيرة على استقرار السودان، حيث لم يعد السؤال ما إذا كانت القوى الخارجية ستتدخل، بل ما إذا كانت هذه التدخلات ستنهي الحرب أم ستكرسها لعقود، كما حدث في اليمن وليبيا وسوريا، حيث أدت التدخلات الخارجية إلى إطالة أمد النزاعات بدلًا من حلها.
وكل شحنة أسلحة جديدة قد تُبرر كوسيلة لتغيير التوازن أو فرض نتيجة، لكنها في الواقع تغذي دورة جديدة من العنف وتعزز تمترس الأطراف، بما يجعل الحلول السياسية أكثر صعوبة.
ويوضح هذا السيناريو أن السودان قد يواجه مصيرًا مشابهًا لمسار الصراعات بالوكالة الطويلة في المنطقة، حيث تتحول السياسة إلى أداة تكتيكية، وتُستخدم الاتفاقات لكسب الوقت بينما تستمر تدفقات الأسلحة، ويصبح النزاع طويل الأمد أشبه بمستنقع يصعب الخروج منه.
وبالتالي، الخيارات واضحة، إما السعي الفوري للتخفيف الحقيقي للتصعيد واحتواء النزاع، أو ترك البلاد لمستنقع طويل الأمد قد يمتد لعقد آخر، ودروس التاريخ واضحة فيما يخص تأثير التدخلات العسكرية الخارجية.
والسؤال الحقيقي الذي يواجه المجتمع الدولي الآن هو ما إذا كان هناك من يملك الإرادة السياسية للاستماع إلى هذه الدروس والعمل على منع تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي طويل الأمد.
العرب
المصدر:
الراكوبة