آخر الأخبار

مستقبل السودان يصنعه السودانيون أولاً وأخيراً

شارك

د. الشيع خضر سعيد

تقترب حرب السودان من إكمال عامها الثالث ولا تلوح في الأفق أي بادرة لوقف القتال والعمليات العسكرية ناهيك عن وقف الحرب، فوقف القتال لا يعني إنهاء الحرب رغم أنه المدخل لذلك.

والقوى الدولية والإقليمية غالبا ما تلعب الدور الرئيسي في وقف القتال وإسكات البنادق متى ما توفرت لديها الإرادة للتضحية بمكاسبها قصيرة الأجل لتحقيق استقرار طويل الأمد، ومتى ما استخدم بعضها نفوذه عند الأطراف المتحاربة ومارس عليها ضغطا حقيقيا.
أما إنهاء الحرب وبسط السلام المستدام، فهذ إنتاج محلي تحتكر صناعته القوى السودانية بكلِّ قطاعاتها، السياسية والمدنية والأهلية والعسكرية، عبر توافقها وتوحيد رؤيتها حول مشروع وطني جامع يخاطب جذور الأزمة ويرسم ملامح مستقبل السودان. صحيح، قد يبدو للبعض، أو يتوهم، بالنظر إلى ما نشهده اليوم من ازدياد وتيرة وكثافة حراك المُبادرات والجهود الدولية والإقليمية تجاه كارثة السودان، أنَّ وقف الحرب والحلّ الناجع للأزمة السودانية يكمن في ثنايا هذه المبادرات والجهود. إلا أنَّ الحقيقة الجوهرية تُؤكِّد أنَّ أيَّ حلٍ مستدامٍ لا مِراء فيه لن ينبثق إلا من رحم الإرادة السودانية الخالصة، والتي بفضلها هي فقط، يمكن أن تتحوّل الجهود الخارجية إلى داعمٍ حقيقيٍ لمسارٍ سودانيِ الصنع والهوية.

وبدون هذا المسار، تظلُّ أيُّ حلول خارجيةٍ مجرد ترقيعٍ مؤقتٍ وهشّ، عُرضةً للاهتزاز والانكسار، وسرعان ما تتهاوى أمام تعقيدات الواقع، لأنَّها تفتقر إلى القاعدة الشرعية والاجتماعية التي تضمن استمراريتها واستقرارها. فالسلام الدائم في السودان يولد من صلب التوافق الوطني، لا من قاعات المفاوضات البعيدة، ومستقبل السودان يُصنعه السودانيون أولاً وأخيراً. هذا ليس مجرد رأي، بل هو حكمةٌ استخلصتها التجربة البشرية عبر التاريخ. فالأمم لا تُحلَّ أزماتها المستعصية إلا بإرادتها الذاتية، وأي مسارٍ آخر لن ينهي المحنة، بل يرجئها إن لم يفاقمها ويزيدها تعقيدا، ويضاعف من تأثيراتها المدمرة. وفي حالة السودان، مع تفاقم المحنة واستمرار الحرب، وبسبب موارده وموقعه الاستراتيجي، ستتضاعف التأثيرات المدمرة أكبر بكثير محليا وإقليميا.

ومن بين قطاعات القوى السودانية تلك، تتحمل القوى المدنية السودانية العبء الأكبر، وتلعب الدور الرئيسي في مشروع إنهاء الحرب وبناء السلام المستدام ورسم مستقبل السودان.
ولكن دائما ما يتم تحييد هذه القوى وتهميشها واستبعادها عمدا، وبرضا الأطراف العسكرية المتحاربة، في المنابر والوساطات الإقليمية والدولية المعنية بقضية حرب السودان. هذا التهميش والإبعاد يستند على أساس، بعضه حقيقي للأسف، والبعض الآخر زائف لكنه قوي وقادر.

الأساس الحقيقي يكمن في ما تعانيه القوى المدنية السودانية من تشرذم وانقسام وتفكك وغياب الرؤية الموحدة، مما أضعف قدرتها على تقديم نفسها كبديل حوكمة متماسك. أما الأساس الزائف فيختبئ داخل السردية المضللة التي تروج لفرية أن صراعات المدنيين السودانيين وعدم توحدهم، تجعلهم عاجزين عن المساهمة الفعالة في منابر وقف الحرب، بل وغير قادرين على حكم البلاد في المرحلة الانتقالية!
هذه السردية المضللة، هي حجة قديمة ظلت تستخدمها كل الديكتاتوريات العسكرية لإطالة أمد بقائها في السلطة، وتستخدمها اليوم الأطراف العسكرية، كما تستخدمها القوى الإقليمية والدولية التي تخشى على مصالحها من وجود نظام مدني ديمقراطي في السودان.
ولكن القوى المدنية السودانية لديها من الإمكانيات والآليات الذاتية ما يجعلها قادرة على نسف هذا الأسس، الحقيقي منها والزائف، والانتقال من دور المتفرج أو المستشار غير الملزم إلى دور الفاعل الاستراتيجي. المطلوب فقط، هو تفعيل هذه الإمكانيات والآليات عبر خارطة طريق عملية تستند على ثلاثة مسارات متوازية:

أيّ حلٍ مستدامٍ لا مِراء فيه لن ينبثق إلا من رحم الإرادة السودانية الخالصة، والتي بفضلها هي فقط، يمكن أن تتحوّل الجهود الخارجية إلى داعمٍ حقيقيٍ

المسار الأول، بناء الوحدة والبديل السياسي الملموس، بدءا بتشكيل مجلس تنسيق مدني موحد يضم كل المجموعات والتكتلات الرافضة للحرب، متجاوزا الخلافات السياسية، ويتخطى مرحلة تدبيج المواثيق، فالموجود منها يكفي، ويمكن دمجه في وثيقة واحدة. ينجز المجلس صياغة وثيقة سياسية مفصلة وبرنامج عمل، تُجيب الوثيقة على أسئلة وقف الحرب وما بعدها مباشرة، مثل: ما هو مستقبل قيادات الأطراف المتحاربة؟ كيف ننجز العملية السياسية وما هي ملامح فترة الانتقال؟ كيف سيتم دمج القوات أو حل الميليشيات؟ العدالة الانتقالية وكيفية المحاسبة على جرائم الحرب؟ كيف يتم إعادة الإعمار ومحاربة الفساد؟…الى غير ذلك من الأسئلة الصعبة والتي ناقشناها في عدد من مقالاتنا السابقة.

المسار الثاني: استخدام الوثيقة السياسية المفصلة كورقة ضغط وإقناع، إقليميا ودوليا، ومرجعية لأي وساطة دولية، بهدف تغيير سياسات الوساطة الدولية لفرض إشراك إلزامي للتحالف المدني الموحد في أي مفاوضات، وتوفير كل الضمانات لكي يأتي المسار الانتقالي بقيادة مدنية، وأن يكون ذلك مصحوبا برسالة واحدة ومباشرة، فحواها أن أي تسوية لا تضمن انتقالاً حقيقياً للسلطة للمدنيين هي هدنة مؤقتة وستعيد إنتاج الحرب، وأن دعم الأطراف العسكرية يطيل الأزمة ويهدد استقرار المنطقة. ويتضمن برنامج العمل تكثيف الاتصالات المباشرة واستخدام منصات الإعلام الدولي ووسائل التواصؤل وكل ما من شأنه ان يخلق ضغطاً أخلاقياً على الداعمين الخارجيين لأطراف الحرب.

المسار الثالث: خلق وابتداع فرص العمل القاعدي الجماهيري المنظم داخل البلاد، رغم الصعوبات الماثلة، بما في ذلك تنظيم احتجاجات سلمية ذكية بعيداً عن المواجهات المباشرة، كالاحتجاجات الصامتة، أو حملات العصيان الإداري…الخ. إضافة إلى الإصرار على مواصلة إدارة المعاناة الإنسانية عبر غرف الطوارئ والتكايا واللجان الشعبية والمحلية، مما يعيد بناء شرعية وشبكات مجتمعية بديلة عن سلطة السلاح. وبالطبع هناك تحديات ومخاطر كبيرة تواجه هذا المسار داخل السودان، بما في ذلك خطر القمع حد التصفية، والميزان المختل في مواجهة أطراف تمولها دول إقليمية، إضافة إلى أن سنوات المعاناة الطويلة قد تصيب الناس بالإرهاق، وتدفعهم لأن تكون أولويتهم البقاء على قيد الحياة وليس النضال السياسي.
ومرة أخرى، الاستنتاج الرئيسي هو أن الحسم العسكري للحرب في السودان مستحيل، والحل السياسي الذي يتجاهل المدنيين فاشل.

القدس العربي

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا