لم يكن صباح الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد لحظة اشتعال عسكري في الخرطوم، بل كان إعلاناً مدوياً عن انهيار “هندسة التوازنات” التي حاولت القوى الدولية والإقليمية فرضها على السودان ما بعد البشير. في خضم الدخان المتصاعد من القيادة العامة ومطار الخرطوم، كانت القاهرة ترقب المشهد بعين “الصحفي الاستقصائي” الذي يقرأ ما بين السطور، وعقل “الأكاديمي الاستراتيجي” الذي يدرك أن ما يحدث ليس مجرد صراع جنرالات، بل هو صراع وجودي حول مفهوم “الدولة” في الفناء الخلفي للأمن القومي المصري.
لقد واجهت مصر عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 تحدياً مزدوجاً وغير مسبوق؛ فمن جهة، فقد حليفها التقليدي في الخرطوم (المؤسسة العسكرية) غطاءه الشرعي الدولي والإقليمي، وبات الفريق أول عبد الفتاح البرهان محاصراً بلقب “الانقلابي” في أدبيات الاتحاد الأفريقي والعواصم الغربية. ومن جهة أخرى، صعدت “الآلية الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة) لتملأ الفراغ الدبلوماسي، حاملة مشروعاً سياسياً (الاتفاق الإطاري) رأت فيه القاهرة تهديداً مبطناً لوحدة المؤسسة العسكرية السودانية، وشرعنة لكيانات موازية قد تعصف بمفهوم الدولة الوطنية الراسخة.
يغوص هذا التقرير الاستقصائي المطول في أعماق الاستراتيجية المصرية المعقدة، التي لم تكتفِ بالمراقبة، بل انخرطت في عملية “هندسة عكسية” دقيقة للمشهد السوداني. سنقوم بتفكيك الخطوات المنهجية التي اتبعتها القاهرة لتقويض نفوذ الرباعية الدولية الهشة، وسحب البساط من تحت أقدام المبادرات الإقليمية المنافسة (مثل إيغاد)، وصولاً إلى إعادة “تبييض” وجه حكومة البرهان وتحويلها من سلطة أمر واقع معزولة في بورتسودان، إلى حكومة شرعية تحظى بالاعتراف الدولي وتترأس طاولات التفاوض. إنها قصة صراع بين “شرعية المؤسسات” التي تتبناها مصر، و”شرعية الأمر الواقع” التي حاولت قوى أخرى فرضها، وهي قصة تُروى بدقة التفاصيل الاستخباراتية والتحليل السياسي العميق.
لفهم التحرك المصري، يجب العودة إلى لحظة “الخطيئة الأصلية” في نظر المجتمع الدولي: انقلاب 25 أكتوبر 2021. في تلك اللحظة، جُردت الحكومة السودانية بقيادة الجيش من شرعيتها الدستورية التي كانت تستمدها من الوثيقة الدستورية لعام 2019. علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، وجمد البنك الدولي مساعداته، وأصبحت الخرطوم عاصمة منبوذة. 1
في هذا الفراغ، تشكلت “الآلية الرباعية”. لم تكن هذه الآلية مجرد وسيط، بل كانت “وصياً” دولياً يمتلك أدوات الضغط المالي والسياسي. بالنسبة للقاهرة، كان استبعادها من هذه الآلية (رغم أنها الجار الأكبر والأهم) بمثابة “جرس إنذار استراتيجي”. رأت الأجهزة السيادية المصرية في هذا الاستبعاد محاولة لتحييد دورها التاريخي، بل ومحاولة لإعادة صياغة المشهد السوداني وفق رؤى لا تتطابق بالضرورة مع محددات الأمن القومي المصري، التي ترى في “وحدة الجيش السوداني” الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. 2
بلغ القلق المصري ذروته مع طرح “الاتفاق الإطاري” في أواخر 2022، الذي هندسته الرباعية بدعم من بعثة الأمم المتحدة (يونيتامس). رأت القاهرة في بنود هذا الاتفاق، وتحديداً تلك المتعلقة بدمج قوات الدعم السريع وإصلاح القطاع الأمني، “فخاً” قد يؤدي إلى خلق جيشين متوازيين، أو الأسوأ، تفكيك الجيش الوطني لصالح ميليشيات قبلية.
بينما كانت الرباعية تضغط على البرهان لتوقيع الاتفاق وتسليم السلطة، كانت القاهرة تفتح قنوات خلفية مع المكون العسكري والكتلة الديمقراطية، محذرة من “الاستعجال” في تسليم السلطة دون ضمانات أمنية راسخة. هنا بدأت ملامح “الاستراتيجية المضادة” تتشكل: إذا كانت الرباعية تدفع نحو “شرعية ثورية مدنية” قد تضعف الجيش، فإن مصر ستدفع نحو “شرعية مؤسسية” تحافظ على هيكل الدولة.3
لا يمكن إغفال البعد الإقليمي في هذا التنافس. كانت القاهرة تنظر بعين الريبة للدور المتصاعد لدولة الإمارات العربية المتحدة داخل الرباعية، وعلاقتها الوثيقة بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). المعلومات الاستخباراتية التي كانت تصل للقاهرة تشير إلى تدفقات مالية وعلاقات اقتصادية (خاصة في ملف الذهب) تعزز من استقلالية “حميدتي” عن قيادة الجيش.4
اعتبرت القاهرة أن الرباعية، بتركيبتها الحالية، قد تتحول إلى أداة لشرعنة نفوذ “الدعم السريع” سياسياً، وهو ما يتناقض جذرياً مع العقيدة العسكرية المصرية التي لا تعترف إلا بالجيوش النظامية. لذلك، أصبح “تقويض” أو “تمييع” دور الرباعية هدفاً تكتيكياً ملحاً للدبلوماسية المصرية لضمان عدم انفرادها برسم مستقبل السودان.6
لم تواجه مصر الرباعية بصدام مباشر، بل لجأت إلى استراتيجية “الإغراق بالمبادرات البديلة” و”خلق المسارات الموازية” التي تسحب البساط تدريجياً من تحت أقدام اللاعبين الدوليين، مستغلة جغرافيتها وتاريخها.
عندما اندلعت الحرب، سارعت منظمة “إيغاد” (الهيئة الحكومية للتنمية) لتولي زمام المبادرة، مدعومة من الاتحاد الأفريقي والرباعية. لكن رئاسة كينيا للجنة الرباعية الخاصة بإيغاد، وتلويحها بنشر “القوة الاحتياطية لشرق أفريقيا” (EASF) للتدخل في الخرطوم، أثار حفيظة الجيش السوداني الذي اعتبره “تدخلاً سافراً” وانحيازاً للدعم السريع.7
هنا، التقطت القاهرة الخيط ببراعة. في 13 يوليو 2023، استضافت مصر “قمة دول جوار السودان”. لم يكن هذا التوقيت عبثياً؛ فقد جاء لقطع الطريق على قمة إيغاد وتفريغها من مضمونها.
الجدول التالي يوضح المقارنة الاستراتيجية التي فرضتها مصر عبر هذه القمة:
وجه المقارنةمسار إيغاد / الرباعيةمسار دول الجوار (المبادرة المصرية)الهدف المعلن التدخل لحماية المدنيين (تلويح عسكري) الحفاظ على الدولة ومؤسساتها (دعم سياسي)الموقف من السيادة التشكيك في شرعية القيادة الحالية التأكيد الصارم على السيادة الوطنية وعدم التدخلالأدوات عقوبات، تهديد بالقوة، عزلة دبلوماسية حوار سياسي، دعم إنساني، تنسيق أمنيالموقف من الجيش المساواة بين “الطرفين المتحاربين” التمييز الضمني بين “الجيش الوطني” و”المتمردين”النتيجة رفضها الجيش السوداني (البرهان) رحبت بها حكومة السودان واعتبرتها طوق نجاةتحليل استقصائي: نجحت مصر من خلال هذه القمة في تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية بضربة واحدة:
لم تكتفِ القاهرة بالمسار الخارجي، بل خاضت معركة دبلوماسية شرسة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. تكشف المصادر أن الدبلوماسية المصرية قادت حملة مكثفة (“لوبي”) داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي في أغسطس 2025 لرفع تعليق عضوية السودان.12
الحجة المصرية كانت براغماتية وقوية: “لا يمكن حل أزمة دولة غائبة”. جادلت مصر بأن التعامل مع الأزمة يتطلب وجود “حكومة” مسؤولة على الطاولة، وأن استمرار التجميد يخدم الميليشيات التي لا تعترف بالدولة. ورغم أن المحاولة اصطدمت بمقاومة بعض الدول التي تصر على شرط الانتخابات، إلا أن النتيجة الفعلية كانت “تطبيع الأمر الواقع”؛ حيث أصبح وزراء حكومة بورتسودان يشاركون في الاجتماعات التشاورية بصفتهم ممثلين للدولة، متجاوزين العقبة القانونية للتجميد.12
توجت الجهود المصرية في 14 يناير 2026 باستضافة الاجتماع الخامس لـ “الآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام”. هذا الاجتماع لم يكن مجرد حدث روتيني، بل كان إعلاناً بوفاة “الرباعية” بصيغتها القديمة وولادة صيغة جديدة تقودها مصر.14
حضر الاجتماع ممثلون رفيعو المستوى من الأمم المتحدة (رمطان لعمامرة)، الولايات المتحدة (مسعد بولس)، السعودية، الاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية.
الدلالة السياسية: جلوس كل هؤلاء في القاهرة، تحت رئاسة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والاستماع إلى خطابه الذي يحدد “الخطوط الحمراء” المصرية (وحدة السودان، مؤسسات الدولة، رفض الميليشيات)، كان يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن “مفتاح الحل” في القاهرة، وأن الرؤية المصرية القائمة على دعم “الشرعية المؤسسية” قد انتصرت على رؤية “المساواة بين الأطراف”.16
أدركت المؤسسة المصرية العميقة أن الشرعية ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي “صورة ذهنية” ومراسم بروتوكولية. ولتحويل الفريق أول البرهان من “قائد انقلابي” إلى “رئيس دولة”، أدارت مصر حملة علاقات عامة سياسية دقيقة عبر سلسلة من الزيارات والبروتوكولات.
كان خروج البرهان من حصار القيادة العامة في الخرطوم ووصوله إلى بورتسودان في أغسطس 2023 نقطة تحول عسكرية، لكن وصوله إلى مدينة العلمين الجديدة في مصر كان نقطة التحول السياسية الأهم.
استقبله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليس كقائد عسكري حليف فحسب، بل بمراسم رئاسية كاملة. كانت الرسالة السيميائية للصورة (العلمين، البحر، المصافحة الرسمية) تقول للعالم: “هذا هو رئيس السودان الشرعي الذي نعترف به”.18
هذه الزيارة منحت البرهان “جواز مرور” دبلوماسي لزيارة عواصم أخرى (جوبا، الدوحة، أنقرة، وأسمرة) وللمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث خاطب العالم كرئيس دولة، مستنداً إلى “الشرعية” التي كرستها القاهرة.20
لترسيخ شرعية حكومة البرهان، تعاملت مصر مع بورتسودان كعاصمة كاملة السيادة. توالت الزيارات المصرية الرفيعة المستوى التي أعطت انطباعاً باستمرار “الدولاب الحكومي”:
عملت الدبلوماسية المصرية بدأب في المحافل الدولية (مجلس الأمن، جنيف) لتغيير السردية السائدة. بدلاً من سردية “جنرالين يتقاتلان”، روجت مصر لسردية “دولة تحارب ميليشيا متمردة”.
استخدمت مصر فزاعة “الفوضى الشاملة” و”الإرهاب” و”الهجرة غير الشرعية” لإقناع الغرب (خاصة أوروبا) بأن دعم شرعية البرهان هو الخيار الوحيد لمنع تحول السودان إلى “ليبيا جديدة” أو “صومال آخر”. ويبدو أن هذه السردية لاقت قبولاً متزايداً مع طول أمد الحرب وظهور انتهاكات مروعة منسوبة للدعم السريع.3
لم تكن الدبلوماسية وحدها كافية لحماية “شرعية” حكومة كادت أن تسقط عسكرياً في الأشهر الأولى للحرب. تكشف المعلومات الاستقصائية عن دور مصري “صلب” وحاسم في إسناد الجيش السوداني ميدانياً، باعتبار أن “بقاء الجيش” هو الشرط المسبق لبقاء الدولة.
تشير بيانات تتبع الرحلات الجوية والمصادر المفتوحة إلى وجود “جسر جوي” غير معلن بين القواعد الجوية المصرية ومطار بورتسودان. رحلات متكررة لطائرات شحن عسكرية ومدنية (مثل الرحلة MSR866 التي رصدت مراراً بين القاهرة وبورتسودان) نقلت ما وصف رسمياً بالمساعدات الإنسانية والطبية، لكن تقارير خبراء الأمم المتحدة والمصادر الميدانية تشير إلى احتمالية نقل معدات دعم لوجستي وتقني.28
الدعم الاستخباراتي: لعبت المخابرات العامة المصرية (GIS) دوراً محورياً في تزويد الجيش السوداني بمعلومات دقيقة (ISR) حول تحركات قوات الدعم السريع وخطوط إمدادها، مستفيدة من قدرات الاستطلاع المصرية المتفوقة (أقمار صناعية، طائرات استطلاع). هذا الدعم المعلوماتي كان حاسماً في تمكين الجيش من الصمود في معارك المدرعات والقيادة العامة.5
أثار تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة (يناير 2024 وما تلاه) وتقارير منظمات مثل “العفو الدولية” تساؤلات جدية حول نوعية السلاح المستخدم. تشير وثائق مسربة واتهامات من قوات الدعم السريع إلى استخدام الجيش السوداني لطائرات تدريب متقدمة وهجوم خفيف من طراز K-8 (التي تصنعها مصر برخصة صينية وتمتلكها السودان أيضاً) في عمليات قصف دقيقة في دارفور والخرطوم. ورغم النفي الرسمي المصري المتكرر لأي تدخل مباشر، إلا أن صيانة وتشغيل وتذخير هذه الأسطول الجوي يتطلب دعماً فنياً تعتقد مصادر استخباراتية غربية أن مصر وفرته لضمان التفوق الجوي للجيش. 3
في تطور لافت أواخر عام 2025، انتقلت مصر من لغة الدبلوماسية إلى لغة الردع العسكري المباشر.
إدراكاً منها بأن الشرعية تتآكل بالجوع ونقص الخدمات، سعت مصر لدعم قدرة حكومة بورتسودان على القيام بوظائف الدولة الحيوية، مما يعزز شرعيتها “الوظيفية” أمام المواطنين.
أبقت مصر معبري أرقين وقسطل الحدوديين مفتوحين على مدار الساعة، ليصبحا “الرئة” التي يتنفس منها شمال وشرق السودان. تدفق آلاف الأطنان من المواد الغذائية، الأدوية، والوقود عبر هذه المعابر لم يكن مجرد تجارة، بل كان “دعماً استراتيجياً” لاستقرار المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. هذا التدفق منع الانهيار الاقتصادي الشامل ومنح حكومة البرهان القدرة على توفير الحد الأدنى من السلع في أسواقها. 35
وقعت مصر والسودان سلسلة اتفاقيات في 2025 و2026 تهدف إلى ربط السودان بشبكة الكهرباء المصرية بقدرات أعلى، وإشراك شركات المقاولات المصرية في مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.
التزام مصر بتدريب موظفي الجمارك السودانيين وإعادة تأهيل المصانع (اتفاقيات يناير 2026) يعطي رسالة قوية للمستثمرين والمانحين: “هناك دولة قائمة ومستمرة، ومصر تضمنها”. هذا النوع من الدعم يمنح حكومة بورتسودان “شرعية الإنجاز” ويثبت أقدامها كحكومة مسؤولة عن إعادة البناء، في مقابل “قوة تدميرية” تتمثل في الطرف الآخر.36
لإنجاح استراتيجيتها، كان على القاهرة تفكيك “وحدة” الرباعية الدولية واللعب على تناقضات أعضائها.
مع صعود نغمة الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ترامب المحتملة أو توجهاتها)، التقطت القاهرة الإشارة. ركزت الدبلوماسية المصرية في حوارها مع واشنطن (عبر المبعوث مسعد بولس) على المصالح المشتركة: مكافحة الإرهاب، ومنع الهجرة، والاستقرار الإقليمي.
أقنعت القاهرة واشنطن بأن “المؤسسة العسكرية” هي الشريك الوحيد القادر على تحقيق هذه المصالح، وأن الرهان على الميليشيات أو القوى المدنية المنقسمة هو مغامرة غير محسوبة. تصريحات بولس في القاهرة (يناير 2026) التي أكدت “عدم المساواة بين الجيش والميليشيا” كانت دليلاً على نجاح القاهرة في “أمثلة” الموقف الأمريكي لصالح رؤيتها.15
في خطوة براغماتية مذهلة، نسقت مصر مع تركيا (التي كانت خصماً في ملفات أخرى) لدعم الجيش السوداني. التقى وزيرا الخارجية بدر عبد العاطي وهاكان فيدان مراراً لتنسيق المواقف. تركيا، التي زودت الجيش بمسيرات بيرقدار، ومصر التي توفر الغطاء السياسي واللوجستي، شكلتا “محور ضرورة” لدعم الدولة السودانية. هذا التنسيق سحب ورقة “التدخل الإسلامي” من يد الدعم السريع، حيث ظهر الدعم التركي كدعم “دولة لدولة” بالتنسيق مع القاهرة. 5
دون الدخول في صدام علني، عملت الدبلوماسية المصرية على عزل السردية الإماراتية داخل المحافل الأفريقية والعربية. عبر التركيز المستمر على “رفض التدخلات الخارجية” و”التمسك بالسيادة”، وضعت مصر أي طرف يدعم “الميليشيا” في خانة الاتهام بـ “تخريب الدولة الوطنية”. البيانات المشتركة مع الصومال، إريتريا، والحكومة السودانية خلقت “حزاماً دبلوماسياً” مناهضاً للدعم الخارجي للمتمردين، مما زاد من الكلفة السياسية لاستمرار هذا الدعم. 39
بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب، يمكن القول إن القاهرة نجحت في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأهم: منع سقوط الدولة السودانية ومنع استبدال الجيش بميليشيا.
لقد حولت مصر، بصبر استراتيجي ونفس طويل، حكومة البرهان من “سلطة انقلابية” معزولة، إلى “حكومة شرعية” تمثل الدولة السودانية في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وتترأس اجتماعات السلام في القاهرة.
تم هذا التحول عبر وصفة مصرية خالصة: مزيج من الدبلوماسية الهادئة (دول الجوار)، والعمل الاستخباراتي الدقيق، والدعم العسكري الرادع عند الضرورة، والقدرة الفائقة على ترويض القوى الدولية (واشنطن) وسحب البساط من القوى الإقليمية المنافسة (إيغاد، الإمارات).
اليوم، يجلس المفاوضون في القاهرة ليس لبحث “تسليم السلطة” كما كانت تريد الرباعية في 2022، بل لبحث “وقف إطلاق النار” و”الحفاظ على المؤسسات”، وهو بالضبط العنوان الذي وضعته القاهرة منذ اليوم الأول. إنه انتصار لمدرسة “الواقعية السياسية” المصرية التي تؤمن بأن الخرائط لا يحميها إلا الجيوش النظامية، وأن الشرعية تُنتزع ولا تُمنح.
Egypt and Turkey coordinate positions on Gaza ceasefire, Sudan crisis and Somalia, accessed January 16, 2026, https://www.middleeastmonitor.com/20260114-egypt-and-turkey-coordinate-positions-on-gaza-ceasefire-sudan-crisis-and-somalia/
المصدر:
الراكوبة