آخر الأخبار

استراتيجية الدولة الراسخة: التشريح الجيوسياسي للدور المصري في إعادة هندسة الشرعية السودانية وتقويض الرباعية الدولية

شارك

مقدمة: جدلية الشرعية والفوضى في المجال الحيوي

لم يكن صباح الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد لحظة اشتعال عسكري في الخرطوم، بل كان إعلاناً مدوياً عن انهيار “هندسة التوازنات” التي حاولت القوى الدولية والإقليمية فرضها على السودان ما بعد البشير. في خضم الدخان المتصاعد من القيادة العامة ومطار الخرطوم، كانت القاهرة ترقب المشهد بعين “الصحفي الاستقصائي” الذي يقرأ ما بين السطور، وعقل “الأكاديمي الاستراتيجي” الذي يدرك أن ما يحدث ليس مجرد صراع جنرالات، بل هو صراع وجودي حول مفهوم “الدولة” في الفناء الخلفي للأمن القومي المصري.

لقد واجهت مصر عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 تحدياً مزدوجاً وغير مسبوق؛ فمن جهة، فقد حليفها التقليدي في الخرطوم (المؤسسة العسكرية) غطاءه الشرعي الدولي والإقليمي، وبات الفريق أول عبد الفتاح البرهان محاصراً بلقب “الانقلابي” في أدبيات الاتحاد الأفريقي والعواصم الغربية. ومن جهة أخرى، صعدت “الآلية الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة) لتملأ الفراغ الدبلوماسي، حاملة مشروعاً سياسياً (الاتفاق الإطاري) رأت فيه القاهرة تهديداً مبطناً لوحدة المؤسسة العسكرية السودانية، وشرعنة لكيانات موازية قد تعصف بمفهوم الدولة الوطنية الراسخة.

يغوص هذا التقرير الاستقصائي المطول في أعماق الاستراتيجية المصرية المعقدة، التي لم تكتفِ بالمراقبة، بل انخرطت في عملية “هندسة عكسية” دقيقة للمشهد السوداني. سنقوم بتفكيك الخطوات المنهجية التي اتبعتها القاهرة لتقويض نفوذ الرباعية الدولية الهشة، وسحب البساط من تحت أقدام المبادرات الإقليمية المنافسة (مثل إيغاد)، وصولاً إلى إعادة “تبييض” وجه حكومة البرهان وتحويلها من سلطة أمر واقع معزولة في بورتسودان، إلى حكومة شرعية تحظى بالاعتراف الدولي وتترأس طاولات التفاوض. إنها قصة صراع بين “شرعية المؤسسات” التي تتبناها مصر، و”شرعية الأمر الواقع” التي حاولت قوى أخرى فرضها، وهي قصة تُروى بدقة التفاصيل الاستخباراتية والتحليل السياسي العميق.

الفصل الأول: جيوبوليتيك الإقصاء.. صعود الرباعية ومخاوف القاهرة الوجودية

1.1 تشريح مشهد ما قبل الحرب: الانقلاب والعزلة

لفهم التحرك المصري، يجب العودة إلى لحظة “الخطيئة الأصلية” في نظر المجتمع الدولي: انقلاب 25 أكتوبر 2021. في تلك اللحظة، جُردت الحكومة السودانية بقيادة الجيش من شرعيتها الدستورية التي كانت تستمدها من الوثيقة الدستورية لعام 2019. علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، وجمد البنك الدولي مساعداته، وأصبحت الخرطوم عاصمة منبوذة. 1

في هذا الفراغ، تشكلت “الآلية الرباعية”. لم تكن هذه الآلية مجرد وسيط، بل كانت “وصياً” دولياً يمتلك أدوات الضغط المالي والسياسي. بالنسبة للقاهرة، كان استبعادها من هذه الآلية (رغم أنها الجار الأكبر والأهم) بمثابة “جرس إنذار استراتيجي”. رأت الأجهزة السيادية المصرية في هذا الاستبعاد محاولة لتحييد دورها التاريخي، بل ومحاولة لإعادة صياغة المشهد السوداني وفق رؤى لا تتطابق بالضرورة مع محددات الأمن القومي المصري، التي ترى في “وحدة الجيش السوداني” الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. 2

1.2 الاتفاق الإطاري: بذور الشقاق بين القاهرة والرباعية

بلغ القلق المصري ذروته مع طرح “الاتفاق الإطاري” في أواخر 2022، الذي هندسته الرباعية بدعم من بعثة الأمم المتحدة (يونيتامس). رأت القاهرة في بنود هذا الاتفاق، وتحديداً تلك المتعلقة بدمج قوات الدعم السريع وإصلاح القطاع الأمني، “فخاً” قد يؤدي إلى خلق جيشين متوازيين، أو الأسوأ، تفكيك الجيش الوطني لصالح ميليشيات قبلية.

بينما كانت الرباعية تضغط على البرهان لتوقيع الاتفاق وتسليم السلطة، كانت القاهرة تفتح قنوات خلفية مع المكون العسكري والكتلة الديمقراطية، محذرة من “الاستعجال” في تسليم السلطة دون ضمانات أمنية راسخة. هنا بدأت ملامح “الاستراتيجية المضادة” تتشكل: إذا كانت الرباعية تدفع نحو “شرعية ثورية مدنية” قد تضعف الجيش، فإن مصر ستدفع نحو “شرعية مؤسسية” تحافظ على هيكل الدولة.3

1.3 الديناميكيات الخفية: الدور الإماراتي والتنافس الصامت

لا يمكن إغفال البعد الإقليمي في هذا التنافس. كانت القاهرة تنظر بعين الريبة للدور المتصاعد لدولة الإمارات العربية المتحدة داخل الرباعية، وعلاقتها الوثيقة بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). المعلومات الاستخباراتية التي كانت تصل للقاهرة تشير إلى تدفقات مالية وعلاقات اقتصادية (خاصة في ملف الذهب) تعزز من استقلالية “حميدتي” عن قيادة الجيش.4

اعتبرت القاهرة أن الرباعية، بتركيبتها الحالية، قد تتحول إلى أداة لشرعنة نفوذ “الدعم السريع” سياسياً، وهو ما يتناقض جذرياً مع العقيدة العسكرية المصرية التي لا تعترف إلا بالجيوش النظامية. لذلك، أصبح “تقويض” أو “تمييع” دور الرباعية هدفاً تكتيكياً ملحاً للدبلوماسية المصرية لضمان عدم انفرادها برسم مستقبل السودان.6

الفصل الثاني: استراتيجية “المسارات البديلة” وتقويض الاحتكار الدولي

لم تواجه مصر الرباعية بصدام مباشر، بل لجأت إلى استراتيجية “الإغراق بالمبادرات البديلة” و”خلق المسارات الموازية” التي تسحب البساط تدريجياً من تحت أقدام اللاعبين الدوليين، مستغلة جغرافيتها وتاريخها.

2.1 قمة دول جوار السودان: الضربة القاضية لنفوذ “إيغاد”

عندما اندلعت الحرب، سارعت منظمة “إيغاد” (الهيئة الحكومية للتنمية) لتولي زمام المبادرة، مدعومة من الاتحاد الأفريقي والرباعية. لكن رئاسة كينيا للجنة الرباعية الخاصة بإيغاد، وتلويحها بنشر “القوة الاحتياطية لشرق أفريقيا” (EASF) للتدخل في الخرطوم، أثار حفيظة الجيش السوداني الذي اعتبره “تدخلاً سافراً” وانحيازاً للدعم السريع.7

هنا، التقطت القاهرة الخيط ببراعة. في 13 يوليو 2023، استضافت مصر “قمة دول جوار السودان”. لم يكن هذا التوقيت عبثياً؛ فقد جاء لقطع الطريق على قمة إيغاد وتفريغها من مضمونها.

الجدول التالي يوضح المقارنة الاستراتيجية التي فرضتها مصر عبر هذه القمة:

وجه المقارنةمسار إيغاد / الرباعيةمسار دول الجوار (المبادرة المصرية)الهدف المعلن التدخل لحماية المدنيين (تلويح عسكري) الحفاظ على الدولة ومؤسساتها (دعم سياسي)الموقف من السيادة التشكيك في شرعية القيادة الحالية التأكيد الصارم على السيادة الوطنية وعدم التدخلالأدوات عقوبات، تهديد بالقوة، عزلة دبلوماسية حوار سياسي، دعم إنساني، تنسيق أمنيالموقف من الجيش المساواة بين “الطرفين المتحاربين” التمييز الضمني بين “الجيش الوطني” و”المتمردين”النتيجة رفضها الجيش السوداني (البرهان) رحبت بها حكومة السودان واعتبرتها طوق نجاة

تحليل استقصائي: نجحت مصر من خلال هذه القمة في تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية بضربة واحدة:


* سحب الشرعية من إيغاد: عبر تقديم “دول الجوار” كأصحاب المصلحة الحقيقيين المتأثرين بالحرب (نزوح، أمن حدود)، مما يمنحهم “أولوية أخلاقية وسياسية” على المنظمات البيروقراطية البعيدة. 8
* توفير منصة للبرهان: مخرجات القمة التي ركزت على “الحفاظ على مؤسسات الدولة” كانت بمثابة طوق النجاة السياسي لحكومة البرهان، حيث وفرت له غطاءً إقليمياً يرتكز عليه في مواجهة الضغوط الغربية. 10
* تشتيت الإجماع الدولي: خلقت القمة مساراً تفاوضياً جديداً، مما أجبر القوى الدولية على التعامل مع القاهرة كبوابة إجبارية لأي حل، منهية بذلك احتكار الرباعية للملف. 6

2.2 معركة “الاتحاد الأفريقي”: محاولات كسر التجميد

لم تكتفِ القاهرة بالمسار الخارجي، بل خاضت معركة دبلوماسية شرسة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. تكشف المصادر أن الدبلوماسية المصرية قادت حملة مكثفة (“لوبي”) داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي في أغسطس 2025 لرفع تعليق عضوية السودان.12

الحجة المصرية كانت براغماتية وقوية: “لا يمكن حل أزمة دولة غائبة”. جادلت مصر بأن التعامل مع الأزمة يتطلب وجود “حكومة” مسؤولة على الطاولة، وأن استمرار التجميد يخدم الميليشيات التي لا تعترف بالدولة. ورغم أن المحاولة اصطدمت بمقاومة بعض الدول التي تصر على شرط الانتخابات، إلا أن النتيجة الفعلية كانت “تطبيع الأمر الواقع”؛ حيث أصبح وزراء حكومة بورتسودان يشاركون في الاجتماعات التشاورية بصفتهم ممثلين للدولة، متجاوزين العقبة القانونية للتجميد.12

2.3 “الآلية التشاورية” في القاهرة (2026): هندسة المشهد الجديد

توجت الجهود المصرية في 14 يناير 2026 باستضافة الاجتماع الخامس لـ “الآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام”. هذا الاجتماع لم يكن مجرد حدث روتيني، بل كان إعلاناً بوفاة “الرباعية” بصيغتها القديمة وولادة صيغة جديدة تقودها مصر.14

حضر الاجتماع ممثلون رفيعو المستوى من الأمم المتحدة (رمطان لعمامرة)، الولايات المتحدة (مسعد بولس)، السعودية، الاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية.

الدلالة السياسية: جلوس كل هؤلاء في القاهرة، تحت رئاسة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والاستماع إلى خطابه الذي يحدد “الخطوط الحمراء” المصرية (وحدة السودان، مؤسسات الدولة، رفض الميليشيات)، كان يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن “مفتاح الحل” في القاهرة، وأن الرؤية المصرية القائمة على دعم “الشرعية المؤسسية” قد انتصرت على رؤية “المساواة بين الأطراف”.16

الفصل الثالث: بروتوكولات “إعادة التدوير”.. صناعة الرئيس الشرعي

أدركت المؤسسة المصرية العميقة أن الشرعية ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي “صورة ذهنية” ومراسم بروتوكولية. ولتحويل الفريق أول البرهان من “قائد انقلابي” إلى “رئيس دولة”، أدارت مصر حملة علاقات عامة سياسية دقيقة عبر سلسلة من الزيارات والبروتوكولات.

3.1 “كسر الحصار”: رمزية زيارة العلمين (أغسطس 2023)

كان خروج البرهان من حصار القيادة العامة في الخرطوم ووصوله إلى بورتسودان في أغسطس 2023 نقطة تحول عسكرية، لكن وصوله إلى مدينة العلمين الجديدة في مصر كان نقطة التحول السياسية الأهم.

استقبله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليس كقائد عسكري حليف فحسب، بل بمراسم رئاسية كاملة. كانت الرسالة السيميائية للصورة (العلمين، البحر، المصافحة الرسمية) تقول للعالم: “هذا هو رئيس السودان الشرعي الذي نعترف به”.18

هذه الزيارة منحت البرهان “جواز مرور” دبلوماسي لزيارة عواصم أخرى (جوبا، الدوحة، أنقرة، وأسمرة) وللمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث خاطب العالم كرئيس دولة، مستنداً إلى “الشرعية” التي كرستها القاهرة.20

3.2 “بورتسودان” عاصمة بديلة: زيارات المسؤولين المصريين

لترسيخ شرعية حكومة البرهان، تعاملت مصر مع بورتسودان كعاصمة كاملة السيادة. توالت الزيارات المصرية الرفيعة المستوى التي أعطت انطباعاً باستمرار “الدولاب الحكومي”:


* زيارات وزراء الخارجية: زيارة وزير الخارجية سامح شكري، ثم خليفته بدر عبد العاطي (نوفمبر 2025)، لم تكن بروتوكولية فقط، بل حملت طابع “تنسيق دولتين” في ملفات المياه، الأمن، والاقتصاد. 22
* زيارات رؤساء المخابرات: الزيارات المتكررة للواء عباس كامل (أغسطس 2024) ثم اللواء حسن رشاد (أكتوبر 2025) إلى بورتسودان، ولقاؤهما بالبرهان، أكدت أن “الدولة العميقة” في مصر تتعامل مع نظيرتها في السودان. الرسالة هنا كانت: “نحن ندعم النظام الأمني والعسكري الشرعي، ولا نتعامل مع فصائل”.24
هذه الزيارات كسرت العزلة النفسية والسياسية عن حكومة بورتسودان، وشجعت دولاً أخرى ومنظمات أممية على فتح مكاتبها هناك والتعامل مع الوزراء المعينين من قبل البرهان كوزراء شرعيين.

3.3 إدارة الخطاب الدولي: تسويق “الجيش” كضامن وحيد

عملت الدبلوماسية المصرية بدأب في المحافل الدولية (مجلس الأمن، جنيف) لتغيير السردية السائدة. بدلاً من سردية “جنرالين يتقاتلان”، روجت مصر لسردية “دولة تحارب ميليشيا متمردة”.

استخدمت مصر فزاعة “الفوضى الشاملة” و”الإرهاب” و”الهجرة غير الشرعية” لإقناع الغرب (خاصة أوروبا) بأن دعم شرعية البرهان هو الخيار الوحيد لمنع تحول السودان إلى “ليبيا جديدة” أو “صومال آخر”. ويبدو أن هذه السردية لاقت قبولاً متزايداً مع طول أمد الحرب وظهور انتهاكات مروعة منسوبة للدعم السريع.3

الفصل الرابع: القوة الصلبة والخطوط الحمراء.. حماية الشرعية بالنار

لم تكن الدبلوماسية وحدها كافية لحماية “شرعية” حكومة كادت أن تسقط عسكرياً في الأشهر الأولى للحرب. تكشف المعلومات الاستقصائية عن دور مصري “صلب” وحاسم في إسناد الجيش السوداني ميدانياً، باعتبار أن “بقاء الجيش” هو الشرط المسبق لبقاء الدولة.

4.1 الجسر اللوجستي والاستخباراتي: شريان الحياة

تشير بيانات تتبع الرحلات الجوية والمصادر المفتوحة إلى وجود “جسر جوي” غير معلن بين القواعد الجوية المصرية ومطار بورتسودان. رحلات متكررة لطائرات شحن عسكرية ومدنية (مثل الرحلة MSR866 التي رصدت مراراً بين القاهرة وبورتسودان) نقلت ما وصف رسمياً بالمساعدات الإنسانية والطبية، لكن تقارير خبراء الأمم المتحدة والمصادر الميدانية تشير إلى احتمالية نقل معدات دعم لوجستي وتقني.28

الدعم الاستخباراتي: لعبت المخابرات العامة المصرية (GIS) دوراً محورياً في تزويد الجيش السوداني بمعلومات دقيقة (ISR) حول تحركات قوات الدعم السريع وخطوط إمدادها، مستفيدة من قدرات الاستطلاع المصرية المتفوقة (أقمار صناعية، طائرات استطلاع). هذا الدعم المعلوماتي كان حاسماً في تمكين الجيش من الصمود في معارك المدرعات والقيادة العامة.5

4.2 ملف الطائرات المسيرة والقدرات الجوية (K-8)

أثار تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة (يناير 2024 وما تلاه) وتقارير منظمات مثل “العفو الدولية” تساؤلات جدية حول نوعية السلاح المستخدم. تشير وثائق مسربة واتهامات من قوات الدعم السريع إلى استخدام الجيش السوداني لطائرات تدريب متقدمة وهجوم خفيف من طراز K-8 (التي تصنعها مصر برخصة صينية وتمتلكها السودان أيضاً) في عمليات قصف دقيقة في دارفور والخرطوم. ورغم النفي الرسمي المصري المتكرر لأي تدخل مباشر، إلا أن صيانة وتشغيل وتذخير هذه الأسطول الجوي يتطلب دعماً فنياً تعتقد مصادر استخباراتية غربية أن مصر وفرته لضمان التفوق الجوي للجيش. 3

4.3 تفعيل “الخطوط الحمراء”: الردع الاستراتيجي

في تطور لافت أواخر عام 2025، انتقلت مصر من لغة الدبلوماسية إلى لغة الردع العسكري المباشر.


* بيان الرئاسة (ديسمبر 2025): أعلنت مصر صراحة أن “الأمن القومي السوداني جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”، محددة “خطوطاً حمراء” تشمل: وحدة الأراضي، بقاء المؤسسات، ورفض التقسيم. الأخطر كان التلويح المصري بحقها في تفعيل “اتفاقية الدفاع المشترك” الموقعة عام 1976، وهي رسالة موجهة مباشرة للأطراف الإقليمية الداعمة للدعم السريع. 31
* الضربات الجراحية (مزاعم وحقائق): تحدثت تقارير إعلامية وتصريحات من قادة الدعم السريع عن غارات جوية مجهولة (نُسبت للطيران المصري) استهدفت قوافل إمداد عسكرية للدعم السريع في المنطقة الحدودية المثلثة (جبل العوينات) وبين الحدود الليبية والسودانية في يناير 2026. الهدف العملياتي لهذه الضربات -إن صحت- هو قطع “شريان الإمداد” القادم من الغرب، وهو ما يعكس قراراً مصرياً بمنع تغيير التوازن العسكري لصالح الميليشيات مهما كلف الأمر. 4

الفصل الخامس: شرعية الاقتصاد والخدمات.. الدولة التي “تطعم” شعبها

إدراكاً منها بأن الشرعية تتآكل بالجوع ونقص الخدمات، سعت مصر لدعم قدرة حكومة بورتسودان على القيام بوظائف الدولة الحيوية، مما يعزز شرعيتها “الوظيفية” أمام المواطنين.

5.1 معابر الحياة: أرقين وقسطل

أبقت مصر معبري أرقين وقسطل الحدوديين مفتوحين على مدار الساعة، ليصبحا “الرئة” التي يتنفس منها شمال وشرق السودان. تدفق آلاف الأطنان من المواد الغذائية، الأدوية، والوقود عبر هذه المعابر لم يكن مجرد تجارة، بل كان “دعماً استراتيجياً” لاستقرار المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. هذا التدفق منع الانهيار الاقتصادي الشامل ومنح حكومة البرهان القدرة على توفير الحد الأدنى من السلع في أسواقها. 35

5.2 إعادة الإعمار والربط الكهربائي

وقعت مصر والسودان سلسلة اتفاقيات في 2025 و2026 تهدف إلى ربط السودان بشبكة الكهرباء المصرية بقدرات أعلى، وإشراك شركات المقاولات المصرية في مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.

التزام مصر بتدريب موظفي الجمارك السودانيين وإعادة تأهيل المصانع (اتفاقيات يناير 2026) يعطي رسالة قوية للمستثمرين والمانحين: “هناك دولة قائمة ومستمرة، ومصر تضمنها”. هذا النوع من الدعم يمنح حكومة بورتسودان “شرعية الإنجاز” ويثبت أقدامها كحكومة مسؤولة عن إعادة البناء، في مقابل “قوة تدميرية” تتمثل في الطرف الآخر.36

الفصل السادس: تفكيك التحالفات.. لعبة الشطرنج الدبلوماسية

لإنجاح استراتيجيتها، كان على القاهرة تفكيك “وحدة” الرباعية الدولية واللعب على تناقضات أعضائها.

6.1 تحييد واشنطن: “مسعد بولس” والبراغماتية الترامبية

مع صعود نغمة الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ترامب المحتملة أو توجهاتها)، التقطت القاهرة الإشارة. ركزت الدبلوماسية المصرية في حوارها مع واشنطن (عبر المبعوث مسعد بولس) على المصالح المشتركة: مكافحة الإرهاب، ومنع الهجرة، والاستقرار الإقليمي.

أقنعت القاهرة واشنطن بأن “المؤسسة العسكرية” هي الشريك الوحيد القادر على تحقيق هذه المصالح، وأن الرهان على الميليشيات أو القوى المدنية المنقسمة هو مغامرة غير محسوبة. تصريحات بولس في القاهرة (يناير 2026) التي أكدت “عدم المساواة بين الجيش والميليشيا” كانت دليلاً على نجاح القاهرة في “أمثلة” الموقف الأمريكي لصالح رؤيتها.15

6.2 التقارب مع أنقرة: محور جديد

في خطوة براغماتية مذهلة، نسقت مصر مع تركيا (التي كانت خصماً في ملفات أخرى) لدعم الجيش السوداني. التقى وزيرا الخارجية بدر عبد العاطي وهاكان فيدان مراراً لتنسيق المواقف. تركيا، التي زودت الجيش بمسيرات بيرقدار، ومصر التي توفر الغطاء السياسي واللوجستي، شكلتا “محور ضرورة” لدعم الدولة السودانية. هذا التنسيق سحب ورقة “التدخل الإسلامي” من يد الدعم السريع، حيث ظهر الدعم التركي كدعم “دولة لدولة” بالتنسيق مع القاهرة. 5

6.3 عزل السردية الإماراتية

دون الدخول في صدام علني، عملت الدبلوماسية المصرية على عزل السردية الإماراتية داخل المحافل الأفريقية والعربية. عبر التركيز المستمر على “رفض التدخلات الخارجية” و”التمسك بالسيادة”، وضعت مصر أي طرف يدعم “الميليشيا” في خانة الاتهام بـ “تخريب الدولة الوطنية”. البيانات المشتركة مع الصومال، إريتريا، والحكومة السودانية خلقت “حزاماً دبلوماسياً” مناهضاً للدعم الخارجي للمتمردين، مما زاد من الكلفة السياسية لاستمرار هذا الدعم. 39

الخاتمة: انتصار عقيدة “الدولة الوطنية”

بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب، يمكن القول إن القاهرة نجحت في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأهم: منع سقوط الدولة السودانية ومنع استبدال الجيش بميليشيا.

لقد حولت مصر، بصبر استراتيجي ونفس طويل، حكومة البرهان من “سلطة انقلابية” معزولة، إلى “حكومة شرعية” تمثل الدولة السودانية في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وتترأس اجتماعات السلام في القاهرة.

تم هذا التحول عبر وصفة مصرية خالصة: مزيج من الدبلوماسية الهادئة (دول الجوار)، والعمل الاستخباراتي الدقيق، والدعم العسكري الرادع عند الضرورة، والقدرة الفائقة على ترويض القوى الدولية (واشنطن) وسحب البساط من القوى الإقليمية المنافسة (إيغاد، الإمارات).

اليوم، يجلس المفاوضون في القاهرة ليس لبحث “تسليم السلطة” كما كانت تريد الرباعية في 2022، بل لبحث “وقف إطلاق النار” و”الحفاظ على المؤسسات”، وهو بالضبط العنوان الذي وضعته القاهرة منذ اليوم الأول. إنه انتصار لمدرسة “الواقعية السياسية” المصرية التي تؤمن بأن الخرائط لا يحميها إلا الجيوش النظامية، وأن الشرعية تُنتزع ولا تُمنح.

جدول: تطور الموقف الدولي من حكومة البرهان (بفعل التأثير المصري)

المرحلة الزمنيةوصف الحكومة دولياًالموقف من الجيشالدور المصريأكتوبر 2021 – أبريل 2023 حكومة انقلابية (معزولة) مطالبة بالعودة للثكنات فوراً استبعاد من الرباعية (مراقبة قلقة)أبريل 2023 – يوليو 2023 طرف نزاع (مساواة مع الدعم السريع) اتهامات متبادلة بالمسؤولية إطلاق قمة دول الجوار (بداية الاختراق)أغسطس 2023 – 2024 سلطة أمر واقع (De Facto) اعتراف ضروري لتمرير المساعدات كسر الحصار البروتوكولي (زيارة العلمين)2025 – يناير 2026الحكومة الشرعية (ممثلة للدولة) “مؤسسة وطنية” يجب الحفاظ عليها قيادة الآلية التشاورية وتوجيه الدفة الدولية

المراجع


* Sudan Coup: The Regional Interference behind a Faltering Transition, accessed January 16, 2026, https://arabcenterdc.org/resource/sudan-coup-the-regional-interference-behind-a-faltering-transition/
* The Sudan Crisis: How Regional Actors’ Competing Interests Fuel the Conflict, accessed January 16, 2026, https://arabcenterdc.org/resource/the-sudan-crisis-how-regional-actors-competing-interests-fuel-the-conflict/
* Reconsidering Cairo’s Approach to the Sudanese Civil War | The Washington Institute, accessed January 16, 2026, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/reconsidering-cairos-approach-sudanese-civil-war
* From Covert Alignment to Strategic Encirclement: The Fracturing Arab Consensus on Sudan, accessed January 16, 2026, https://hornreview.org/2026/01/16/from-covert-alignment-to-strategic-encirclement-the-fracturing-arab-consensus-on-sudan/
* Exclusive: Egypt and Turkey boost support for Sudan’s army following RSF capture of el-Fasher | Middle East Eye, accessed January 16, 2026, https://www.middleeasteye.net/news/egypt-and-turkey-move-support-saf-following-fall-el-fasher
* Egypt Rejects Quartet’s Efforts Regarding Sudan – The Reporter Ethiopia, accessed January 16, 2026, https://www.thereporterethiopia.com/46214/
* IGAD considers deploying East Africa Standby Forces in Sudan – The Radio Community, accessed January 16, 2026, https://theradiocommunity.org/igad-considers-deploying-east-africa-standby-forces-in-sudan
* Under Egyptian Leadership, Cairo Hosts International Meeting on Sudan, accessed January 16, 2026, https://sudanhorizon.com/under-egyptian-leadership-cairo-hosts-international-meeting-on-sudan/
* Final Communiqué of Sudan’s Neighboring States Summit | Amani Africa, accessed January 16, 2026, https://amaniafrica-et.org/wp-content/uploads/2023/08/Final-Communique-of-Sudans-Neighboring-States-Summit.pdf
* الحكومة السودانية ترحب بمخرجات قمة دول جوار السودان بالقاهرة وتقدم الشكر لمصر – اليوم السابع, accessed January 16, 2026, https://www.youm7.com/story/2023/7/13/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D8%A8-%D8%A8%D9%85%D8%AE%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85/6240948
* تحليل إخباري: قمة القاهرة نجحت في توحيد مواقف دول جوار السودان تجاه الأزمة السودانية – Arabic, accessed January 16, 2026, https://arabic.news.cn/20230715/c5d296cda3a44483bdc61186b726290d/c.html
* Egypt’s push to restore Sudan’s AU seat fails to gain traction, sources say, accessed January 16, 2026, https://sudantribune.com/article/303575
* The AU prepares to wield the stick with more rigorous sanctions | ISS Africa, accessed January 16, 2026, https://issafrica.org/iss-today/the-au-prepares-to-wield-the-stick-with-more-rigorous-sanctions
* Egypt hosts 5th meeting to boost peace efforts in Sudan, accessed January 16, 2026, https://egyptian-gazette.com/egypt/egypt-hosts-5th-meeting-to-boost-peace-efforts-in-sudan/
* Egypt: Sudan crisis requires int’l efforts to end bloodshed – Politics – 14/01/2026, accessed January 16, 2026, https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=3270427&language=en
* Discussions to end Sudan war resume in Cairo as it nears the 3-year mark, accessed January 16, 2026, https://lasvegassun.com/news/2026/jan/14/discussions-to-end-sudan-war-resume-in-cairo-as-it/
* Egypt stresses ‘red lines’ on Sudan at fifth consultative meeting in Cairo, accessed January 16, 2026, https://www.egypttoday.com/Article/1/144488/Egypt-stresses-%E2%80%98red-lines%E2%80%99-on-Sudan-at-fifth-consultative-meeting
* Sudan’s al-Burhan visits Egypt as deadly violence rocks Darfur | Daily Sabah, accessed January 16, 2026, https://www.dailysabah.com/world/africa/sudans-al-burhan-visits-egypt-as-deadly-violence-rocks-darfur
* Sudan army chief visits Egypt on 1st trip since conflict – Anadolu, accessed January 16, 2026, https://www.aa.com.tr/en/africa/sudan-army-chief-visits-egypt-on-1st-trip-since-conflict/2978351
* Sudan junta leader in Egypt on ‘first foreign trip since war began’, accessed January 16, 2026, https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/sudan-junta-leader-in-egypt-on-first-foreign-trip-since-war-began
* Inside Burhan’s quest for international legitimacy in Sudan – The New Arab, accessed January 16, 2026, https://www.newarab.com/analysis/inside-burhans-quest-international-legitimacy-sudan
* FM arrives to Port Sudan, accessed January 16, 2026, https://sis.gov.eg/en/media-center/news/fm-visit-to-port-sudan/
* Egypt reiterates call for Sudanese unity ahead of Cairo peace talks, accessed January 16, 2026, https://www.dailynewsegypt.com/2026/01/13/egypt-reiterates-call-for-sudanese-unity-ahead-of-cairo-peace-talks/
* Intelligence chief affirms Egypt support to Sudan in meeting with al-Burhan – Foreign Affairs, accessed January 16, 2026, https://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/1234/530614/Egypt/Foreign-Affairs/Intelligence-chief-affirms-Egypt-support-to-Sudan-.aspx
* Egypt’s General Intelligence Service Chief Hassan Rashad Meets Sudan’s Al-Burhan, accessed January 16, 2026, https://africa.dailynewsegypt.com/egypts-general-intelligence-service-chief-hassan-rashad-meets-sudans-al-burhan-in-port-sudan/
* Egypt intelligence chief meets Sudan sovereign council head in Port Sudan – Foreign Affairs, accessed January 16, 2026, https://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/1234/544227/Egypt/Foreign-Affairs/Egypt-intelligence-chief-meets-Sudan-sovereign-cou.aspx
* The falcons and the secretary bird: Arab Gulf states in Sudan’s war – European Council on Foreign Relations, accessed January 16, 2026, https://ecfr.eu/publication/the-falcons-and-the-secretary-bird-arab-gulf-states-in-sudans-war/
* MS866 (MSR866) Egypt Air Flight Tracking and History 04-Jan-2025 (PZU / HSPN-CAI / HECA) – FlightAware, accessed January 16, 2026, https://www.flightaware.com/live/flight/MSR866/history/20250104/0640Z/HSPN/HECA
* MS866 (MSR866) Egypt Air Flight Tracking and History 03-Apr-2025 (PZU / HSPN-CAI / HECA) – FlightAware, accessed January 16, 2026, https://www.flightaware.com/live/flight/MSR866/history/20250403/0105Z/HSPN/HECA
* The RSF reveals compelling evidence of Egypt’s direct involvement in the war, accessed January 16, 2026, https://rapidsupportforce.com/en/news-details/evidence-of-Egypt
* Sudan Nashra: Egypt invokes joint defense agreement with Sudan, RSF sources: Watching with caution | Idris in New York to bolster his domestic standing | RSF, South Sudan’s forces clash in Heglig | RSF, SPLM-N step up indiscriminate attacks in South Kord, accessed January 16, 2026, https://www.madamasr.com/en/2025/12/23/news/u/sudan-nashra-egypt-invokes-joint-defense-agreement-with-sudan-rsf-sources-watching-with-caution-idris-in-new-york-to-bolster-his-domestic-standing-rsf-south-sudans-forces-clash-in-heg/
* How Sudan’s shifting battlefield will test Egypt’s ‘red lines’, accessed January 16, 2026, https://www.newarab.com/analysis/how-sudans-shifting-battlefield-will-test-egypts-red-lines
* Discussions to end Sudan war resume in Cairo as it nears the 3-year mark, accessed January 16, 2026, https://apnews.com/article/sudan-peace-talks-cairo-rsf-darfur-army-777a15f219b445613d4cd265da4e2dee
* For several months, Egypt has launched discreet numerous airstrikes against convoys of Emirati weapons destined for the Rapid Support Forces (RSF) in Libya and Sudan. Egyptian aircraft and drones were reportedly involved in June, October, and November 2025, as well as on January 9 2026, to strike these convoys between Kufrah airbase and Darfur,, accessed January 16, 2026, https://sudan.liveuamap.com/en/2026/14-january-14-for-several-months-egypt–has-launched-discreet
* Arqeen International Port, accessed January 16, 2026, https://www.presidency.eg/en/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D8%B1%D9%82%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/
* Egyptian firms to get priority in Sudan infrastructure reconstruction per new agreement, accessed January 16, 2026, https://english.ahram.org.eg/News/559585.aspx
* Egypt, US agree on need to de-escalate regional tensions, seek political solutions, accessed January 16, 2026, https://www.egypttoday.com/Article/1/144482/Egypt-US-agree-on-need-to-de-escalate-regional-tensions
* Egypt and US discuss strife-torn Sudan, accessed January 16, 2026, https://apanews.net/egypt-and-us-discuss-strife-torn-sudan/

Egypt and Turkey coordinate positions on Gaza ceasefire, Sudan crisis and Somalia, accessed January 16, 2026, https://www.middleeastmonitor.com/20260114-egypt-and-turkey-coordinate-positions-on-gaza-ceasefire-sudan-crisis-and-somalia/

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا