استبعد المفكر الروسي ألكسندر نازاروف أن تقوم واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية قريبة لإيران، مؤكّدًا أن هذا الأمر لن يحدث إلا في الخريف المقبل، وقبيل “انتخابات التجديد النصفي”، التي تعول عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب كثيرًا، خاصة أنها تشمل جميع مقاعد مجلس النواب، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، وثلثي حكام الولايات الأمريكية.
وكان ترامب قد هدد باللجوء إلى العمل العسكري ضد إيران في حال قيام السلطات باستهداف المتظاهرين، كما دعا المحتجين إلى الاستيلاء على المؤسسات الرسمية، مؤكّدًا أن “المساعدة قادمة” من واشنطن، في وقت تتحدث فيه وسائل الإعلام عن تحريك بوارج حربية أمريكية إلى المنطقة وإخلاء بعض القواعد العسكرية في الدول المحيطة بإيران.
وقال نازاروف في حوار خاص مع “القدس العربي”: “لقد حان وقت إيران، بمعنى أن إيران هي من بين أهم أهداف ترامب ونتنياهو هذا العام. ولكني أستبعد أن تشنّ واشنطن وتل أبيب ضربات عسكرية ضد إيران في الساعات أو الأيام أو حتى الأسابيع المقبلة، لأن التداعيات السلبية، بما في ذلك الرد الإيراني المحتمل، ستصل إلى ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس”.
وأوضح: “من المنطقي أن يؤجل ترامب هذه التداعيات إلى ما بعد الانتخابات. علاوة على ذلك، إذا أصبح احتمال هزيمة الجمهوريين واضحًا، وما يتبعه من عزل محتمل لترامب، فإنه قد يستخدم حربًا شاملة مع إيران لفرض الأحكام العرفية وإلغاء الانتخابات”.
لكن نازاروف تحدث أيضًا عن مكاسب انتخابية محتملة لإدارة ترامب من ضرب إيران، تتمثل في قيام طهران بإغلاق مضيق هرمز، وبالتالي حرمان الصين من النفط الإيراني والعربي.
توجيه ضربة لإيران قبل الانتخابات الأمريكية مستبعد ما لم تطرأ تطورات غير متوقعة كانهيار سوق الأسهم أو اندلاع حرب في أوروبا
وأضاف: “بناءً على ذلك، ما زلت أتوقع ضربة أمريكية إسرائيلية لإيران، لكنها لن تكون الآن، بل في خريف هذا العام، أي قبل الانتخابات الأمريكية، ما لم تطرأ تطورات غير متوقعة، مثل انهيار سوق الأسهم أو اندلاع حرب في أوروبا، تغير مجرى الأحداث. لا يمكن استبعاد المفاجآت، لكن السيناريو الرئيسي هو ما ذكرتُه سابقًا: لا استهداف قريب لإيران”.
كما شكك نازاروف في أن تؤدي الاحتجاجات الحالية إلى سقوط النظام الإيراني، “إلا إذا أبدى الرئيس مسعود بزشكيان ضعفًا، وبدأ، بدلًا من قمع المتمردين، بالتقرب من الغرب، كما فعل الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش عام 2014، عشية الإطاحة به. ستتلاشى الاحتجاجات، ولا أرى كيف يمكن لضربات أمريكية أو إسرائيلية محتملة أن تُجددها أو تزيد من حدتها”.
واستدرك قائلاً: “لا أعتقد أن نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في إيران سيقتصر على تغيير النظام، ومن المرجح أن تذهب إسرائيل إلى أبعد من ذلك، فتقوم بتقسيم إيران على أسس عرقية لإقصاء خصم قوي بشكل نهائي من المنطقة التي تبني فيها إسرائيل إمبراطوريتها. وستشتعل الحرب لفترة طويلة داخل هذه الكيانات الصغيرة الجديدة، كما هو الحال في سوريا. لذلك لا أرى أن دور الشاه سيكون ذا أهمية كبيرة، ولا أعلم إن كانت إيران قادرة على الصمود في حرب مستقبلية”.
هيستيريا ترامب
اعتبر نازاروف أن “الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، وكل ما تلاه من أحداث، بما في ذلك عودة قضية غرينلاند إلى الواجهة، والاستيلاء على ناقلة النفط الروسية ‘بيلا1/مارينيرا’، وحتى إعلان ترامب زيادة الميزانية العسكرية إلى 1.5 تريليون دولار، كل ذلك ليس أكثر من هيستيريا ترامب، التي أشعلتها محاولاته الفاشلة لتحقيق أي شيء ضمن النظام العالمي القديم الذي تقوده الولايات المتحدة. وتتجلى هذه الهيستيريا في الانتكاسات والتصرفات غير المدروسة التي تحمل نتائج غير متوقعة”.
وأكد أن النموذج الاقتصادي الراهن “لم يعد قادرًا على دعم الولايات المتحدة لمواصلة دورها السابق في قيادة العالم، حيث بلغ عجز الميزانية الأمريكية للسنة المالية 2025 نحو 1.8 تريليون دولار، أي أكثر من ثلث إيرادات الحكومة، بمعنى أن الولايات المتحدة مفلسة بشكل دائم. وعلى الرغم من خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، فإن تكلفة الاقتراض الأمريكي الجديد لا تنخفض، ما يدل على ابتعاد المستثمرين عن الولايات المتحدة. وهذا انهيار تدريجي للنموذج الاقتصادي وفقدان الولايات المتحدة قدرتها على تمويل إنفاقها من خلال الاقتراض الجديد. وليس من قبيل الصدفة أن استأنف الاحتياطي الفيدرالي سياسة التيسير الكمي، وبدأ منذ بداية ديسمبر/كانون الأول بطباعة أكثر من 100 مليار دولار غير مضمونة”.
اختطاف ناقلات النفط هو حلقة في مسلسل تحول الولايات المتحدة إلى نموذج اقتصادي قائم على القرصنة والسرقة الصريحة
وأضاف نازاروف: “اختطاف ناقلات النفط والقرصنة البحرية عمومًا حلقة في مسلسل تحول الولايات المتحدة إلى نموذج اقتصادي قائم على القرصنة والسرقة الصريحة، ويتجلى هذا التحول في تعريفات ترامب الجمركية. إنه نموذج أكثر بدائية، يفترض غياب المنفعة المتبادلة وخسائر اقتصادية هائلة لكل من يتفاعل اقتصاديًا مع الولايات المتحدة. من الواضح أن نموذج القرصنة هذا ليس سوى انتحار للولايات المتحدة كقوة مهيمنة، وهو خطوة متسرعة ويائسة، وكذلك خطوة شعبوية سطحية تكشف عن ترامب كرجل استعراض Showman غير كفؤ، لا يهمه سوى المؤثرات التلفزيونية البراقة”.
وأشار إلى أن روسيا تمتلك “أسطولًا خفيًا” يضم المئات من ناقلات النفط، ولن يؤثر فقدان عشرات الناقلات على التجارة الخارجية لروسيا، وبخصوص المشاعر المثارة حول ناقلة “مارينيرا”، فبوتين لا تحركه العواطف ولن تؤثر هذه الحادثة أو غيرها على سياسات موسكو.
وتابع: “ترامب لا يكترث بالعواقب طويلة الأمد، وهي قادمة لا محالة، حيث ستفقد الولايات المتحدة قدرتها على استغلال العالم لعقود. ومن المرجح أن تصبح اقتصادات الدول التي وقعت ضحية لترامب غير مستقرة، وربما تنهار تمامًا. وإذا استمرت الديكتاتورية الاقتصادية الأمريكية والنهب على مستواهما الحالي، فستتحول فنزويلا إلى صومال جديدة”.
الزمن الأمريكي وأمريكا اللاتينية
أظهر استطلاع أجرته إحدى مؤسسات سبر الآراء وشمل سبع دول في أمريكا اللاتينية أن أغلب مواطني هذه الدول يؤيدون اعتقال مادورو، وتزامن ذلك مع تغير لهجة بعض قادة المنطقة تجاه واشنطن، ما دفع المراقبين للحديث عن احتمال دخول أميركا اللاتينية في “الزمن الأمريكي”.
لكن نازاروف اعتبر أن محاولة الولايات المتحدة إحياء “مبدأ مونرو” للسيطرة على دول أمريكا اللاتينية ونهب ثرواتها سيؤدي إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية وحدوث اضطرابات في هذه الدول، وخاصة الفقيرة منها، ويؤثر سلبًا على الولايات المتحدة: “بدلاً من السيطرة والربح، ستتسبب الولايات المتحدة بحريق في أمريكا اللاتينية وملايين المهاجرين غير الشرعيين الجدد”.
وأضاف: “أمريكا اللاتينية فقيرة وغير مستقرة، يعاني سكانها من الانقسام والتطرف، حيث يميل معظمهم إلى أقصى اليسار وأقصى اليمين. الآن، بعد فشل التجارب الاشتراكية، يميل الوضع عمومًا نحو اليمين، وهو ما يفسر نتائج استطلاعات الرأي في بعض دول المنطقة، التي تُظهر نسب تأييد عالية لاختطاف الرئيس مادورو. ومع ذلك، من المرجح أن تعزز تصرفات ترامب التوجهات اليسارية مستقبلًا”.
واعتبر أن “الحظر التجاري الأمريكي المفروض على الصين وإجبار دول الجنوب العالمي على المشاركة فيه بند رئيسي على جدول الأعمال العالمي. وينطبق كل ما ذكر حول الأثر الاقتصادي للتعريفات الجمركية على المشاركة في الحرب التجارية ضد الصين، فالدول التي تستسلم لضغوط واشنطن وترفض البضائع الصينية ستواجه صدمة اقتصادية، تضخمًا حادًا، اضطرابات اجتماعية، وتكاليف سياسية، بل وقد ينهار بعضها”.
خيار روسيا والصين
كما اعتبر نازاروف أن خيار انتصار الولايات المتحدة في الحرب ضد روسيا والصين غير مطروح: “لا يمكن العودة إلى عالم تهيمن فيه الولايات المتحدة، لأنها واقتصادها لم يعودا متوافقين مع النموذج السابق. وليس أمامها سوى تبسيط النظام العالمي، من التعاون إلى القرصنة. وهذا مسار تاريخي حتمي، وترامب ليس إلا واجهة له. الخيار واضح: إما انتصار روسيا والصين، أو تدمير الولايات المتحدة للكوكب”.
لن تتمكن الولايات المتحدة من كسب ولاء دول الجنوب العالمي. وستنضم هذه الدول إلى معسكر روسيا والصين عند أول فرصة
وتابع: “هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على كسب ولاء دول الجنوب العالمي، بل ستخرب هذه الدول جهود ترامب علنًا أو سرًا، وستنضم إلى معسكر روسيا والصين عند أول فرصة. وفي الواقع، نشعر في روسيا بالفعل بدعم هذه الدول”.
وعلق على نظريات المؤامرة حول صفقة بين بوتين وترامب لمبادلة فنزويلا بأوكرانيا بقوله: “هذا هراء، وأعتبرها دعاية غربية، لكنها للأسف تجد صدى لدى من يميلون لتصديق نظريات المؤامرة”.
حرب عض الأصابع والأمم المتحدة
أكد نازاروف أن هناك حربًا عالمية حالية على شكل استنزاف أو “حرب عض الأصابع”: “إذا حسمت النتيجة الآن، سيكون الفائز من يصمد لأطول فترة. هيستيريا ترامب تشير إلى أن الولايات المتحدة تخسر هذه الحرب وتُجبر على التصعيد. لطالما سعت أمريكا وبريطانيا لمواجهة مباشرة مع روسيا في البحر عبر أوكرانيا، بهدف استغلال تفوق أسطول ‘الناتو’ وفرض حصار بحري على روسيا”.
من ينتصر في الحرب العالمية الحالية سيشكل مجلس أمن جديد تنمو حوله منظمة أممية مختلفة
وأضاف: “تحاول روسيا تأجيل المواجهة المباشرة مع الناتو قدر الإمكان، لأنه نظرًا لقدراتها المحدودة، فإن الرد الروسي إما أن يكون نوويًا فورًا أو يتحول سريعًا إلى نووي”.
ورأى أن دور الأمم المتحدة انتهى منذ زمن: “إذا نظرنا إليها بواقعية، فهي آلية لحل التناقضات بين القوى العظمى، ولم تُنشأ لحماية الدول الصغيرة”.
الشرق الأوسط وإسرائيل
أبدى نازاروف إعجابه بمرونة الرئيس السوري أحمد الشرع وبراغماتيته، معتبرًا أن إبقاء القواعد الروسية خطوة ذكية توسع هامش المناورة، بما في ذلك التعامل مع إسرائيل وتركيا، لكنّه أبدى تشككه حول حدود الدولة السنية الجديدة في سوريا.
وأضاف أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل “إجراء منطقي لتحقيق الاستقرار، إذا سمحت الظروف بتطور سوريا سلمياً، وهو أمر غير محتمل”.
وحول نجاح مساعي ترامب لتغيير حدود إسرائيل، قال نازاروف: “الاقتصاد الإسرائيلي غير مكتف ذاتيًا، وستفقد البلاد مكانتها الاقتصادية خلال انهيار النظام الاقتصادي الغربي، ما يدفع إسرائيل لبناء إمبراطورية على حساب جيرانها، بما في ذلك السعودية ومصر وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وربما العراق”.
واعتبر أن “حربًا عربية إسرائيلية كبرى جديدة أمر لا مفر منه، شرط أن تحافظ الدول العربية على الحكم والقوة العسكرية أثناء انهيار النظام الاقتصادي العالمي”. وأضاف أن الحرب الصينية الأمريكية، التي تتمثل مرحلتها الأولى في منع وصول الصين إلى النفط الفنزويلي، والثانية في النفط الإيراني، والثالثة في نفط الخليج، ستؤثر على الخليج وقناة السويس، وبالتالي على غزة.
في العالم الجديد لن تتمكن إسرائيل من الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي وستكون الغلبة للعرب في الحرب المقبلة
وأوضح: “بناءً على ذلك، قد تُنسى المنطقة السياحية في غزة لمدة 10 إلى 20 عامًا، وقد يتم ترحيل الفلسطينيين، إذ سيكون لدى إسرائيل الوقت الكافي لذلك”. وأضاف: “عموماً، ما زلت متشككًا بشأن آفاق إسرائيل. في العالم الجديد، لن تتمكن إسرائيل من الحفاظ على مستواها الاقتصادي والتكنولوجي الحالي، وبالتالي ستخسر تفوقها العسكري والتكنولوجي على جيرانها العرب. وفي حرب ذات مستويات تكنولوجية متدنية، يعد عدد الجنود عاملًا حاسمًا، ولدى العرب تفوق واضح في هذا المجال”
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة