يشهد السودان صراعاً محتدماً بين السعودية والامارات. إذ بدأت باكستان والسعودية محادثات رسمية لتحويل قرض سعودي بقيمة 2 مليار دولار إلى صفقة لشراء مقاتلات JF-17، للجيش السوداني فيما تتحدث مصادر صحفية عن ضربات جوية مجهولة لقوافل إمدادات عسكرية كانت في طريقها للدعم السريع.. فماذا يحدث خلف الكواليس؟
يرى د. أمية يوسف أن التدخل العسكري السعودي في الشأن السوداني جاء متأخراً جداً، حيث كانت الجهود السعودية في السابق تنحصر في الجانب الدبلوماسي ودعم مفاوضات السلام. ويعزو هذا التحول إلى إدراك السعودية المتأخر للدور الإماراتي في دعم التمرد في السودان منذ عام 2023.
ويضيف د. أمية أن السياسة السعودية السابقة أدت إلى تقزيم دورها في المنطقة لحساب الدور الإماراتي الذي أصبح ممتداً ومحاصراً للقرن الأفريقي في الصومال وجيبوتي وإثيوبيا ودول جوار السودان جميعاً، بالإضافة إلى ليبيا وتونس. ويعتقد أن الموقف السعودي تغير تماماً، وأن المملكة ستلعب الآن دوراً إيجابياً وأكثر قوة وحزماً، بما يتناسب مع مكانتها وقوتها التاريخية في المنطقة.
من جانبه، يرى د. محمد تورشين أن التحرك السعودي هو إعلان عن إعادة النظر في توجهاتها الخارجية، خاصة في القضايا التي لها انعكاسات مباشرة على أمنها القومي. ويعتقد أن السعودية أدركت مؤخراً أن توجهها السابق، الذي كان يعتمد على القوة الناعمة والتعامل مع الحكومات الرسمية مع تجاهل تام للفاعلين غير الرسميين، يشكل عبئاً عليها في ظل وجود الإمارات التي تتعامل مع الفاعلين غير الرسميين.
ويشير إلى أن السعودية تعتقد الآن أنها في إطار حلف غير معلن لمعالجة الكثير من الإشكاليات، سواء في السودان أو في اليمن أو حتى في الصومال، وذلك بهدف محاصرة النفوذ الإماراتي والحد منه.
يعتقد د. محمد تورشين أن مصر تدرك تماماً أن السودان يمثل عمقها الاستراتيجي، وأن التهديدات القادمة من السودان تكاد تهدد وجود الدولة المصرية.
ويرى تورشين أن التحذيرات المصرية وإعلان “الخطوط الحمراء” يعني أن القاهرة قد دخلت بكل ثقلها في هذه المعركة، خاصة وأن استمرار الحرب في السودان له تداعيات خطيرة على الأمن القومي المصري، بما في ذلك قضايا اللجوء والهجرة، وانتشار الجماعات المتطرفة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
ويضيف أن هذه العوامل هي التي جعلت القوى الإقليمية، بما فيها مصر، تفكر بجدية في الانخراط بشكل فاعل وديناميكي في مسار الحرب في السودان حتى يتم السيطرة عليها.
يؤكد د. أمية يوسف أن صفقة الأسلحة الباكستانية، التي يُعتقد أنها بتمويل سعودي، ستوفر للجيش السوداني أسلحة نوعية يفتقر إليها، مثل الطائرات الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي، لمواجهة التفوق النسبي لقوات الدعم السريع. ويشير إلى أن هذا التطور النوعي في الدعم العسكري قد يغير موازين القوى على الأرض ويؤثر على مسار الحرب.
ويوضح أن قوات الدعم السريع استخدمت تقنيات حديثة في التشويش، مما حد من فعالية الطيران السوداني والقصف المدفعي، وبالتالي فإن الجيش السوداني بحاجة إلى صفقات تسليح متطورة وحديثة حتى يجاري القدرات والإمكانيات التي يتمتع بها الدعم السريع.
من جهته، يؤكد د. محمد تورشين أن الصراع في السودان ليس صراعاً سودانياً خالصاً، بل هو صراع له أطراف خارجية لها مصالح في استمراره. ويشير إلى أن هذه المصالح تتمثل في الموقع الجيواستراتيجي والثروات والموارد التي يمتلكها السودان.
ويعتقد أن هذه العوامل هي التي جعلت القاهرة تتقارب بشكل أكبر وأكثر فاعلية وجدية في مسارات الحرب في السودان، وكذلك الأطراف الأخرى مثل المملكة العربية السعودية.
يرى د. أمية يوسف أن الإمارات لديها ما يكفيها من الضغوط حالياً في الملف اليمني، وهو ملف شديد التعقيد والتشابك. ويعتقد أن دخول السعودية بثقلها في الملف السوداني سيزيد من الضغوط على الإمارات.
ويتوقع أن تزيد الإمارات من دعمها لقوات الدعم السريع على المدى القصير، باعتبار أن هذا جزء من استراتيجية إماراتية لزعزعة استقرار المنطقة وتقسيمها والسيطرة على أجزاء منها. ولكنه يتوقع على المدى البعيد، وفي ظل الضغوط السعودية والأمريكية المباشرة، أن ترضخ الإمارات لهذا الضغط وتغلق هذا الملف تماماً.
وتتفق آراء الخبيرين على أن المشهد السوداني اليوم يعكس تعقيدات جيوسياسية عميقة، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والدولية لتشكل مسار الصراع. التحولات في مواقف القوى الإقليمية، لا سيما السعودية ومصر، تشير إلى مرحلة جديدة قد تشهد تصعيداً أو محاولات أكثر جدية لفرض حلول. ويبقى السؤال حول مدى قدرة هذه التدخلات على تحقيق الاستقرار في السودان، أم أنها ستزيد من تعقيد الأزمة وتطيل أمد المعاناة الإنسانية.
المصدر: DW
المصدر:
الراكوبة