*شجن صلاح مبارك
مشهد اول :
في حي من أحياء عطبرة ، تجلس ( سرور ) يوميا بطبق (الكسرة)، تحت ظل الحرب…. ( سرور ) كانت مهندسة في احدي الشركات بالخرطوم ، فصارت الآن بائعة (للكسرة) …….. فأصبحت (الكسرة) مصدر رزق لها وأسرتها بعد أن سقط كل شيء.
مشهد تأني :
(روضة ) ابنها أحمد ذو الستة عشر ربيعا يقود (ركشة) اشترتها بكل ما تملك بعد رحله متعبة لنزوحات عدة قسرا وبلا إرادة…. كانت (روضة ) محامية ….نزحت وأصبحت صانعة خبز وحلويات وكان ابنها احمد يقود تلك (الركشة) لتوصيل الطلبات … …فكانت الركشة ليست فقط وسيلة نقل، بل رمز للبقاء
مشهد آخر:
تذهب ( سحر) نحو بئر الحي في كل صباح ملئ برائحة التعب، تذهب صوب البئر كعادتها، جردل على رأسها، وخطى حفظها تراب الطريق…..ثم تعود لتوقد نار الحطب، تطبخ، تغسل، تربي، تعلم، … دون راتب، دون تأمين ودون اعتراف.
فكانت البئر ليست سقيا فقط، بل لتبقي الحياة ممكنة….
بئر الحي تشهد…
فتكلمت يوما …..
قالت بصوت الماء
أنا بئر الحي، واشهد إن النساء “شالن الوطن، جردل جردل”
كل صباحٍ تأتي…
تسكب فيني وجعها، وتستقي صبرها.
رأيتها يوما وقد جفت الدموع من عينيها، ولكن لن تجف مني يوما ما ولو قطرة واحدة …..اقسم ، هذا وعدي وانا شاهدة، على امرأةٍ تقاوم الحياة بالماء….
من داخل غرفة صغيرة كانت مأوي وملاذا وستر بعد النزوح ردت نار الحطب من موقد الطين في ركن ما بتلك الغرفة محفظة الاسرار والمعاناة ودموع الليل ….
قالت البئر وبحزن:
الم يأتِ مسؤول ليسأل !!!!؟…
قالت النار، لو أتوا ل عرفوا…
أن النساء هن من أبقين هذا الوطن حيا ولكن، هل سيرفعون رؤوسهم خجلا…. !!!!!
قالت البئر (سحر) لم تكن تطلب التقدير… لكن التاريخ سيذكرها حين ينسى أسماء المسؤولين…..
اتفقت بئر الحي ونار الحطب … بأن سحر … تلك المرأة التي تنسج الحياة في صمت، وتحمل علي كتفيها ما لا يحتمل.
صمتت البئر…
وأضاءت النار.
لم تكن (سحر) تعرف أن اثنتين من عناصر الحياة تتآمران ولكن على تمجيدها…..
نقطة جديدة :
ومن هنا نبدأ : الحرب قلبت حياتنا، لكن ما ولن تكسرنا، هكذا قالن (سرور و روضة و سحر )…
شهادة اخري:
تحوّلت مهاراتهن المنزلية إلى اقتصاد (مقاوم).
وهكذا من رحم الأزمة تولد بدائل تماما كما رحمهن يبعث البقاء.
الحلم حقيقة :
رأت في المنام ( سرور و روضة وسحر ) وبئر الحي ونار الحطب حضور وكأنهن يحملن لافتة..ويهتفن
#نساء_صامدات
#اقتصاد_الظل
#اقتصاد _ المقاومة .
#نساء_السودان_يبنين_الوطن
الحدث: –
كانت موظفة في شركة …..كانت محامية .. كانت ربة منزل لا تعمل ؟!!!!
لا، فهي في الحقيقة تعمل . –
بعد الحرب، فقدن عملهن. –
بدأن بصنع الكسرة وبيعها في الطريق…..صنع الخبز والحلوي …. جلب الماء (صنع البقاء)
حقيقة :
قصة ( سرور و روضة وسحر ) نموذجا .
في سياق اقتصاد (الظل) الذي نما في ظل الحرب تبرز تجارب فردية لنساء حولن منازلهن إلى فضاءات إنتاجية مثلت نموذجا لاقتصاد (المقاومة) الذي تقوده النساء. مقاومة : اقتصاد الظل: نساء في قلب البقاء والمقاومة الاقتصادية أثناء الحرب: في ظل انهيار الدولة وتوقف الدورة الاقتصادية الرسمية بسبب الحرب، لعبت النساء دورا محوريا في استمرار الحياة الاقتصادية من خلال ما يعرف باقتصاد الظل … الاقتصاد غير الرسمي وغير المسجل في الأنظمة الحكومية. رغم أنه غالبا ما يهمش في السياسات إلا أنه كان العمود الفقري للبقاء علي قيد الحياة.
ما هو اقتصاد الظل؟
تعريف :
هو مجموع الأنشطة الاقتصادية التي تمارس خارج نطاق التنظيم الرسمي، وتشمل: – التجارة الصغيرة (بيع الطعام، الملابس، الفحم، الخضروات …الخ) – الحرف المنزلية (الصابون، الخبز، صناعة الأطعمة و المشغولات اليدوية …الخ)
– أعمال الرعاية غير المدفوعة (الطبخ، الغسيل، جمع المياه، رعاية الأطفال والمسنين)
– التعليم غير النظامي، التطبيب الشعبي، شبكات الدعم المجتمعي
– العمالة المؤقتة غير المسجلة، والأعمال الموسمية
عليه اقتصاد الظل يشمل كل الأنشطة الاقتصادية التي لا تسجل في النظام الرسمي،
دور النساء في اقتصاد الظل أثناء الحرب:
– الإعالة والبقاء , نساء كثيرات أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن بسبب الحرب أو النزوح. – تنشيط الأسواق الشعبية من خلال بيع المنتجات الغذائية والمشغولات، وإعادة تدوير المواد.
– الخدمات المجتمعية، تقديم الرعاية، التمريض الشعبي، التعليم غير الرسمي، الدعم النفسي, النصح القانوني .
– الابتكار في الأزمات , إنشاء مطابخ مجتمعية وتقنين الموارد و تبادل الخدمات داخل المجتمعات.
– التحايل على الانهيار النقدي، عبر أنظمة المقايضة والدفع المؤجل. تحديات واجهت النساء في اقتصاد (الظل ):
– غياب الحماية القانونية والاجتماعية. – الاستغلال والتحرش في بيئات العمل غير الرسمية.
– انعدام الاعتراف الرسمي بمساهمتهن.
إذا دور النساء في البقاء وإعادة تشكيل الاقتصاد أثناء الحرب في السودان حين تفككت مؤسسات الدولة وتوقفت عجلة الاقتصاد الرسمي وسط هذا الانهيار صعد دور النساء في الإبقاء على الحد الأدنى من مقومات الحياة عبر ما يعرف باقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي, هذا الدور النسائي غالبا ما يهمش في الأدبيات الاقتصادية والسياسات العامة، رغم أنه يشكل العمود الفقري للمجتمعات في أوقات النزاعات.
نقطة أخري :
أولاً:
القصة تجسد مقاومة, مساهمات النساء في اقتصاد الظل خلال الحرب والتحديات التي يواجهن، والدروس المستفادة من تجربتهن في الحفاظ على استقرار الحياة اليومية.
ثانيا:
لماذا يعد دور النساء محوريا في اقتصاد الظل؟
1. الهشاشة الاجتماعية: غياب المعيل الذكر أدي الي انهيار الاقتصاد الرسمي( مجتمع ذكوري بدرجة امتيار) وعليه معظم النساء تحملن أعباء الأسرة في حال غياب المعيل الذكر وفتحت المجال للبدائل الشعبية. ب .ولدت أشكالا من الاقتصاد المجتمعي
مثل:
– التبادل بدون نقود – المبادرات التعاونية النسائية
– الإنتاج لأجل التشارك وليس الربح فقط
زغرودة بصوت عالي:
إنه الاقتصاد المقاوم ،صنعنهن النساء.. نعود ل (سحر) من الرعاية إلى المقاومة ،….
.إعادة تعريف العمل والإنتاج:
تؤكد أن النساء لا يقدمن فقط رعاية وعمل منزلي واجب ، بل إنتاجا اقتصاديا حقيقيا يجب أن يُدرج في خطط التعافي الوطني.
وفقا للرؤية النسائية، فإن أعمال الرعاية (الطبخ، التنظيف، توفير الماء، رعاية الأطفال ووووو ) والتي تؤدى دون أجر، هي من أعمدة البقاء المجتمعي خاصة أثناء تلك الحرب.
لذا يجب الاعتراف بهذه الأعمال كـإنتاج اقتصادي ودعم النساء القائمات بها في خطط الإغاثة والتعافي.
وهكذا من بئر الحي إلى قلب السياسات: نحو اعتراف نسوي بالاقتصاد غير المرئي في قلب المجتمعات السودانية، خاصة في الأرياف ومناطق ما بعد النزاع، تقف النساء في الصفوف الأمامية للبقاء،
يدفعن بعجلة الحياة رغم الغياب التام لمؤسسات الدولة.
قصة
( سحر ) التي تحمل الماء من بئر الحي كل صباح، وتوقد نار الحطب كل مساء تجسد حقيقة الإقتصاد الخفي الذي تبنيه النساء كل يوم دون مقابل، وبدون اعتراف.
تحدي مقاوم :
– انعدام المواد الأولية (الماء الفحم ..الحطب.. الخ )
– عبء إعالة الأسرة. – الطريق …تعب المشاوير اليومية
– تركن حاجتهن للدعم النفسي والمساندة جانبا ( أعظم درجات التضحية).
وسائل المواجهة:
– استخدمت تربيزة لبيع الكسرة.
– صنعت الخبز والحلوي و الكيك, ابتاعت لابنها ركشة لتوصيل الطلبات.
– شبكة الزبائن تكونت من الجيران والنازحين.
– النضال من أجل البقاء بالماء والنار.
الدلالات:
التحول من العمل الرسمي إلى اقتصاد الظل واقتصاد المقاومة
– مساهمة غير مرئية في الأمن الغذائي المحلي.
– إعادة تعريف العمل والإنتاج من منظور نسوي.
اعتراف :
النساء كمؤسسات بديلة:
الاقتصاد الخفي:
العمل غير المدفوع ،جلب المياه، الرعاية، الطبخ، جمع الحطب، التربية ليست فقط (أعمال منزلية) هذه بنية تحتية خفية، اقتصاد كامل تنهض به النساء في صمت..
ما تقوم به النساء أثناء تلك الحرب اللعينة له دوره الكبير في دعم الأمن الغذائي والصحي رغم غياب الخدمات، لماذا لا يُحتسب في الناتج المحلي الإجمالي؟
تحية ووقفة اجلال :
النساء كن مؤسسات بديلة حين انهارت الدولة ، نجحن في ادارة الحياة اليومية ضرورة :
نطالب:
.1 الاعتراف الرسمي باقتصاد الظل كجزء من الاقتصاد الوطني في إحصاءات وخطط التعافي.
2. إدماج النساء العاملات في السياسات الاقتصادية وإشراكهن في اتخاذ القرار.
3. تمكين النساء قانونيا وماديا عبر تقديم القروض الصغيرة والدعم القانوني.
4. وضع برامج حماية اجتماعية خاصة بهن، تشمل التأمين الصحي، والرعاية بعد العمل.
5. تضمين الاقتصاد المنزلي والرعائي في المناهج الاقتصادية الوطنية.
نساء السودان لم ينتظرن مؤسسات الدولة لإنقاذ حياتهن بل قاومن الحرب بنسج اقتصاد بديل، حي، وفاعل. هذا الاقتصاد غير المرئي في الأرقام، يجب أن يعاد تعريفه و الاعتراف به، والاستثمار فيه كركيزة أساسية لأي تعافي اقتصادي مستقبلي.
يجب الاعتراف بتلك السياسات البديلة و ضرورة الاعتراف بالعمل غير المدفوع ضمن خطط التعافي الاقتصادي.
يجب ان تكون النساء على طاولة القرار الاقتصادي.
يجب إدراج العمل الرعائي في آليات العدالة الانتقالية والتنمية المجتمعية.
يجب إجراء مسوحات وطنية للعمل غير المدفوع.
يجب تضمين الاقتصاد النسوي في السياسات المالية والخطط التنموية.
يجب دعم مبادرات المجتمعات النسائية التي تبني نماذج اقتصادية بديلة. ما بعد الحرب :
– وضع ميزانيات للرعاية، والتعليم، والخدمات التي تقدمها النساء مجانا منذ عقود.
خاتمة :
– نقف مع كل ( سرور و روضة و سحر )… من دارفور وكردفان ، والجزيرة والنيل الأزرق والأبيض والشرق ، إلى كل أحياء العاصمة…الي كل ربوع الوطن الحبيب
لنقول: نحن الاقتصاد، ونحن الباقيات. وهكذا حين غابت الدولة… كبرت يد النساء.
مداميك
المصدر:
الراكوبة