ياسر قاسم
دخلت الحرب في السودان ألفيتها الثانية من الأيام، بعد أن طوى يوم الخميس 8 يناير 2026 ألفها الأول، ألف يوم من المآسي الإنسانية المتراكمة، وخلال هذه المسيرة الدامية، لم تعد الأرقام مجرّد إحصاءات باردة، بل تحوّلت إلى شهادة إدانة سياسية صريحة بحق السلطة القائمة وأطراف الصراع كافة، ألف يوم من العجز والتقاعس وتبديد المسؤولية، جرى فيها تحويل الدولة إلى ساحة حرب مفتوحة، ودُفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر، بلا أفق للحل، ولا إرادة حقيقية لوقف نزيف الدم أو إنقاذ ما تبقى من وطن.
قتلى بلا عد ودولة بلا مساءلة
تشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات دولية إلى أن أكثر من 150 ألف سوداني لقوا حتفهم منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، بينهم أعداد كبيرة من المدنيين، سقطوا بالقصف المباشر أو نتيجة الجوع والأمراض وانهيار الخدمات الأساسية.
وتؤكد هذه المنظمات أن العدد الحقيقي للضحايا مرشح لأن يكون أعلى بكثير، في ظل غياب أي جهاز رسمي فاعل للتوثيق، وانعدام الشفافية، وترك المواطنين لمصيرهم في مناطق القتال، دون حماية أو إسعاف أو حتى اعتراف رسمي بحجم الكارثة.
أكبر أزمة نزوح في العالم
أفرزت الحرب أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين 11 مليون شخص، فيما اضطر نحو 4 ملايين سوداني إلى الفرار خارج البلاد، في مشهد يعكس انهيار الدولة وفشل السلطة في أداء أبسط واجباتها الدستورية بحماية المواطنين.
ويعيش ملايين النازحين في أوضاع إنسانية قاسية، وسط شح الغذاء والمياه والخدمات، بينما تكتفي السلطة القائمة بالبيانات، دون سياسات إنقاذ حقيقية أو ممرات آمنة أو خطة وطنية للاستجابة.
الجوع كسلاح حرب
أدخلت الحرب السودان إلى دائرة أكبر أزمة جوع عالمياً، حيث يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ويعاني ما لا يقل عن 21 مليوناً من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وأكدت تقارير أممية تسجيل حالات مجاعة فعلية في أجزاء من دارفور، في وقت تحذر فيه المنظمات من اتساع رقعة المجاعة، نتيجة تعطيل الزراعة، ونهب المخزون الغذائي، وغياب أي إدارة اقتصادية مسؤولة، ما يجعل الجوع أداة غير معلنة في الصراع يدفع ثمنها المدنيون.
انهيار صحي متعمد بالإهمال
انهار القطاع الصحي بشكل شبه كامل، مع خروج غالبية المستشفيات عن الخدمة، وغياب الأدوية والكوادر، وانتشار الأمراض، وارتفاع معدلات، وفيات الأمهات، والأطفال.
وترى منظمات إنسانية أن هذا الانهيار لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب القرار السياسي، وتجاهل حماية المرافق الصحية، وتحويلها إلى أهداف أو ثكنات، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.
جيل يُدفن قبل أن يولد
دفعت الحرب أكثر من 17 مليون طفل سوداني خارج مقاعد الدراسة، في واحدة من أخطر نتائج الصراع على مستقبل البلاد، حيث تحولت المدارس إلى ملاجئ أو ساحات قتال، دون أي خطة رسمية لإنقاذ التعليم.
وتحذر تقارير دولية من أن السودان يقف على أعتاب جيل ضائع بالكامل، مهدد بالأمية، والتجنيد القسري، والاستغلال، في ظل غياب الدولة وانعدام أي رؤية للمستقبل.
النساء في مرمى الانتهاكات
تؤكد منظمات حقوقية أن ملايين النساء والفتيات يواجهن أخطار متزايدة من العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، خاصة في مناطق النزوح، وسط إفلات شبه كامل من العقاب، وغياب آليات الحماية والمساءلة.
مسؤولية سياسية لا تسقط بالتقادم
بعد ألف يوم من الحرب، لم يعد ممكناً الحديث عن «تعقيدات الصراع» أو «الظروف الاستثنائية» لتبرير ما يحدث، فاستمرار القتال، وغياب الحل السياسي، وانهيار مؤسسات الدولة، كلها قرارات سياسية أو نتائج مباشرة لها، ويجمع مراقبون على أن السلطة القائمة، وأطراف الحرب، تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الكارثة، بسبب:
الفشل في حماية المدنيين
تعطيل الحلول السياسية
إدارة الاقتصاد بمنطق الحرب
وترك موارد البلاد تُنهب بينما يموت المواطنون جوعاً ومرضاً
ألف يوم ولا نهاية في الأفق
وبنهاية ألف يوم من الحرب، يبدو السودان دولة منهكة، بلا مؤسسات، وبلا أفق سياسي، وبشعب يدفع ثمن صراع على السلطة لا علاقة له بمصالحه أو مستقبله، ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع لن يقود فقط إلى تعميق الكارثة الإنسانية، بل سيحوّل السودان إلى نقطة انهيار إقليمي، ما لم تتم محاسبة المسؤولين، وفرض مسار سياسي يضع حياة السودانيين فوق حسابات السلاح والسلطة.
البيان
المصدر:
الراكوبة