أكدت عدد من السودانيات النازحات من الفاشر بولاية شمال دارفور غرب البلاد، أنهن عشن معاناة كبيرة خلال رحلة نزوحهن من المدينة إلى مخيم “العفاض” في الولاية الشمالية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر.
تعد المرأة السودانية من أكثر الفئات التي طالتها آثار النزاع المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو نزاع يقترب من دخول عامه الثالث منذ اندلاعه في عام 2023. وقد واجهت النساء خلال هذه الفترة موجة واسعة من الانتهاكات، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع ما جعل معاناتهن إحدى أبرز مآسي هذا الصراع.
قامت وكالتنا بجولة في مخيم “العفاض” بمحلية الدبة في الولاية الشمالية، وهو مخيم يضم أعداداً كبيرة من النازحات القادمات من مدينة الفاشر. وخلال الزيارة، وثّقنا شهادات مؤلمة لنساء اضطررن إلى الفرار بحثاً عن الأمان بعد فترة حصار طويلة فرضتها قوات الدعم السريع على المدينة قبل أن تبسط سيطرتها عليها.
رحلة شاقة وطويلة
تروي (ن. ع)، وهي نازحة تجاوزت السبعين من عمرها وفضلت عدم الكشف عن هويتها، أن رحلتهم من الفاشر إلى المخيم كانت شاقة وطويلة، إذ نُقلوا في شاحنات إغاثة مخصصة لنقل المواد الإنسانية، موضحة أن قوات الدعم السريع أوقفتهم أثناء الطريق واستجوبتهم “سألونا عن الشباب، وقالوا لو كانوا معكم لما مرّ الأمر بسلام”.
ولفتت إلى أن رحلتهم استغرقت أكثر من ثلاثة أيام قبل أن يصلوا إلى المخيم، وأنها فقدت إحدى قريباتها في يوم النزوح بعد أن تعرضوا لقصف مدفعي مكثف.
ورصدت وكالتنا تزايداً ملحوظاً في أعداد الخيام التي تُنصب يومياً خلال الفترة الماضية، وفقاً لشهادات القاطنين في المخيم، وذلك مع استمرار تدفّق النازحين من الفاشر إلى مخيم “العفاض”، ويصل هؤلاء بعد رحلة مرهقة تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، وهي المسافة الفاصلة بين الفاشر والدبة، مما يستدعي نصب خيام جديدة كل يوم لاستيعاب الوافدين الجدد.
وقبل وصولهم إلى المخيم، يُستقبل النازحين في محطة المواصلات العامة المعروفة باسم “محطة مليط” حيث تجرى لهم إجراءات التسجيل والفحوصات الطبية، وتقدم لهم وجبات غذائية قبل أن يتم ترحيلهم بواسطة شاحنات إلى المخيم على دفعات.
“وصلنا لمخيم العفاض الذي نقطن فيه لأكثر من شهر بعد رحلة طويلة بدأت من الفاشر إلى مخيم زمزم ثم مدينة طويلة حيث عانينا كثيراً خلال تلك الفترة إلى أن استقر بنا الحال في مخيم العفاض”، هكذا تروي مستورة محمد عيسى الفتاة التي لم تكمل عامها العشرين قصتها وهي تغالب دموعها لعكس معاناتها بسبب النزاع الدائر في بلدها.
وتشير إلى أنها وأسرتها نزحوا سيراً على الأقدام لمدة ثلاثة أيام حتى الوصول إلى مخيم “العفاض” بحثاً عن الأمن والأمان.
ومنذ بداية النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع نزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بأن أكثر من سبعة آلاف شخص فروا من مدن أم برو وكرنوي في شمال دارفور خلال الأيام الماضية واللتين سيطرت عليهما قوات الدعم السريع.
السير على الأقدام لأيام
بدورها تقول مريم عبد الله إنها قبل الوصول إلى مخيم “العفاض” تعرضت للحصار وأسرتها من قبل الدعم السريع بمدينة الفاشر لمدة تجاوزت عشرة أشهر “الخوف من الانتهاكات وإطلاق النار دفعنا لمغادرة منزلنا وخرجنا سيراً على الأقدام لمدة يومين من أجل البحث عن وسيلة للوصول للوجهة المقبلة حيث وصلنا إلى مليط”.
وأوضحت أنها فقدت عدداً من أحبتها خلال تلك الفترة، شأنها شأن الكثير من الأسر، معربة عن أملها في عودتهم، مذكرة بأن قوات الدعم السريع كانت تمنعهم من مغادرة المدينة إلا في ساعات الليل، مما كان يعرض حياتهم للخطر.
وأشارت إلى أن بعض الأسر وصلت خلال 8 أو 12 يوماً، بينما استغرقت رحلتهم هم 28 يوماً حتى وصلوا إلى مدينة الدبة، مضيفة أنه مع اقتراب السيطرة على الفاشر واجهوا صعوبة شديدة في الحصول على الغذاء، مما اضطرهم إلى تناول “الأمباز”، وهو طعام مخصص للحيوانات.
وبينما تستمر موجات النزوح من الفاشر إلى مخيم “العفاض”، تبقى قصص النساء اللواتي التقتهن وكالتنا شاهداً حيّاً على حجم المأساة التي يعيشها المدنيون في شمال دارفور. فهذه الرحلات الشاقة، الممتدة مئات الكيلومترات والمثقلة بالخوف والفقدان، تكشف عمق الأزمة الإنسانية التي تتسع رقعتها يوماً بعد يوم. وفي ظل غياب أي مؤشرات على انفراج قريب، يظل النازحون في انتظار حماية حقيقية ودعم عاجل يخفف عنهم وطأة النزاع، بينما يواصلون التشبث بما تبقى لهم من أمل في عودة آمنة إلى ديارهم.
المصدر:
الراكوبة