آخر الأخبار

2026: "عام السلام … أم آخر فصول تفكيك السودان؟"

شارك

صالح عمار
بيد القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان قرار أن يكون العام (2026) عامًا للسلام والمصالحة الوطنية، أو أن يقضي على الفرصة الأهم المتاحة للسلام ويضع اسمه في قائمة التاريخ لكبار المساهمين في تفكيك السودان.
الحقيقة التي لا جدال حولها أنّ أطراف الحرب الأخرى، وأهمها الدعم السريع والحركة الإسلامية والقوات المشتركة، هم شركاء الفريق أول البرهان في جرائم الحرب وفظائعها. ولكن قرار قبول مبادرة السلام موضوع اليوم أمام أدراج مكتبه، وهو وحده من يملكه. فإذا قبل التوقيع سيدفع الكرة إلى ملعب الآخرين، وستكون حججه بأن الدعم السريع لا يلتزم بتنفيذ الاتفاقيات قابلة للنقاش، ولكن يبدأ كل شيء من لحظة توقيع الاتفاق وليس قبل ذلك.
إذا قبل البرهان مبادرة الرباعية للسلام، فيمكن أن يكون ذلك أول الطريق الطويل نحو السلام. أمّا إذا استمر في الرفض فستترتب عليه نتائج ستغيّر تاريخ السودان جذريًا. فواقع الحال يقول إن القوات المسلحة والدعم السريع وصلا إلى مرحلة من الإنهاك وليس بإمكانهم الاستمرار في القتال؛ فمن الذي سيقاتل إذًا؟
استنفدت أطراف الحرب كادرها البشري وإمكاناتها المادية، ومن سيستمر في القتال هي الميليشيات القبلية وميليشيات الحركة الاسلامية بقيادة علي كرتي، وهي أطراف تسعى لتحلّ بديلاً للقوات المسلحة. ليس بإمكان الجيش الاستمرار في جولة عنيفة من الحرب في المرحلة المقبلة، والأمر نفسه ينطبق على الدعم السريع. وقرار الاستمرار في الحرب معناه مزيد من الإضعاف والتفكيك لهذه القوى العسكرية وفتح المجال أمام قوى أخرى لتحلّ بديلاً، وقد شاهدنا هذا النموذج في دول أخرى.
وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، فإن استمرار الحرب الأهلية يعني مزيدًا من الكراهية والمرارات بين السودانيين، واستمرار التقسيم وتحوله إلى واقع، أي أننا سنمضي في طريق تكريس انقسام البلاد إلى شرق وغرب ومناطق نفوذ تتطور بمرور الوقت إلى دويلات. ناهيك عن استفحال المأساة الإنسانية التي تُعد اليوم أكبر كارثة عالمية، ونزوح الملايين عن مناطقهم ودفع الشباب والعقول للهجرة إلى الخارج… إلخ.
لكن الأهم في الإجابة على سؤال: من الذي سيقاتل؟ هو بلا شك الخارج.
لن تستطيع أطراف الحرب وكل الميليشيات الاستمرار في القتال دون تدخل ودعم خارجي مؤثر قد يصل حد إرسال قوات أجنبية بشكل علني. ولكن ما هو الدافع لأي دولة لدعم البرهان أو حميدتي؟ وما هو الثمن؟ بالطبع: أراضٍ زراعية، وموانئ، ومعادن، وقواعد.
المؤامرة على السودان هي الحرب وليس السلام. فالحرب تخلق الضغائن والكراهية بين المكونات الاجتماعية، وتنهك الجيوش النظامية وتفككها في نهاية الأمر، وتفتح الباب للتدخلات الخارجية. الحروب الأهلية هي التي تفتح الأبواب للتدخل الخارجي، وليس السلام الذي ينتهي بمصالحات وتوافقات تؤدي إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي، مما يقلل من تدخلات الخارج والحاجة إليها.
توفر مبادرة الرباعية اليوم مخرجًا آمنًا لأطراف الحرب ليكونوا شركاء في السلام بدل أن يستمروا في تخريب وتدمير بلادهم. وما يتوفر اليوم من فرص قد لا يتوفر لاحقًا.

*الشرق ينتفض… وصوت السلام يهزم طبول الحرب*
ارتفع صوت السلام شعبيًا خلال الآونة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، وبات الكثيرون على قناعة بخطاب “لا للحرب” الذي ابتدرته وقادته القوى المدنية ونجحت في إيصال صوته إلى الداخل والخارج حتى وصلنا إلى هذه المرحلة.
الخطابات التي أُلقيت في احتفالات حركة تحرير شرق السودان و الحركة الوطنية للعدالة والتنمية في ريفي كسلا وهمشكوريب كانت من أقوى الرسائل الإيجابية التي تصلح لأن نختم بها العام (2025) ونحن متسلّحين بالأمل وسط قسوة الظرف.
نتحفظ — مع كل وطني غيور — على التسليح و تكوين الجيوش غير النظامية، وموقفنا الثابت هو إنشاء جيش مهني يمثل كل السودانيين. وجاهرنا بذلك مع كل القوى المدنية منذ العام (2013)، وموقفنا كما هو استراتيجيًا. لكن الهجوم السافر الذي يشنه إعلام حركة علي كرتي والعنصريين منذ أيام ضد حركات الشرق المسلحة ووصفها بأنها ميليشيات تشكل خطرًا هي اتهامات “تصدر من الجهة الخطأ”. فقد نشأت هذه الحركات في إريتريا والشرق تحت بصر الأجهزة الأمنية. وحتى قبل أيام كانت الأجهزة وتنظيم علي كرتي حضورًا رفيعًا — رسميًا وميليشويًا وحزبيًا — في احتفال حركة تحرير شرق السودان. ولكن عندما صدح المتحدثون برفض الحرب والمطالبة بحقوق الشرق، انقلب كل شيء وصارت هذه الحركات في خانة المتمردين والقحاطة، وعدنا إلى وصف “الأجانب” كما حدث في 2019 حين صنعت السلطة الفتنة في الشرق.
قدمت حركات الشرق المسلحة خطابًا متقدمًا يعبر عن ضرورة المرحلة وأولوياتها، ولهذا وجد تجاوبًا منقطع النظير من أغلبية أهل الشرق وكل السودان. وتميّز خطاب السيد إبراهيم عبد الله دنيا في شمبوب وهمشكوريب بدرجة عالية من الوضوح والقوة في تأييد السلام ورفض الحرب ومناهضة تفكيك السودان. ولم تكن خطابات السادة محمد طاهر سليمان بيتاي، وشيبة ضرار، وموسى محمد احمد، وأوبشار، ومحمد صالح أكد، ومحمد صالح عابد، والعمدة حامد ابو زينب بعيدة عن هذا المعنى، مع تركيز أكبر على حقوق الشرق ومظالم أهله. وكما ان متحدث حزب التواصل محجوب حامد اداله لفت النظر بوضوح الى حضور القوى المدنية.
المهم أن هذه الخطابات أُلقيت أمام جماهير غفيرة وقوبلت بالهتاف والتأييد لحظة إلقائها ثم في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد ابطلت في لحظات كل أكاذيب مجموعة علي كرتي التي كانت توجه إرهابها إلى البسطاء وتمنع صوت السلام، لتخرج بعدها إلى الإعلام وتزور صوت الشعب والزعم بأنه يساند الحرب. وأكد السيد إبراهيم دنيا أنه يطالب بالسلام من موقع مستقل ولا يعبر عن أي جهة سياسية أخرى، ليغلق الباب أمام كل الاتهامات بالتبعية او التنسيق مع اطراف اخرى.
مايجلب الامل في المستقبل اننا هنا أمام قوى داخلية وخارجية متعددة — مثل القوى المدنية وحركات الشرق والرباعية — تتجه من طرق مختلفة نحو نقطة واحدة: وقف الحرب وإرساء السلام.

*أجندة الوحدة: سلام عادل وحماية للموارد*
ان تكوين تحالف حركات الشرق المسلحة خطوة إيجابية نحو الوحدة وهزيمة التشظي. فتوحد الإقليم بكل مكوناته وقواه هدف مقدم، وسيفتح الطريق نحو السلام وكرامة إنسان الشرق. وعلى القوى المدنية في الشرق وغيرها الاستفادة من هذه التجربة بالإسراع في إدارة الحوارات وتقديم التنازلات استعدادًا لحوار أشمل حول أجندة الإقليم.
الوحدة تكون على أجندة أهمها اليوم: السلام، ووقف نهب الموارد، ووقف بيع الإقليم للخارج. فقد انتقلت سلطة الخرطوم إلى الشرق وبدأت في نهب منظم لموارد الإقليم، والاستيلاء على الأراضي الزراعية في القضارف وكسلا، والإصدار اليومي لرخص المعادن، ومنح الوظائف الوهمية، والاستيلاء على المكاتب والمرافق المخصصة لمواطن الشرق. سلطة عجزت عن الدفاع عن العاصمة ونزحت إلى الشرق ثم عاشت الرفاه في مناطق الناس الذين لا يجدون قوت يومهم. والأسوأ أنها وقّعت اتفاقيات مع دول وشركات تتسوّل بينها مقابل موارد الشرق.
إن قضية نهب الموارد يجب أن تكون أولوية لقادة الشرق و الحادبين على مصلحته. يجب وقف هذا النهب السريع والمنظم الذي يدفع ثمنه إنسان الشرق اليوم، وستلعنه الأجيال المقبلة حين تجد الأرض خرابًا وما بقي منها مملوكًا للفاسدين.
الشرق ملك لسكانه بكل خلفياتهم الاجتماعية، بما في ذلك المنحدرون من شمال وغرب السودان. وعلى الجميع توحيد كفاحهم للحفاظ على وحدة الإقليم وموارده. ويجب إغلاق كل الأبواب التي نفذ منها صناع الفتنة سابقًا، واعتبار كل من يوجه إساءات للقبائل مندسًا ينفذ أجندة النهب والكراهية.
إن المطالبة بالسلام ومناهضة نهب موارد الشرق والربط بينهما يسندها منطق الحال؛ فمعسكر الحرب فقد كل موارده، وليس هناك غير الشرق أرضًا يتم نهبها بعد الدمار الذي لحق بمعظم السودان. ولهذا ستتزايد عمليات بيع الأراضي والموانئ والمعادن للخارج للاستمرار في الحرب والنهب. أما السلام فسيقلل ذلك ويهيئ بيئة لارتفاع الصوت المدني المناهض للفساد.
وعلى السلطة التي يقودها البرهان أن تعلم أن تشجيعها وتمويلها للفتن القبلية في الشرق ستكون له ردة فعل غالية هذه المرة. وإذا كان حكماء الشرق قد احتووا غضب الجماهير سابقًا، فإن الوضع اليوم مختلف؛ فالساحة يقودها شباب يريدون حقهم الآن، وليس غدًا، والخارج لم يعد حكرًا لطرف واحد.
وعلى الأجهزة الأمنية — إن أرادت الاستقرار في ولايات الشرق الثلاث — إيقاف الخطاب العنصري والإقصائي الذي تعرف مصادره، والتوجه نحو السلام ووقف نهب الموارد واحترام إنسان الشرق.

١ يناير ٢٠٢٦

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا