أطفأت الحرب بهجة مروان (6 أعوام) الذي كان يستعد للذهاب إلى المدرسة اعتبارًا من نهاية العام 2023 ضمن تلاميذ الصف الأول بمدرسة خاصة تقع جنوب العاصمة السودانية. وبدلًا عن ذلك، وجد نفسه نازحاً في مدينة دنقلا شمال السودان داخل مركز إيواء. مروان اعتقد للوهلة الأولى أنه سيدرس في هذا المكان.

مع إصرار الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة مؤقتة على فتح المدارس في الولايات الآمنة، فإن ملايين الأطفال في المناطق الساخنة لم يعثروا على حل بشأن مصيرهم
مع إصرار الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة مؤقتة على فتح المدارس في الولايات الآمنة، فإن ملايين الأطفال في المناطق الساخنة لم يعثروا على حل بشأن مصيرهم، ما يعني فعلياً انقسام السودان ما بين مناطق يتوفر فيها التعليم، وأخرى لم تنجُ من القذائف الصاروخية.

في إقليم كردفان الواقع غربي البلاد، فر 2.5 مليون طفل مع عائلاتهم إلى خارج الإقليم، بعضهم لجأ إلى دول الجوار. وتشكل هذه الإحصائية الصادرة من المجلس القومي للطفولة، أكبر حالة نزوح للأطفال على مستوى دول الإقليم.

يركض بعيداً

يركض الطفل مروان في فناء مركز الإيواء بمدينة دنقلا، الواقعة على بعد 600 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية، وقت الظهيرة، مع درجات حرارة مرتفعة في مثل هذه الأوقات. لا يعبأ لمصيره عما إذا كان سيبقى هنا طويلًا بلا تعليم أم يحالفه الحظ وتتوقف الحرب. بينما تقول والدته مريم (35 عاماً)، لـ”الترا سودان”، إن طفلها سألها في أول يوم وصل فيه إلى مخيم الإيواء هرباً من جحيم الحرب في العاصمة السودانية، إن كانت هذه هي المدرسة التي سيرتادها هذا العام. جاء الرد من خلال دموعها التي كفته عناء البحث عن أجوبة.

تُقدر منظمة الطفولة التابعة إلى الأمم المتحدة “اليونيسيف” عدد الأطفال الذين ظلوا بلا مدارس خلال الحرب في السودان بـ 18 مليون طفل. ومع دخول القتال العام الأول، قد تقفز الإحصائية من 19 إلى 21 مليون طفل نتيجة وصول بعض الأعمار إلى سن الدراسة، طبقاً للباحث في مجال التعليم أحمد المأمون.

يتوارى الأمل

لا ترى صفية محمد حسن، وهي مديرة مدرسة حكومية في العاصمة السودانية، “أملًا قادمًا في الطريق” لينقذ أطفال السودان من أزمة التعليم. تحدثت هذه السيدة التي لديها 25 عاماً من الخبرة في التعليم، عن ما أسمتها “الأسباب الجوهرية” التي تعطل المدارس، إما بنزوح الأطفال ومغادرة البعض إلى خارج البلاد واللجوء إلى دول الجوار وعدم القدرة على ارتياد المدارس هناك، والسبب الثاني: البطون الخاوية التي أصابت غالبية النازحين داخليًا. بالتالي تبقى فكرة إرسال طفل إلى مدرسة تحولت إلى رفاهية.

وتُرجح حسن مع ارتفاع لغة الحرب واستغراق المجتمعات في الفوضى والفقر انخراط جزء كبير من الأطفال في الأعمار التي تتراوح بين 12 إلى 18 عاما في القتال إما إلى جانب الجيش أو الدعم السريع أو الجماعات المسلحة رغبة في جلب المال لعائلاتهم، أو اختبار تحد جديد في حياتهم كونهم لا يعرفون خطورة الحرب والتجنيد.

وتعزو صفية محمد حسن أزمة التعليم في السودان إلى مشكلات هيكلية كان رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك وحكومته التي أطاح بها العسكريون في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ابتدروا خططًا ناجعة لإزالتها من خلال التدرج في مجانية التعليم وتفكيك الإدارات التابعة للدولة العميقة التي تشجع القطاع الخاص للهيمنة على التعليم، وحرمان ملايين الأطفال الفقراء من الذهاب إلى المدارس.

حُلم فوق وسادة بلاستيكية

وسادة مصنوعة من البلاستيك يضعها علي حسن (60 عاماً) على أرضية مركز إيواء بمدينة بورتسودان شرق البلاد. يجلس عليها “حسن” أحياناً وينام عليها في أحيان أخر، ويعرب عن أمنيته بالعودة إلى منزله.

يقول حسن لـ”الترا سودان”: “أطفالنا لا يذهبون إلى المدرسة هنا في بورتسودان”، هذه المدينة الساحلية التي استقبلت مئات الآلاف من النازحين من الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور.

في فناء المدرسة التي تحولت إلى مخيم إيواء لمئات الفارين من الحرب، يصدر الأطفال ضجيجاً أثناء اللعب. درجات الحرارة تتجاوز الـ 40 مئوية لأن الصيف هنا شديد الحر، وأصوات المولدات الكهربائية الصادرة من المباني المجاورة تختلط مع صيحات الأطفال.

نازح: نحن نبحث عن الأمان ونريد العودة إلى منزلنا شمال الخرطوم بحري
يضيف علي حسن: “نحن نبحث عن الأمان ونريد العودة إلى منزلنا شمال الخرطوم بحري؛ هناك مدرسة حكومية يرتادها أطفالي. هذا سيحدث عندما تتوقف الحرب.. في الوقت الحالي إذا أردت فعل ذلك يجب أن أحصل على وظيفة وعلى مال لسداد إيجار المنزل حتى أرسلهم إلى المدرسة، وهذا مستحيل! نحن لا نتلقى دعماً من أي جهة إنسانية أو حكومية”.

لا حل يلوح في الأفق

ويعتقد المسؤول السابق بمجلس الثقافة في ولاية شمال دارفور التي تشهد قتالاً ضارياً بين القوات المسلحة والدعم السريع، مالك دهب، إن السودان لا يمكنه المضي قدما في التعليم قبل وقف الحرب.

وأضاف دهب في تصريح لـ”الترا سودان”: “ربما تنشأ مبادرات هنا وهناك، لكن يجب أن يكون التعليم شاملاً لجميع الأطفال. عدد المحرومين 18 مليون طفل. يجب أن يعودوا إلى المدارس وهم على يقين أنهم تركوا الحرب وراءهم”.

سباق تسلح بين أطراف الحرب في السودان وتراجع الأمل بشأن ذهاب الأطفال إلى الدراسة أزمتان قد تشكلان مأساة هذا البلد الغارق في حرب قد تستمر طويلاً. ومع ذلك، فإن الحلول والمبادرات بشأن انتشال التعليم من أزمته لا تزال مبعثرة.

أسوأ أزمة تعليمية
تؤكد ممثلة منظمة الطفولة بالأمم المتحدة “اليونيسف” في السودان، مانديب أوبراين، وجود 18 مليون طفل في السودان بلا تعليم بسبب الحرب. قالت إن السودان يواجه أسوأ أزمة تعليمية على مستوى العالم.

مانديب أوبراين لـ”الترا سودان”: هناك 7 ملايين طفل كانوا خارج التعليم قبل الحرب
وترى أوبراين في تصريح لـ”الترا سودان”، أن هناك 7 ملايين طفل كانوا خارج التعليم قبل الحرب. أي واحد من كل ثلاثة أطفال لم يذهب إلى المدرسة في حياته قط.

وأردفت: “المدارس متوقفة في السودان بسبب النزاع المسلح. بعض الولايات عادت تدريجياً في الشمالية والبحر الأحمر والنيل الأزرق وسنار، لكن الغالبية العظمى من الأطفال لم يتمكنوا من استئناف التعليم”.

وتكشف أوبراين عن تحول 14% من المدارس في السودان إلى مراكز إيواء للنازحين الفارين من الحرب. وتعمل اليونسيف مع أصحاب المصلحة على دعم الأطفال حتى يجدوا أنفسهم على مقاعد الدراسة وتشجيع المجتمع على تعبئة الأفراد للانخراط في مواضيع التعليم.

وتابعت ممثلة اليونيسف في السودان: “التعليم يساعد الأطفال على الشعور بالأمان ويحول بينهم وبين الممارسات الضارة ويحمي الصبيان المراهقين من الانخراط في التجنيد ويقلل من عمالة الأطفال أيضاً”.

ودعت أوبراين إلى فتح المدارس في جميع أنحاء البلاد سيما في الولايات الآمنة. مشيرة إلى أن المنظمة الأممية لديها تدخلات وانشأت ألف مساحة تعليمية آمنة وتمكنت من الوصول إلى 941 ألف طفل.

وفيما يتعلق بالأطفال في المناطق التي تنشط فيها النزاع، قالت أوبراين إن اليونيسف تدعم منصة رقمية مصممة لتلبية احتياجات الأطفال المتأثرين بالنزاع، وهي مجانية ويمكن الوصول عبرها إلى المناهج السودانية.

وزادت بالقول: “المنصة لا تتطلب كفاءة في خدمة الإنترنت. يمكن الذهاب كل شهرين للحصول على التحديثات والعودة إلى المنزل أو مقر السكن لدراسة المواد التي حصلت عليها”.

نقطة مظلمة مع أمل

ويقول نائب منسق مشروع الشعب المعلم بمدينة شندي سعيد حجازي إن توقف المدارس ضاعف من مشكلات التعليم، إذ تضرر طلاب الصف الثالث في المرحلة الثانوية نفسياً بتراكم دفعتين تنتظران الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية.

وأضاف: “اتجه جزء كبير من طلاب الدفعتين في الصف الثالث بالمرحلة الثانوية إلى سوق العمل أو الزواج المبكر بالنسبة للفتيات. وتضرر طلاب الصف السادس في مرحلة الأساس وطلاب المرحلة المتوسطة بانعدام الكتاب المدرسي”.

نائب منسق مشروع الشعب المعلم بالنيل الأزرق: جرى افتتاح مركز تعليم في حي الصفا ارتاده (120) طفلاً قدموا من الخرطوم ومدن أخرى
ويعكس سعيد في تصريح لـ”الترا سودان” تحديات أخرى تواجه الأطفال الذين لجأوا إلى دول الجوار مع عائلات وذهبوا إلى المدارس، إذ “تعرضوا إلى التنمر في الفصول الدراسية ويواجهون مشكلة تعلم لغات جديدة”.
في مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق نُفذ مشروع “الشعب المعلم”، حسب المنسق رمزي آدم، وجرى افتتاح مركز تعليم في حي الصفا ارتاده (120) طفلاً قدموا من الخرطوم ومدن أخرى.

ويقول آدم في تصريح لـ”الترا سودان” إن المشروع افتتح مركزاً جديداً بحي الهجرة غرب مدينة الدمازين يرتاده 160 طفلاً من عمر 10 إلى 16 عاماً، ومركزًا ثالثًا في “الشهيد أفندي” يرتاده 100 مشارك من الأطفال تم افتتاحه في نيسان/أبريل الماضي.

مُدمران.. الإنتاج والتعليم
ويقول الأمين العام للمجلس القومي للطفولة “هيئة حكومية”، عبد القادر عبد الله أبو إن عدد الأطفال في السودان 24 مليون طفل يشكلون 40% من نسبة السكان. عانى منهم (18) مليون طفل بلا تعليم.

ويوضح أبو لـ”الترا سودان” أن الصراع المسلح في السودان أجبر ثلاثة ملايين طفل في سن الدراسة للنزوح من إقليم دارفور، بعضهم وصل إلى تشاد وجنوب السودان، بينما شهدت ولاية الخرطوم نزوح 2.5 مليون طفل، فيما نزح من إقليم كردفان 1.2 مليون إلى خارج المنطقة تاركين مقاعد الدراسة بسبب الحرب التي دمرت حتى وسائل الإنتاج التي تعين على العملية التعليمية.

بينما تنفي قوات الدعم السريع صحة هذه الراويات الحكومية وتقول إنها ملتزمة بالمعاهدات الدولية وافتتحت عدداً من المدارس في منطقة جنوب الحزام في أحياء مايو بالعاصمة السودانية ومنطقة أركويت شرق الخرطوم، ومولت توفير المعينات المدرسية وشجعت الأطفال على الذهاب إلى المدارس.

تقاعس دولي

بالمقابل يدفع محمد مأمون الباحث في منظمة معنية بالتعليم، بمقترحات راديكالية عن أزمة التعليم خلال الحرب. ويرى أن الجوع بسبب الصراع المسلح في السودان يُقلل من رغبة المجتمعات لدفع الأطفال إلى المدارس وتفضل إرسالهم إلى سوق العمل.

وأضاف: “الطفل يخرج من منزله إلى المدرسة ويجب ألا تكون بطنه فارغة من الطعام.. المجتمع الذي يكون في حالة نزوح ولجوء لا يشعر بالأمان بالتالي يصبح التعليم أمراً ثانوياً”، مضيفًا أن: “قرار فتح المدارس في بعض الولايات ذو أبعاد سياسية حتى تقول الحكومة المحلية للناس أن الوضع طبيعي وكل شيء على ما يرام والعكس يحدث هناك الناس يموتون بالجوع”.

ويقول مأمون إن التعليم في السودان يحتاج إلى دعم دولي كبير يرتبط مع دعم العمل الإنساني بـ”إسكات البطون الجائعة” أولاً ثم فتح مدارس في المدن والقرى التي نزح إليها السودانيون عن طريق منظمة اليونسيف التي يجب أن تقدم “دعماً سخياً” للتعليم في كافة أنحاء البلاد، وإبرام اتفاق مدعوم دولياً بين الجيش والدعم السريع والأمم المتحدة ينص على ضمان سير العام الدراسي دون عراقيل وعدم اتخاذ التعليم كسلاح خلال الحرب.

وزاد قائلًا: “الفاعلون الدوليون في الشأن السوداني بما في ذلك اليونس ....