تجارب المدافعات: ضوء فى نفق الحرب
من لم يقتله الرصاص يقتله الجوع والمرض
حياتنا رخيصة والعالم ﻻ يعنيه مآساتنا
لمياء الجيلى (*)
عام كامل من الحرب والنزوح واللجوء يمضى والنساء المدافعات عن حقوق اﻹنسان فى السودان يواصلن مسيرة وخطوات كتبتها عليهن الحرب اللعينة الدائرة اﻵن .. فقدن كل ما يمتلكن ، وما تم إدخاره لعواقب الدهر واحتياجات الزمان.. فقدن الرؤيا الواضحة لمستقبلهن ومستقبل أبنائهن فى ظل فشل عديد من الجهود المحلية واﻻقليمية والدولية لايقاف هذه الحرب. ُدمرت منازلهن.. سُلبت ونُهبت مُقتنياتهن، وفقدن مصادر العيش وآليات العمل.. فقدنا كل شىء ولكنهن لم يفقدن اﻹصرار على مساعدة اﻵخرين ، وعلى العمل من أجل التغيير ومن أجل غد أفضل للشعب السوداني.. من خلال هذه المساحة شاركت عدد من النساء المدافعات عن حقوق اﻹنسان قصصهن وقصص آخريات قمن بمساعدتهن ورصد ما تعرضن له من انتهاكات.. عكسن حجم ، المآساة التى سببتها لهن الحرب .. دفعن ثمن الحرب فقر ، وموت ، وجوع، ومرض، ونزوح ، ولجوء
لم يكن الحديث سهلاً ففى كثير من اﻷحيان تتقطعه الدموع وتخنقه عبرة الظلم والضيم. سردن قصصهن ، وتجربتهن مع الحرب .. وتداعياتها عليهن وعلى أسرهن والمجتمع .. تحدثن في جوانب مختلفة كشفت حجم المأساة اﻹنسانية للحرب .. وما أصاب السودانيات والسودانيين من غبن وفجيعة ، وتشتت للأسر بعد أن كان غالبيتها تعيش فى سلام وأمن ووئام.
سألناهن عن تجاربهن في عام كامل من النزوح واللجوء، وعن تأثير ذلك عليهن وعلي أسرهن. كما سألناهن عن رؤيتهن للمستقبل فى ظل هذا الوضع القاتم، وما يردن من الآخرين لمساعدتهن وﻻيقاف نزيف هذه الحرب
قصف عشوائى ومسلسل موت ﻻ يتوقف
ليس من السهل أن يترك الانسان منزله وأن يذهب للمجهول تاركاً وراءه كل مدخراته وذكرياته. ولكنها الحرب التى ﻻ ترحم.. شاركت نساء مدافعات عن حقوق اﻹنسان (حملة ساندوا السودان) تجربتهن فى مغادرة المنزل والخروج بحثاً عن مكان أمن لهن وﻷسرتهن
كانت رحلة الخوف والعذاب، والقهر بهذه الكلمات بدأت وصال حمد النيل طالبة جامعية وناشطة نسوية حديثها ل(حملة
ساندوا السودان) “بعد أيام قليلة قضيناها فى منزلنا بالخرطوم بحري وسط أصوات المدافع والرصاص،والقصف العشوائى، ومسلسل موت ﻻ يتوقف، حيث كنا نقضي يومنا نرتجف تحت اﻷسرة ، حتى طعامنا على قلته كنا نتناوله تحت اﻷسرة..بعدها قررنا السفر الى مدينة شندى” لم يكن لدى وصال وأسرتها فى ذلك الوقت المال الكافى فإضطرت والدتها أن تبيع كل ما إدخرته من مجوهرات بمبلغ قليل جداً، عند موقف المواصلات لشراء تذاكر البص للسفر الى مدينة شندى . وتعكس وصال تجربتها فى مركز اﻹيواء فتقول “اقمنا بمركز إيواء داخل مدرسة قديمة لمرحلة الأساس يفتقر الى أدني مقومات الحياة، المكان غير صحى ومكتظ بالسكان، كما أن التهوية غير كافية ، وكذلك عدد الحمامات قليل جداً مقارنة باﻷعداد المتواجدة هنالك ، يتم توزيع بعض اﻷغذية بكميات قليلة جداً غير كافية، وفى فترات متباعدة.. أصبنا بعدد من اﻷمراض لتدهور البيئة ولعدم توفر اﻷغذية ولم نجد الدواء” اوضحت وصال حجم المعاناة الى الوصول الى مكان آمن وعكست حجم المعاناة داخل مراكز اﻹيواء
نهلة يوسف- ناشطة
، وتجربة وصال فى الخروج ﻻ تختلف كثيراً عن تجربة نهلة يوسف رئيسة تحالف المدافعات عن حقوق اﻹنسان فى دارفور، حيث أضطرت للخروج مع أطفالها من مدينة نياﻻ الى أن وصلت جوبا، ليستقر بها المقام فى مدينة كمباﻻ بأوغندا فقالت ” اضطررت للخروج وتغيير موقع سكني عدة مرات وفي اخر شهر مايو اجبرت على مغادرة السودان الي مكان اكتر امناً ، حيث خرجت من منزلي بعد ان استحوذت قوات الدعم السريع علي اغلب المنازل والشوارع في الحي الذي اسكنه، غادرت مع إبني الذي يبلغ من العمر ( ١١) عاما” لم يكن خروج نهلة وابنها سهلاً أثناء اﻹشتباكات بين طرفى القتال فكانت في كثير من اﻷحيان تضطر الى الجلوس أو اﻹستلقاء على اﻷرض لتحمي نفسها وإبنها الصغير فقالت “. اثناء الاشتبكات كنا نجلس علي ارجلنا ونرقد على الارض خوفا من الدانات وهي تتساقط علينا كالمطر وكثيرا ما نحبو علي الارض وانا اغطي ابني في احضاني ﻷحميه”. وتواصل نهلة وصفها لرحلة الخروج الى بر اﻵمان فقالت “تحركنا ومعي ثلاثة من زملائي .. وقتها لم نكن نملك المالي الكافي للحركة ولكننا مجبرين على المغادرة فتحركنا الى مدينة الضعين وغاردناها في نفس اليوم عصراً الى الي ابو مطارق وكان الطريق غير امن فإضطررنا للمبيت هنالك” أضافت ” تعرضنا في الطريق لاطلاق نار عشوائ من قبل متفلتين واحسسنا بأن هنالك من يتعقبنا بغرض السرقة” . ولمزاهر عثمان تجربة مع النزوح ﻻ تختلف عن سابقاتها من مخاطر ورهق قالت “غادرت منزلى فى الفاشر برفقة أبنائي الثلاثة وابنتي الصغيرة (9) أعوام الى مدينة برام ، ومكثنا عدة أشهر مع أقارب لنا، ثم إنتقلنا الى ، الضعين ومنها الى أويل ، ثم الى جوبا ، فى هذه الرحلة أنفقت كل ما أملك بعد أن أستأجرت غرفة صغيرة لي وﻷطفالى واﻵن فى انتظار أن يصلنى مبلغ من المال من احدي اقربائي فى أمريكا” أضافت” التحربة اثرت علينا نفسياً وﻻزلنا نصاب بالذعر عند سماع أصوات عالية ونتذكر أصوات الرصاص والدانات” غادرت مزاهر بلدها بسبب الحرب لتواجه بمعاناة أخرى فى بلد اللجوء.
نزوح مستمر ، وأحساس بعدم اﻹستقرار واﻷمان
هاجر محجوب ناشطة نسوية وباحثة تسكن بالخرطوم أضطرتها الحرب للنزوح من مكان الى أخر بحثاً عن اﻷمن واﻷمان لها وﻷسرتها قالت” على الرغم من اﻻحتقان الذى شاب أجواء الوطن قبل الحرب، وحجم التحشيد الكبير ، وكان واضح أن هنالك صراع قوى بين الجيش والدعم لسريع إﻻ أننا لم نكون نتوقع نشوب حرب بهذه البشاعة.. الى أن سمعنا أصوات الرصاص والمدافع .. فتحت موقع قناة الجزيرة مباشر وجدت نقل لمشاهد فيى مطار الخرطوم ومروى لم أكن ندرى أنا وزوجي كيف نتصرف فى موقف كهذا، وخاصة أن والدة زوجي مريضة وعاجزة عن الحركة تماماً، وهي تقيم معنا فى المنزل منذ ثلاث سنوات” أضافت هاجر وصوتها يرتجف من اﻷلم “ طلب مني زوجي أن أسافر ومعي أطفال الخمسة مع أسرة أخيه اﻷكبر الى قرية أبعشر حيث تقيم أخته هنالك ، ليلحقنا هو ووالدته بعد إيجاد وسيلة مناسبة لترحيلها.. تحركنا الى الميناء البرى.. وجدنا أعداد كبيرة من المواطنين كل يبحث عن وسيلة سفر تنقله من الخرطوم” واصلت حديثها ” تحرك بنا البص نحو وﻻية الجزيرة.. عبرنا عدد كبير من نقاط التفتيش.. تعرضنا للاستفزاز واﻹذلال .. اكتفينا بشرب ماء فقط خلال يوم كامل الى ان وصنا مدينة أبعشر ومكثنا بها عدة شهور” لم تستقر مزاهر فى وﻻية الجزيرة فإضطرت الى مغادرتها والبحث عن مآوي جديد بعد دخول قوات الدعم السريع لوﻻية الجزيرة حسب كلامها لم يكن لديها خيار آخر سوى المغادرة تعرف أن هذه الرحلة مليئة بالمخاطر واﻷهوال (المجازفات- حسب قولها) فعليها أما البقاء ومواجهة الموت واﻹعتداءات المختلفةأو الخروج الى المجهول مرة أخرى
لم يستسلمن وواصلن المسير
هذه التجارب القاسية التى تسببت بها الحرب للمدافعات عن حقوق اﻹنسان وأسرهن لم تثنيهن عن مواصلة دعمهن ومساعدتهن لمجتمعاتهن ، ومواصلة العمل من أجل عكس انتهاكات حقوق اﻹنسان ورصدها وتوثيقها ودعم الضحايا
فوصال تطوعت فى مركز اﻹيواء وبدأت فى تقديم المساعدات والدعم النفسي للنساء واﻷطفال، أﻻ أنهاتعرضت للعديد من المضايقات قالت ” أثناء تطوعي فى مركز اﻹيواء واجهت العديد من المضايقات من السلطات هنالك ، تعرضت للتنمر واستمعت الى عبارات غير ﻻئقة تم توجيهها لي وللمتطوعات والمتطوعين، و من أفراد قد يكون غالبيتهم من دعاة الحرب ورافضي السلام” واصلت حديثها ونظراتها كلها حزن وأسي” تدهورت صحة والدي لعدم توفر العلاج داخل المركز وعدم قدرتنا على شرائه من الخارج ، فتم نقله الى مستشفى شندى التعليم حيث فارق الحياة وفارقنا اﻷمل فى إيجاد مكان ﻻئق يحفظ إنسانيتنا وما تبقي لنا من كرامة” انتقلت وصال وأسرتها مع أخيها الصغير الى قرية أم الطيور حيث وجد عمل فى احدي المحال فى مدينة الدامر فأجر لهم غرفة يقيمون بها على أمل أن تقف الحرب ويعودوا الى ديارهم” . كذلك واصلت نهلة عملها فى مساعدة النساء المدافعات عن حقوق اﻹنسان، وتنشيط عمل التحالف من حملات مناصرة، وإصدار بيانات، وكذلك فى التحدث حول هذا اﻻنتهاكات للإعلام المحلى والدولي وقالت “كان ﻻبد أن نواصل عملنا الحقوقى فى فقد تم ارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق اﻹنسان وللقانون الدولي اﻹنساني ، فواصلت وزميلاتى فى التحالف عملنا ولن نتوقف مهما كانت اﻷسباب فهذا التزامنا تجاه قضايا حقوق اﻹنسان وواجبنا تجاه الضحايا”. ولهاجر تجربة مميزة فى مساعدة النساء و اﻷطفال ذوي اﻹعاقة داخل مراكز اﻹيواء وخارجها من المتضررين من الحرب فقالت “على الرغم من الرهق والغبن بسبب الحرب لم يكن أمامي خيار سوى مساعدة النساء واﻷطفال ذوي اﻹعاقة، فهذا تخصصي وعملى الذى ظللت أعمله لسنوات، فهذا الفئة تعيش أوضاع إنسانية صعبة ويمارس عليها تمييز كبير ، وإهمال شديد فلابد من اﻻنتباه لها ومساعدتها وتخفيف أثار الحرب النفسية عليها”. فحسب تقارير حقوقية تتعرض النساء ذوات اﻹعاقة ﻷشكال مختلفة من التمييز بسبب اﻹعاقة وبسبب نوعهن اﻻجتماعى فى ظل حرب طال أمدها
ومن جانبها ظلت تهانى ومنذ خروجها من المنزل بالقيام بمساعدة النساء فى الطريق، وبعد أن وصلت وﻻية الجزيرة فى اﻷسبوع اﻷخير من أبريل المالضى وقالت”أخذت قسط قليل جداً من الراحة وبدأت اواصل عملي الحقوقى في توثيق اﻻنتهاكات والعمل مع الناجيات والناجين من الحرب” ذهبت تهانى الي مدينة ومدني وبدأت بالتشاور مع بالاطباء ومنظمات المجتمع المدني و مع المدافعين والمدافعات عن حقوق الانسان ا هنالك، حول كيفية مساعدة المجموعات المتضررة من الحرب وأضافت ” بدأت منظمتنا في العمل استأجرنا مكتب صغير وبدأنا في الترتيبات للعمل وإرسال رسائل المناصرة ونسقنا مع آخرين كثر “. أﻻ أن تهانى والمنظمة التى تعملبها لم تستطع مواصلة عملها الحقوقى فى وﻻية الجزيرة بعد أن امتدت الحرب لها فى ديسمبر الماضى
مخاطر شتي.. مضايقات وملاحقات
ومن خلال التجارب المختلفة كشفت عدد من المدافعات عن حقوق اﻹنسان فى حديثهن للحملة أن المدافعات تاثرن بشكل اكبر من الحرب مقارنة بالنساء فى قطاعات أخري، وذلك ﻷن النساء المدافعات عن حقوق اﻹنسان يواجهن ضغوطاً إضافية بسبب الملاحقة والاعتقال مما يضطرهن لاخفاء انفسهن وتقليل حركتهن او تغيير اماكن سكنهن خوفا من الاعتقال او القتل، وهذا سبب لهن اذي نفسي كبير وفقدان لعملهن ومصادر دخلهن بسبب الحرب وبسبب الاختفاء وفى هذا الجانب قالت نهلة يوسف رئيسة تحالف النساء المدافعات عن حقوق اﻹنسان بدارفور أن النساء المدافعات اغلبهن اضطررن للخروج الي أماكن أمنة داخل و خارج السودان ومعهن اطفالهن مما أضاف الى معاناتهن أنهن لايملكن دخل ثابت مما اثر علي عملهن كمدافعات، وفي تواصلهن مع قواعدهن بالداخل وقالت ” بسبب الحرب فقدت النساء المدافعات اغلب معدات ....