في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- إلى متجر الذهب الخاص بأحمد الشبراوي في قطاع غزة، اصطحب أحد المواطنين طفلته، يريد بيع القرطين اللذين تتزين بهما، كي يشتري بثمنهما طحينا يسد جوع أسرته خلال ذروة المجاعة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على القطاع المحاصر.

في تلك اللحظة، تحولت زينة الطفلة إلى ثمن للطعام، وانكمشت قيمة الذهب من ذكرى تحتفظ بها الأسرة إلى وسيلة تؤمن بها قوتها، في مشهد أحدث وقعا وأثر في التاجر نفسه الذي وصف حال الأب وهو يجرد صغيرته من قرطيها بأنه أقسى ما علق بذاكرته طوال 20 عاما من عمله بهذا المجال.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الصين وبطاريات التخزين.. عنق زجاجة التحول الطاقي العالمي
* list 2 of 2 "أوبك بلس" يؤجل مراجعة حصص الإنتاج نتيجة تداعيات حرب إيران end of list

ويقول الشبراوي: "دفعت الحرب عائلات كثيرة إلى إخراج مصاغها من مواضع الادخار والزينة وبيعه لتغطية النفقات التي فرضها النزوح، وخاصة أجرة الطريق والنقل، وتأمين الطعام والعلاج"، وهكذا انتقلت قطع الذهب من حيازة الأسر إلى التجار تحت وطأة احتياجات آنية تمس البقاء نفسه.

مصدر الصورة الذهب في السوق الغزي يعاد تدويره محليا بفعل الحرب ومنع إسرائيل إدخال الذهب للقطاع (الجزيرة)

مدخرات العائلات

كان الشبراوي يمتلك سلسلة محلات شمال قطاع غزة، إلى جانب مصنع يعمل في صياغة الذهب، وخلال الحرب فقد أماكن عمله. وعندما استأنف نشاطه، تشارك مع زميل له بمحل في سوق القيسارية بمدينة غزة، جامعا بين خبرته الطويلة وما تبقى من إمكانات السوق.

وحتى 26 سبتمبر/أيلول الماضي، قدّر التاجر السعر المرجعي المتداول للغرام الواحد من الذهب بنحو 115 دينارا أردنيا (نحو 162 دولارا)، في حين تراوح سعر بيعه في سوق غزة بين 122 و125 دينارا للغرام، حسب حركة الطلب وتغير الأسعار.

وتكشف حركة سوقي الذهب والفضة في غزة معادلة فرضتها الحرب، فبينما دُمّرت المصانع والمحال وانقطعت الخامات والمعدات، دفعت المجاعة والنزوح والعلاج الأسر إلى بيع مصاغها، وامتد الغلاء إلى مهر العروس الغزية، إذ يستحوذ شراء خاتم من عيار 21 حاليا على نحو نصفه، فتنحصر حصتها من الذهب في قطعتين خفيفتين.

إعلان

وقبل الحرب، كان تخصيص أكثر من نصف المهر للمصاغ يتيح لها اقتناء عدة قطع، مع الاحتفاظ بالجزء المتبقي لتجهيز ملابسها وسائر احتياجاتها.

مصدر الصورة أحمد الشبراوي: المجاعة وكلفة النزوح دفعتا العائلات إلى بيع مصاغها لتأمين أبسط احتياجاتها (الجزيرة)

إنتاج وفق المعايير

وفي ظل منع إسرائيل منذ بدء حرب الإبادة توريد الذهب الخام ومستلزماته إلى القطاع، يكتسب رقم الدمغ الشهري دلالة تتجاوز حجم الإنتاج. ويقول رئيس نقابة تجار الذهب والصاغة بغزة، محمد حبوب، إن مديرية دمغ ومراقبة المعادن الثمينة تدمغ حاليا ما بين 50 و60 كيلوغراما من المصوغات شهريا.

ويعبر هذا الرقم -بحسبه- عن حركة الذهب الموجود أصلًا داخل القطاع بعد بيعه وصهره وإعادة تشكيله، أكثر مما يعبر عن إضافة معدن جديد إلى السوق، فالقطعة التي تُباع تمر مجددا بإجراءات الفحص والدمغ.

كما تُحال كل قطعة تنتجها الورش إلى المديرية المختصة لفحص نقاوتها قبل السماح بتداولها، ويُقاس المعدن للتثبت من مطابقته لعيار 21، ثم يُوسم بالدمغة الرسمية، في حين يُعاد المصاغ المخالف إلى صانعه بوصفه "ساقط العيار".

ويوضح حبوب أن معيار نقاوة الذهب يتألف من 1000 سهم، تبلغ حصة الذهب الخالص في عيار 21 منها 875 سهما، وتُقبل القطعة عند 873 سهما وفق هامش التجاوز المسموح به في الفحص. ويؤكد أن المصاغ الغزي يحتفظ بدرجة نقاوته عند فحصه خارج القطاع، وأن صفاء معدنه يضاهي الذهب المتداول في الدول المجاورة، مع فصل جودة العيار عن مستوى التصميم والتشكيل.

إعادة تدوير

وكان قطاع غزة يضم قبل الحرب 38 منشأة بين ورشة ومصنع لصياغة الذهب، وانخفض عدد العاملة منها حاليا إلى أقل من 20 منشأة، تمارس نشاطها داخل أماكن متضررة وبإمكانات محدودة.

ويوضح حبوب أثر الأزمة الإنتاجية قائلا: "تضررت آلات السحب والسكب والقطع، وغابت الكهرباء المستقرة اللازمة لتشغيل ما نجا منها، فعادت مراحل واسعة من الصياغة إلى العمل اليدوي، بما يستغرقه من وقت أطول وما يفرضه من قيود على كمية الإنتاج ودقة التشكيل". وامتد النقص إلى المواد الداخلة في صلب العملية الصناعية، كحمض النيتريك المستخدم في فحص الذهب وتنقيته، والجبس اللازم لصب القوالب.

وفي المقابل، تناقص مخزون غزة من الذهب بعد أن خرج جزء منه مع المسافرين خارج القطاع، وظلت كميات مطمورة تحت أنقاض المنازل والمتاجر والمصانع، يتعذر انتشالها. ويقدّر حبوب أن الفجوة بين السعر المحلي والعالمي بلغت، خلال فترات الشح، بين 30 و35%.

وهكذا تستمد الأسواق حركتها من إعادة تدوير مخزون العائلات وانتقاله من خزائن الأسر إلى أفران الصاغة، وخاصة في أسواق الفضة.

مصدر الصورة محمد حبوب: توقّف دخول الذهب الخام إلى غزة خلال الحرب وجزء منه بقي تحت الأنقاض (الجزيرة)

الفضة قصة أخرى

ويقول تاجر الفضة يحيى أحمد عاشور إن مصوغات المواطنين باتت تشكل نحو 90% من المادة الداخلة في إنتاجه، ويعيد صهرها وإعادة إنتاجها في الأشكال المطلوبة من الأساور والأقراط والتعليقات المختلفة. ويضيف أن الحرب دمرت متجره بالكامل وأتلفت معدات التصنيع والإنتاج ومخزونه من الفضة الخام، مقدرا خسارته بنحو 70 ألف دولار.

إعلان

وتراجع عدد عماله من 10 إلى 3، في حين أن الكهرباء المولدة بسعر 35 شيكلا (الدولار= 3 شواكل) والغاز بسعر 100 شيكل للكيلوغرام رفعا كلفة الإنتاج.

وحتى قبل الحرب كانت إسرائيل تمنع إدخال ماكينة الليزر اللازمة لقص الفضة إلى غزة، مما قيّد قدرة الورش على تطوير إنتاجها، ومع شح المعدن وتضرر المعدات، اتجه عاشور إلى استخدام الستانلس ستيل ومواد أخرى في بعض المشغولات، رغم انخفاض جودتها وقيمتها عن الفضة الأصلية.

وقبل الحرب أيضا، تراوح سعر غرام الفضة بين 6 و10 شواكل، وفق المصنعية، ليصبح الآن ما بين 30 و45 شيكلًا. ويقول عاشور: "نشتريه من المواطنين بـ10 أو 15 شيكلًا للغرام الواحد، حسب العيار والجودة والحالة"، مبينا أن الارتفاع بالأسعار أدى إلى انكماش الطلب، فأصبحت حركة السوق قائمة على ما تبيعه الأسر أكثر مما تشتريه.

مصدر الصورة مشهد يظهر تدمير جانب من متاجر ومصانع الذهب بما احتوته من أدوات ومعدات مختلفة (الجزيرة)

قبل الحرب ليس كبعدها

من جهته، يكشف صائغ المجوهرات والفضة إسماعيل محمود حمادة حجم القاعدة الصناعية التي سبقت هذا التحول، فقد أضاف إلى نشاطه الأساسي في الذهب خطا لصياغة الفضة عام 2010، ووصل إنتاج مصنعه بين 15 و20 كيلوغراما شهريا.

وفي بدايات المشروع، مثّل إنتاجه المحلي نحو 25% قياسا إلى المستورد، ثم ارتفعت النسبة مع تطور الخبرة والتجهيزات إلى قرابة 50%، وكان المصنع يشغّل 6 عمال، في حين وفرت فروعه الأربعة 8 فرص عمل أخرى، إلى جانب موزعين آخرين تولوا تسويق المنتجات بالجملة.

وكانت الفضة الخام تدخل إلى القطاع قادمة من إسرائيل عبر تجار لديهم تصاريح خاصة، في وقت استوردت فيه السوق المشغولات الجاهزة من مصر وتركيا والصين، أما المنتجات المحلية فبقيت محصورة داخل القطاع، بعد أن حالت القيود الإسرائيلية دون تصديرها للخارج.

ويقول حمادة إن مصنعه الذي دمرته الحرب بكامل محتوياته من آلات وماكينات وأفران الصهر وقوالب الصب، كان الوحيد في غزة القادر على إنتاج مختلف أصناف المشغولات الفضية.

وبحسبه، فقد انخفضت متاجر الفضة العاملة في غزة من نحو 10 إلى النصف تقريبا، وتراجع إنتاج منشأته بنسبة 70% عن مستواه السابق، وفيما تضاعف سعر الفضة الخام عالميا مقارنة بما قبل الحرب، ارتفعت أسعارها في غزة إلى 4 أضعاف تقريبا، وأصبحت المشغولات الجاهزة تُباع بما يقارب 3 أمثال نظيرتها في الأسواق الخارجية، بفعل شح المعدن وغلاء الطاقة وفقدان المعدات والمواد الكيميائية.

مصدر الصورة الحرفي سمير غبن يمارس مهنة إصلاح الذهب منذ عام 1979 ويواصل عمله اليوم يدويًا عند مدخل سوق الذهب (الجزيرة)

ترميم وإصلاح

وعند مدخل سوق الذهب في مدينة غزة، يجلس الحرفي سمير غبن إلى منضدة صغيرة نصبها في الشارع، مواصلا مهنة إصلاح المصاغ التي بدأها عام 1979، وبين يديه تتكدس قطع تعود إلى مواطنين وصاغة، أصابها القصف والتخزين القسري وأفقد بعضها ملامحه، في حين بقيت في أخرى آثار احتراق ورائحة كبريت تجعل ترميمها أكثر تعقيدا.

يستعين غبن بماكينة لسحب الأسلاك رافقته منذ بدايات عمله، ثم ينجز التلحيم يدويا باستخدام لهب الغاز، ويضيف الزنك إلى موضع الكسر لتليين المعدن وتهيئته للحام، قبل إعادة تشكيل القطعة وصقلها واسترداد ما أمكن من هيئتها الأصلية.

ومع انقطاع مواد الصياغة، بات يحضّر بنفسه خليطا مساعدا على الانصهار من النشادر وملح الطعام والكربونة، ويستخدم ماء النار في تنظيف الذهب المتضرر وجليه، بعدما بلغ سعر اللتر منه نحو 170 شيكلًا.

وهكذا تحولت منضدته إلى ورشة مصغرة تختصر ما آلت إليه المهنة؛ معدات محدودة، ومواد بديلة، وعمل يدوي يعيد ترميم ما خلّفه القصف في مصاغ المواطنين ومصانع الصاغة.

مديرية دمغ ومراقبة المعادن الثمينة تدمغ حاليًا ما بين 50 و60 كيلوغرامًا من المصوغات الذهبية شهريًا (الجزيرة)تقلّص مخزون الذهب بخروجه مع المسافرين من قطاع غزة في بداية حرب الإبادة وبقاء كميات تحت الركام (الجزيرة)غياب الكهرباء ومنع إدخال حمض النيتريك وقوالب الجبس يقيّد عمل ورش الصاغة (الجزيرة)أساور اعتادت العروس الغزية ضمّها إلى مصاغها أخرجها الغلاء اليوم من متناول المقبلات على الزواج (الجزيرة)تدمير المصانع أدى إلى تضرر آلات السحب والسكب وأعاد الحرفة إلى أدوات يدوية (الجزيرة)مصوغات المواطنين تشكل نحو 90% من خام إنتاج تاجر الفضة يحيى عاشور الذي يعيد تشكيلها في قطع جديدة (الجزيرة)خواتم من الفضة أعيد تشكيلها وصياغتها وفق ما هو متاح لتلبية حاجة الزبائن (الجزيرة)الفضة أيضا ارتفعت أسعارها في قطاع غزة وباتت إعادة إنتاجها تتطلب جهدا مضاعفا في ظل تدمير المعدات (الجزيرة)سمير غبن يستخدم أدوات يدوية ومواد خاصة بعمله في إعادة تدوير المصاغات الذهبية لتلبية الحاجة (الجزيرة)الصائغ سمير غبن يُعوض شحّ مواد الصياغة بتحضير خليط مساعد على الانصهار في ظل غلاء المواد الأصلية (الجزيرة)