(CNN)-- قبل نحو 4 سنوات، أنهى اتفاق سلام حربًا وحشية في إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، وهي الحرب التي تُعد واحدة من أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين. والآن، عاد العنف مجددًا، لكن خطوط المواجهة قد تغيرت.
يخوض متمردو تيغراي قتالًا ضد الحكومة الفيدرالية مرة أخرى، في حين تقاتل قوات كانت يومًا ما أعداءً جنبًا إلى جنب.
ففي يوم الأربعاء، استولت قوات تيغراي على ثلاثة مطارات كانت خاضعة لسيطرة الحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع اندلاع القتال في إقليمي أمهرة وعفر المجاورين.
وقد أدت هذه الأعمال العدائية إلى تقويض اتفاق السلام المبرم عام 2022، والذي أنهى حربًا يُقدّر أنها أودت بحياة نحو 600 ألف شخص. وكانت العلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقادة تيغراي تشهد تدهورًا مستمرًا منذ أشهر.
ولا يزال من غير الواضح ما الذي أشعل القتال الأخير، إذ قدم الجانبان روايات متضاربة بشأن بدايته.
وقالت حكومة إقليم تيغراي إن القوات الفيدرالية شنت الهجوم أولًا، وإنها أمرت قواتها بالرد، ووصفت ذلك بأنه "حرب دفاعية". في المقابل، قال غيتاتشو ريدا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إن جبهة تحرير شعب تيغراي شنت "هجومًا شاملًا" على مواقع حكومية في عفر وأمهرة، وسيطرت على المطارات الثلاثة في تيغراي، متهمًا الجبهة بالوصول بممارساتها غير المسؤولة إلى "مستويات جديدة".
ويأتي تجدد العنف هذا الأسبوع بعد نحو شهرين من اشتباكات محدودة. وقالت منظمة "مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة" (ACLED)، وهي منظمة غير حكومية، إن القتال بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية بدأ قرب الحدود الإثيوبية مع السودان في الأول من أغسطس/آب. واتهم الجانبان أيضًا بعضهما بعضًا ببدء تلك الاشتباكات.
وبحسب المنظمة، أعقبت ذلك ضربات بطائرات مسيّرة شنتها القوات الفيدرالية، وتحركات لقوات تيغراي، التي دفعت بالدبابات والمدفعية جنوبًا هذا الشهر.
وعلقت شركة الخطوط الجوية الإثيوبية جميع رحلاتها إلى تيغراي بعد السيطرة على المطارات.
كيف وصلت إثيوبيا إلى هذه المرحلة؟
كانت جبهة تحرير شعب تيغراي ذات يوم أقوى قوة سياسية في إثيوبيا. فقد هيمنت على الائتلاف الذي حكم البلاد لنحو ثلاثة عقود، رغم أن أبناء تيغراي يشكلون نسبة صغيرة نسبيًا من سكان إثيوبيا.
وتغير ذلك بعد أن تولى آبي أحمد منصب رئيس الوزراء في عام 2018، عقب سنوات من الاحتجاجات المناهضة للحكومة. وأجرى آبي أحمد إصلاحات سياسية وأبرم اتفاق سلام مع إريتريا المجاورة، ما أكسبه جائزة نوبل للسلام بعد عام.
لكن العلاقات مع جبهة تحرير شعب تيغراي تدهورت. ففي عام 2019، استبدل آبي أحمد الائتلاف الحاكم القديم بحزب الازدهار، ورفضت الجبهة الانضمام إليه.
وبعد تأجيل الانتخابات الوطنية بسبب جائحة "كوفيد-19"، أجرى إقليم تيغراي انتخاباته الإقليمية الخاصة رغم اعتراضات أديس أبابا.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، هاجمت قوات تيغراي قواعد عسكرية تابعة للحكومة الفيدرالية في الإقليم. وأرسل آبي أحمد قوات إلى الإقليم، ثم شاركت القوات الإريترية ومقاتلون من أمهرة إلى جانب الجيش الفيدرالي.
وبحلول انتهاء الحرب بعد عامين، كان ملايين الأشخاص قد نزحوا من ديارهم، ودُفعت أجزاء من تيغراي إلى حافة المجاعة. وواجه الجانبان اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
لماذا فشل اتفاق السلام؟
انتهت الأعمال العدائية عندما وقعت الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي اتفاقًا بوساطة الاتحاد الإفريقي في بريتوريا بجنوب إفريقيا، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وبموجب الاتفاق، كان من المقرر أن تسلّم قوات تيغراي أسلحتها، وأن تعود السلطة الفيدرالية إلى الإقليم. كما نص الاتفاق على استئناف المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، وأُنشئت لاحقًا إدارة انتقالية لحكم تيغراي إلى حين إجراء الانتخابات.
لكن خلافات رئيسية ظلت قائمة، من بينها النزاع على أراضٍ تطالب بها كل من تيغراي وأمهرة، وعودة الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحرب. وفي الوقت نفسه، لم تكن إريتريا، التي قاتلت قواتها إلى جانب القوات الفيدرالية، طرفًا في الاتفاق.
وقال سورافيل غيتاهون، الباحث الإثيوبي في الشؤون الجيوسياسية، لـCNN: "الاتفاق لم يتداعَ بين ليلة وضحاها، بل جرى تفريغه من مضمونه بصورة منهجية على مدى ثلاث سنوات".
وأضاف غيتاهون أن الجانبين يتحملان المسؤولية. واتهم الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ أجزاء أساسية من الاتفاق، بما في ذلك إعادة النازحين، كما اتهم جبهة تحرير شعب تيغراي بانتهاكه من خلال استعادة السيطرة على الإدارة الإقليمية وإعادة بناء قواتها العسكرية.
كما انقسمت جبهة تحرير شعب تيغراي بسبب صراع داخلي على السلطة، ما أضعف عملية السلام بصورة أكبر. وظهرت فصائل متنافسة حول رئيس الجبهة، ديبريتسيون غبرميكائيل، ورئيس الإدارة الانتقالية في تيغراي، غيتاتشو ريدا، الذي كان أحد كبار مسؤولي الجبهة. وفي وقت لاحق، طرد فصيل غبرميكائيل ريدا من الحزب، وعيّن آبي أحمد قائدًا جديدًا للإدارة الانتقالية في أبريل/نيسان 2025.
وبعد شهر، استعاد فصيل غبرميكائيل السيطرة على حكومة تيغراي. وأعاد المجلس التشريعي الإقليمي الذي كان قائمًا قبل الحرب، وعيّن غبرميكائيل رئيسًا للإقليم.
ويوم الأحد، انضمت جبهة تحرير شعب تيغراي إلى 6 جماعات مسلحة أخرى في تحالف جديد يسعى إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد وإنشاء إدارة انتقالية. ويضم التحالف أعداء سابقين قاتلوا على طرفي النزاع في الحرب الماضية.
وقال المتحدث باسم جبهة تحرير شعب تيغراي، مايكل أسغدوم، لوكالة أسوشيتد برس، إن الجماعات ستتعاون سياسيًا وعسكريًا. وعندما سُئل عما إذا كان الانضمام إلى التحالف ينتهك اتفاق بريتوريا، قال أسغدوم إن الاتفاق "لم يعد ساريًا".
وكانت حركة "فانو" الوطنية في أمهرة قد قاتلت إلى جانب الحكومة الفيدرالية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي خلال الحرب الماضية، قبل أن تنقلب عليها في عام 2023. كما أن جيش تحرير أورومو، الذي يقاتل حكومة آبي أحمد منذ فترة طويلة في إقليم أوروميا، عضو أيضًا في التحالف.
وأفادت "رويترز"، الأربعاء، بأن قوات تيغراي تقاتل إلى جانب جماعة "فانو" في أمهرة وجماعة مسلحة محلية في عفر.
لكن غيتاهون شكك في قدرة التحالف على الاستمرار لفترة طويلة.
ولا تزال جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة "فانو" منقسمتين بشأن الأراضي المتنازع عليها، ولا سيما غرب تيغراي، كما أن لدى أعضاء التحالف أهدافًا سياسية وعسكرية مختلفة.
وقال غيتاهون: "هذا زواج مصلحة مؤقت ضد عدو مشترك، وليس اتفاقًا سياسيًا طويل الأمد".
وقالت بيلين سيوم، المتحدثة باسم آبي أحمد، لـ"رويترز"، الاثنين، إن الجماعات كانت تتعاون بالفعل بدعم مالي من إريتريا. وتدهورت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا منذ أن قاتلت قوات البلدين معًا في الحرب السابقة، رغم أن الحكومة الإريترية نفت مرارًا دعمها جماعات مسلحة إثيوبية.
وقال الاتحاد الإفريقي، الأربعاء، إن السيطرة على المطارات تتعارض مع اتفاق بريتوريا، وحث الطرفين على خفض التصعيد. كما طلب مساعدة الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، الذي ساهم في التوسط في اتفاق عام 2022.
هل يمكن أن تمتد الحرب إلى مناطق أخرى؟
لم تتعافَ تيغراي بعد من الحرب السابقة، إذ لا تزال المجتمعات المحلية تعيد بناء ما دمرته الحرب، فيما لا يزال العديد من النازحين غير قادرين على العودة إلى ديارهم.
وتواجه إثيوبيا بالفعل صراعات مسلحة في أمهرة وأوروميا، وتقول منظمة "مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة" إن الجيش الفيدرالي كان "مُنهكًا" قبل تجدد القتال مع جبهة تحرير شعب تيغراي. لكن الجماعات المسلحة المنضوية في التحالف الجديد تختلف في قدراتها القتالية؛ إذ تفتقر عدة جماعات إلى التنظيم أو المجندين اللازمين لشن عمليات واسعة، بينما تظل جماعات أخرى محصورة إلى حد كبير في مناطق محلية، وفقًا للمنظمة.
وهناك أيضًا خطر انخراط الجيش الإريتري في القتال. فقد تصاعدت التوترات بين البلدين بسبب مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، بما في ذلك عبر ميناء عصب الإريتري. وحث الاتحاد الإفريقي دول الجوار على تجنب أي تحركات يمكن أن تؤدي إلى تأجيج الصراع.
وتواجه المنطقة بالفعل تداعيات الحرب في السودان، إلى جانب التوترات المستمرة بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن نهر النيل.
وحذر غيتاهون من أن القتال الحالي قد يصبح أكثر تدميرًا من الصراع السابق.
وقال: "من المرجح أن تنتهي حرب متجددة بأن تكون أكثر دموية وانتشارًا بكثير من القتال الذي دار بين عامي 2020 و2022".
وأضاف أن "خفض التصعيد والحوار بشكل فوري" باتا ضروريين، معتبرًا أن المفاوضات تظل "المسار الوحيد القابل للاستمرار من أجل المضي قدمًا".
المصدر:
سي ان ان