في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
واشنطن- في سبتمبر/أيلول 2005، وصل إلى خليج غوانتانامو ضابط متحمس برتبة عقيد ويحمل شهادة الدكتوراه في القانون، إلى جانب مؤهلات أخرى في الإدارة والقضاء وتسوية النزاعات.
كان ذلك بعد مرور أعوام على بدء وصول ضيوف جورج بوش الابن إلى المعتقل الذي يقع في أرض لا تخضع لقانون وليس لأي قاضٍ عليها سلطان.
وعندما أدرك المدعي العام العسكري العقيد موريس ديفيس تورط الإدارة الأمريكية في عدم كفاية الأدلة، واستخدامها أساليب جديدة من التعذيب، وعظ رؤساءه بأهمية احترام القانون والحفاظ على سمعة الولايات المتحدة من التلوث.
ولكن أحدا لم يصغِ للمدعي العام، فقدم استقالته ووضع حدًّا لمستقبل مرموق في صفوف أقوى جيش في الكون.
القصة الكاملة للحياة في غوانتانامو، يرويها اليوم موريس للجزيرة نت، بمناسبة الذكرى الـ25 لأحداث سبتمبر/أيلول 2001.
يقول العقيد المتقاعد "لم أتخيل أن أجلس هنا اليوم في عام 2026 وأتحدث عن السجن بصيغة الحاضر. كنت أعتقد أن الأمر سينتهي قبل ذلك بكثير".
ولا يزال ديفيس "يشعر بالصدمة" من استمرار وجود السجن الأكثر رعبا والأسوأ سمعة في التاريخ الحديث، وهو الذي استقال من منصب رئيس الادعاء العام للسجن في عام 2007 بعد عامين من توليه، في محاولة، كما قال، للفت نظر العالم إلى ما يجري فيه.
وقد استهدفت الهجمات برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) بالقرب من العاصمة واشنطن.
ولمحاسبة المتورطين أو المشتبه في تورطهم أنشأت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 2002، سجنا في خليج غوانتانامو ب كوبا، ليكون خارج الأراضي الأمريكية وخارج سلطة القانون الأميركي.
وقد جلبت سي آي إيه نزلاء هذا السجن من دول ومناطق عديدة. وفي هذا المكان الذي يوصف بأنه سيئ الصيت توالت الروايات عن انتهاكات وتعذيب غير مسبوق.
يقول ديفيس إن الممارسات التي وقعت في سجن غوانتانامو، وحقيقة وجود أشخاص في السجن لأكثر من 20 عاما من دون محاكمة، تمثل "وصمة عار" في تاريخ أمريكا.
ويضيف أنه باستقالته في 2007، اعتقد أنه سيسلط الأضواء على القصص الإنسانية في السجن مما سيؤدي إلى إغلاقه.
أثناء عمله في السجن، التقى المدعي العام موريس ديفيس بالمتهمين بالتخطيط لهجوم 11 سبتمبر/أيلول. ويروي أن المسؤولين الأمريكيين "قالوا لنا إن هؤلاء هم أسوأ الأسوأ"، و"إنهم من النوع المستعد لقضم أنابيب محرك الطائرة من أجل إيذاء الأمريكيين"، يضيف ديفيس.
وقد طلب المدعي العام موريس ديفيس عقد مقابلات مع هؤلاء النزلاء بعد مرور سنوات على اعتقال أول فوج منهم في عامي 2002 و2003.
و"بعد المقابلات، علمتُ أن الكثير منهم لا يستحق أن يكون هنا. وأن كثيرين منهم تعرضوا للتعذيب. فقدمت استقالتي".
ويعتبر خالد شيخ محمد من أبرز الأسماء التي ارتبطت بغوانتانامو، ليس لأنه يتهم بأنه العقل المدبر لهجمات سبتمبر، ولا لأنه اعترف بذلك ولا لأنه ينتظر المحاكمة لنحو 20 عاما، "بل لأنه أحد أكثر المعتقلين تعرضا للتعذيب".
فقبل نقله لغوانتانامو، تم اعتقاله في مقرات سرية تابعة ل وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) لمدة 3 سنوات، تعرض خلالها لأبشع أساليب "التعذيب" التي تسميها الحكومة الأمريكية "الأساليب المعزَّزَة لنزع الاعترافات"، لأنها لا تعترف بكلمة "تعذيب".
وقد تعرض خالد شيخ محمد، وهو باكستاني الأصل، لعمليات إيهام بالغرق أكثر من 180 مرة، وانتزعت منه اعترافات كفيلة بإعدامه، لدرجة أنه وقف أمام القاضي في أولى جلسات المحاكمة، وقال "أنا أعترف بالذنب" في محاولة للحصول على صفقة. فقال له القاضي "مهلاً، لا يمكنك الاعتراف بالذنب في تهمة عقوبتها الإعدام".
وقد تأجلت محاكمة خالد بسبب خلل في الإجراءات وعدم قبول الادعاء العام الأخذ بالاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب.
ومؤخرا، أعلن قاضي المحاكم العسكرية في سلاح الجو الأمريكي المقدم مايكل شراما أن محاكمة "شيخ محمد" ستجرى في يونيو/حزيران 2028، وأن إجراءات ما قبل المحاكمة له ولثلاثة آخرين هم "وليد بن عطاش" و"علي عبد العزيز علي" و"مصطفى الحوساوي" ستبدأ في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام.
لكن العقيد موريس ديفيس يشكك في أن يحصل خالد شيخ محمد ورفاقه على محاكمة عادلة. ويقول "لا يهمني إن كانت المحاكمة مثالية، فالعالم لن ينظر لها على أنها عادلة أبدا بعد احتجازنا له لما يقرب من عقدين من الزمن".
ويضيف "لو كان هذا مواطنا أمريكيا تحتجزه دولة أخرى لعقدين من دون محاكمة لشعرنا باستياء شديد".
ويروي أن التعامل مع معتقلي النازية في نورمبرغ كان أفضل بكثير من تعامل الأمريكيين مع نزلاء سجن غوانتانامو.
ويرى أن عدم كفاية الأدلة قضية جعلت السلطات الأمريكية في ورطة، وهذا يتجلى في أنه لم يخضع للمحاكمة سوى 9 فقط من النزلاء الـ578، ومن هؤلاء التسعة أُدين اثنان فقط.
ويوضح أن الـ15 المتبقين يمثلون الحالات الأكثر تعقيدا.
"وحتى وإن كان خالد شيخ محمد سيمثل أمام المحكمة، فإن آخرين لن يمثلوا أمام القضاء ولن تفرج عنهم السلطات" وفق تقديره.
ويلفت إلى أن وضع السجناء في هذا المعتقل الهدف منه معاملتهم في مكان خارج نطاق القانون ولا يخضع لولاية القضاء الأمريكي.
ثم إن الإدارة الأمريكية "لم تهدف أصلاً لمحاكمة الناس ومحاسبتهم، بل لانتزاع معلومات منهم حول هجمات 11 من سبتمبر".
وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية نفسها تدرك أن بعض هؤلاء ليسوا مذنبين، إنما تتوقع فقط الحصول منهم على معلومات.
يبلغ متوسط تكلفة تشغيل سجن غوانتانامو سنويا ما يزيد على 540 مليون دولار من خزينة الحكومة الأمريكية. ويكلّف السجين الواحد نحو 40 مليون دولار في العام. ما يجعله السجن الأغلى تكلفة في العالم.
لذلك كان مسؤولون في إدارات أمريكية متعاقبة يريدون إغلاقه. لكن السجال السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي كان دائما السبب في بقائه مفتوحا.
ويذكر المدعي العام السابق للسجن العقيد موريس ديفيس أن الرئيس باراك أوباما في عامه الأول بالبيت الأبيض قرر إغلاق السجن، لكن ميتش ماكونيل الذي كان زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ حينها رد قائلاً "علينا التأكد أن أوباما لن يحصل على فترة رئاسية ثانية".
ويتهكم ديفيس بافتراض أنه "لو قال أوباما حينها إنه يُحب غوانتانامو، لسعى الجمهوريون لإغلاقه"، في إشارة إلى حتمية السجال بين الطرفين.
واليوم، تريد إدارة الرئيس دونالد ترمب تحويله لسجن لمن تصفهم بالمهاجرين "غير الشرعيين" أو "الخطرين". وهي فكرة يراها ديفيس "مريعة"، لأن فيها تكلفة باهظة والإدارة الأمريكية في غنى عنها.
ووفق المحللين، فإرسال المزيد من المعتقلين إليه، مِثل المهاجرين، سترفع التكلفة إلى مبالغ مضاعفة ترهق الخزينة الأمريكية التي بلغت مستويات الدين العام فيها حدا تاريخيا تعدى 40 تريليون دولار هذا العام.
وما يزال نحو 15 سجينا فقط في سجن غوانتانامو من أصل 578 معظمهم أفرج عنهم بعد سنوات من الاعتقال، من دون توجيه اتهامات.
عند سؤالنا للعقيد موريس ديفيس الذي شغل منصب المدعي العام السابق لغوانتانامو عن حجم الاهتمام بقضية السجن وإثارته للجدل في الأوساط الأمريكية حاليا، أجاب أن "99% من الأميركيين تقريبا لا يعلمون أن السجن ما يزال مفتوحا، والإدارات الأمريكية تستفيد من جهل الأمريكيين بهذا الأمر، مثلما تستفيد من جهلهم بملفات وقضايا مختلفة مثل غزة وإيران وأفغانستان والعراق".
في سياق متصل، تحدث موريس عما سماه بث الخوف والمشاعر المعادية للمسلمين في الولاية الثانية للرئيس ترمب، "لقد شهدنا الكثير من المشاعر المعادية للمسلمين -لا سيما منذ عودة الرئيس ترمب إلى السلطة- حيث سادت حالة قوية من العداء تجاههم. والكثير من أفراد الشعب الأمريكي يخلطون بين دول الشرق الأوسط جميعا ويختزلونها في صورة واحدة سلبية ومخيفة".
ويضيف "لا بد هنا من الإقرار ببراعة الإدارة في استغلال هذا الخوف وتوظيفه لدفع الناس نحو تبني المواقف التي تريدها"، ويختم بالقول إن "سعي الإعلام العربي لتغطية ما يتعلق بغوانتانامو مقارنة بالإعلام الأمريكي لا يقارن؛ فالإعلام الأمريكي يتجاهل الأمر تماما".
ويقول إن الأمريكيين يعانون من جهل مطبق ولا يعرفون موقع إيران على الخريطة وريما يخلطون بينها وأفغانستان والعراق، ما يمكن الإدارة الأمريكية من تضليلهم وتخويفهم من أعداء وهميين.
بيد أنه يرى أن 99% من الأمريكيين نسوا قضية غوانتانامو، لأن معظم وسائل الإعلام توقفت عن متابعتها.
وتحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ25 لأحداث 11 سبتمبر/أيلول في ولايات ومدن مختلفة أبرزها واشنطن وفرجينيا ونيويورك.
وفي كلمة له في واشنطن العاصمة، الثلاثاء، ربط ترمب بين "أحداث سبتمبر" وإيران، بالقول "لن ننسى أولئك الذين فقدوا حياتهم وأولئك الأبطال، نحن الآن نقاتل لأن لدينا أمة تريد الحصول على سلاح نووي وكانوا على وشك ذلك، والآن ليست لديهم أي فرصة للحصول على ذلك السلاح، وتمت معاقبتهم بشكل كبير".
وأراد ترمب من هذا الربط، وفق محللين، تصوير "الخطر الإيراني" كما يصفه، بأنه ينبع من النهج ذاته الذي سلكه عناصر تنظيم القاعدة الذين نفذوا "هجمات سبتمبر"، في محاولة لاستعادة الرأي العام الذي يرفض في استطلاعات الرأي استمرار حربه ضد إيران بسبب آثارها الاقتصادية والسياسية على الداخل الأمريكي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة