في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين قاعات المحاكم ومقار الجمعيات، ترسم منظمتان حقوقيتان دوليتان صورة سوداوية متقاربة لما يحدث في تونس: معارضون ينتظرون مصيرهم القضائي في "فرصة أخيرة"، وجمعيات تواجه التحقيق وتجميد الحسابات وخطر الحل.
ففي الوقت الذي تترقب 34 شخصية تونسية محطة قضائية حاسمة اليوم الخميس فيما يعرف بـ"قضية التآمر"، تقول هيومن رايتس ووتش إن حملة بدأت منذ عام 2024 أدت إلى "الإغلاق شبه الكامل" للحيز المدني الذي نشأ وازدهر بعد ثورة 2011.
واليوم الخميس، تنظر محكمة التعقيب التونسية في الطعون المتعلقة بـ34 شخصية من السياسيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان في "قضية التآمر"، في محطة تصفها منظمة العفو الدولية بأنها "الفرصة القضائية الأخيرة" لإلغاء إدانات تعتبرها جائرة وذات دوافع سياسية.
وتعود القضية إلى محاكمة جماعية انتهت في 18 أبريل/نيسان 2025 بإدانة 37 شخصا بتهم مرتبطة بأمن الدولة، وصدور أحكام تراوحت بين 4 و66 عاما سجنا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أيدت محكمة الاستئناف إدانات 34 منهم، وفرضت أحكاما تراوحت بين 5 و45 عاما.
ومن بين المسجونين في القضية شخصيات سياسية وحقوقية بارزة، بينها عياشي الهمامي وشيماء عيسى وأحمد نجيب الشابي وجوهر بن مبارك وعصام الشابي وغازي الشواشي ورضا بلحاج وخيام التركي وعبد الحميد الجلاصي والصحبي عتيق وسعيد الفرجاني.
وتقول العفو الدولية إن المحاكمة شابتها انتهاكات خطيرة لضمانات المحاكمة العادلة، وإن عددا من المتهمين محتجزون تعسفا منذ فبراير/شباط 2023 بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم. كما حذرت من تدهور صحة بعض السجناء، ومن تأثير موجات الحر داخل زنازين سيئة التهوية.
ولا تقف الأمور عند حدود المعارضة السياسية، ففي تقرير من 42 صفحة حمل عنوان "نعيش على وقت مستعار: قمع المجتمع المدني في تونس"، تقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات قمعت بصورة ممنهجة منظمات المجتمع المدني وأعضاءها منذ 2024.
وتوثق المنظمة استخدام الملاحقات القضائية والاعتقال والاحتجاز والتحقيقات المالية والجنائية وتعليق الجمعيات والتهديد بحلها.
وبحسب التقرير، لاحقت السلطات منذ 2024 ما لا يقل عن 47 شخصا مرتبطين بمنظمات غير حكومية، بينما ظل 10 أشخاص على الأقل رهن الحبس الاحتياطي أكثر من 14 شهرا، وهي المدة القصوى المسموح بها بموجب القانون التونسي.
وبعد محاكمات جرت خلال العام الجاري والذي قبله، أُدين 14 شخصا على الأقل مرتبطين بالمجتمع المدني وحُكم عليهم بالسجن، بينهم المدافعة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح، التي صدر بحقها في مارس/آذار 2026 حكم بالسجن ثماني سنوات وغرامة مالية في قضية تقول هيومن رايتس ووتش إنها قامت على تهم تعسفية واتهامات كاذبة باقتراف جرائم مالية.
وامتدت الإجراءات إلى المؤسسات، ففي نهاية 2024، قبيل الانتخابات الرئاسية، أخضعت السلطات 10 جمعيات على الأقل للتحقيقات، بينها المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية ومنظمة "أنا يقظ" المعنية بمكافحة الفساد.
وأدت التحقيقات، وفق هيومن رايتس ووتش، إلى تجميد الحسابات المصرفية لجمعيتين على الأقل، بالتوازي مع قيود مصرفية أخرى شملت إغلاق حسابات بالعملة الصعبة أو حجب تحويلات مالية أجنبية.
وبين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم بين أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026، رصدت المنظمة تعليق عمل 20 جمعية على الأقل، مشيرة إلى تعذر معرفة العدد الكامل في غياب بيانات رسمية.
وتواجه بعض الجمعيات الآن احتمال الحل. وينقل التقرير عن محامين قولهم إن طعون نحو 30 جمعية رُفضت، بينما تواجه جمعية "الخط" الناشرة لمنصة "إنكفاضة" الإعلامية المستقلة وجمعية "منامتي" إجراءات حل.
وتطالب العفو الدولية بإلغاء الإدانات في قضية التآمر والإفراج عن المحتجزين تعسفا، بينما تحث هيومن رايتس ووتش على وقف التحقيقات والملاحقات التي تصفها بالتعسفية، وعلى إطلاق سراح العاملين في المنظمات والمدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين بسبب عملهم المشروع.
وتربط هيومن رايتس ووتش التطورات كذلك بوضع القضاء، قائلة إن استقلاله تعرض لضربة كبيرة منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد عام 2022، كما تحذر من مشاريع قوانين قد تمنح الحكومة سلطات أوسع على إنشاء الجمعيات وأنشطتها وتمويلها.
المصدر:
الجزيرة