في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وصلت العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل إلى أدنى مستوى لها منذ عقود، فلم يجرِ رئيسا الحكومتين أي اتصال هاتفي منذ أكثر من عام، وذلك في وقت تستعد فيه حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية، وتهدد إسرائيل باتخاذ إجراءات مضادة.
وفي أحدث مؤشرات التوتر -كما تقول صحيفة فايننشال تايمز البريطانية- انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بريطانيا في حديث عبر بودكاست الشهر الماضي، مشيرا إلى أنه "قال أحدهم إن أول جمهورية إسلامية تمتلك أسلحة نووية ستكون الجمهورية الإسلامية في بريطانيا".
وصلت العلاقات -وفق أحد المطلعين- إلى "القاع" بين بريطانيا وإسرائيل، وقد يستلزم إصلاحها "رحلة طويلة"
أما يائير ابن نتنياهو، فقد وصف حكومة حزب العمال البريطاني بأنها "معادية للسامية وشيوعية وجهادية" -وفق الصحيفة ذاتها- ووصفت لندن تصريحات نتنياهو بأنها "غير مقبولة تماما".
وتؤكد فايننشال تايمز أن جذور الأزمة تعود إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، قبل أن تتعمق مع تصاعد عنف المستوطنين وخطط الحكومة الإسرائيلية لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة.
وتشير الصحيفة تحديدا إلى "خطة إي 1" التي تهدد بتقويض حل الدولتين، والتي تهدف لبناء نحو 3 آلاف وحدة سكنية بمنطقة "إي 1" بالضفة الغربية، وفق الصحيفة.
وقد أعلن وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند، وهو نائب يهودي توفي جده في معتقل نازي، أمام مجلس العموم أمس الثلاثاء، أن بلاده "لن تقبل بتدمير حل الدولتين" متعهدا بإجراءات شاملة خلال الأسابيع المقبلة ردا على الخطة.
ويعد ذلك تغيرا لافتا في موقف بريطانيا، إذ أكدت بداية الحرب دعمها "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها " لكن موقف لندن تحول ليصبح انتقاديا أكثر مع تراكم الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين والضغط من الداخل البريطاني.
ويأتي التصعيد في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية في الجانبين، فنتنياهو يستعد لانتخابات عامة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول، كما يحاول بيرنهام استمالة ناخبين من حزب الخضر المؤيد للقضية الفلسطينية، مما يقلل الحافز السياسي لدى الطرفين لتقديم تنازلات أو تهدئة الخلاف.
وخلال فترة حكومة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، علقت بريطانيا بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وأوقفت مفاوضات اتفاق تجارة حرة جديد معها، وفرضت عقوبات على وزراء إسرائيليين، كما اعترفت بالدولة الفلسطينية.
بدورها تدرس حكومة بيرنهام -بحسب فايننشال تايمز- فرض قيود على التجارة المرتبطة بالمستوطنات، وهي خطوة تحظى بتأييد 50% من البريطانيين مقابل 16% يعارضونها، بينما لم يحسم الباقون موقفهم، وفق ما نقلته الصحيفة عن استطلاع لمؤسسة "يوغوف".
بحسب مسؤول إسرائيلي سابق مطلع على العلاقات مع لندن "سئمت" حكومات أوروبية أخرى من حكومة نتنياهو لكنها تفضل الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية
ونقلت فايننشال تايمز عن مصادر مطلعة قولها إن العقوبات الواسعة قد تتحول إلى مقاطعة تجارية شاملة لإسرائيل، كما حذر البعض من أن العقوبات قد تتعارض مع تشريعات أمريكية مناهضة لمقاطعة إسرائيل.
في المقابل، هدد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بالرد على أي إجراءات بريطانية، قائلا إن لإسرائيل "أدوات" ستستخدمها إذا تحركت لندن ضدها، بحسب الصحيفة.
وتدرس إسرائيل أيضا إبعاد مسؤولين بريطانيين، بينهم ضابط برتبة أميرال، من مركز التنسيق المدني العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن مرحلة ما بعد الحرب في غزة، إذا فرضت بريطانيا عقوبات جديدة.
ويأتي ذلك وسط تحذيرات من الطرفين من أن التوتر قد يضر بعلاقات التعاون الاستخباراتي والدفاعي التي تطورت خلال السنوات الماضية، إلى جانب التجارة الثنائية التي بلغت نحو 6.2 مليارات جنيه إسترليني سنويا (8.4 مليارات دولار سنويا) حسب إحصائيات التقرير.
ولا تقتصر الأزمة على بريطانيا -وفق فايننشال تايمز- فبحسب مسؤول إسرائيلي سابق مطلع على العلاقات مع لندن فإن حكومات أوروبية أخرى "سئمت" من حكومة نتنياهو، لكنها تفضل الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية قبل اتخاذ خطوات أكثر صرامة.
وقد طردت إسرائيل هذا العام ممثلين عن إسبانيا وهولندا، وقد يواجه ممثلو ألمانيا وإيطاليا إجراءات مماثلة إذا تبنت حكومتاهما موقفا أكثر تشددا ضد إسرائيل، طبقا لتوقعات الصحيفة.
ويعكس ذلك تدهورا أوسع في علاقات إسرائيل مع أوروبا، إلا أن اتساع الخلاف لا يعني قطيعة فورية، فالعقوبات البريطانية قد يستغرق تطبيقها أشهرا، مما قد يؤخر تنفيذها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
وتزامن التصعيد السياسي مع تفاقم هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، وقد شملت الطالب البريطاني في كلية لندن للاقتصاد فين جوغين (22 عاما) أثناء وجوده في قرية أم الخير قرب الخليل حيث كان يدرّس الإنجليزية للأطفال الفلسطينيين خلال الصيف.
وقال جوغين لصحيفة تايمز البريطانية إنه أثناء مشاركته في ما يعرف بـ"الوجود الوقائي" لمنع المستوطنين من أعمال العنف والتخريب، ومحاولته حماية سياج بالقرية، اختطفه مستوطنون مسلحون وحبسوه تحت تهديد السلاح في ملجأ قنابل لمدة نصف ساعة على الأقل.
وعندما حضر أفراد الشرطة الإسرائيلية اعتقلوه بدلا من ملاحقة المعتدين، وزعموا أنه مشتبه فيه بالتحرش بقاصر، وهو ما نفاه محاميه تماما، طبقا للصحيفة.
والوجود الوقائي نشاط يقوم فيه متطوعون أجانب أو ناشطون بالإقامة أو الوجود إلى جانب الفلسطينيين في مناطق بالضفة الفلسطينية تشهد اعتداءات من المستوطنين، بهدف ردع العنف من خلال المراقبة والحضور، وتوثيق ما يحدث والإبلاغ عنه.
واقتيد الناشط البريطاني إلى الشرطة حيث خضع للاستجواب، قبل أن تقرر إسرائيل نقله إلى سلطة السكان والهجرة، وبينما كان ينتظر جلسة أمام محكمة في القدس، أُجريت له بسرعة جلسة تمهيدية للترحيل، وانتهت الإجراءات بقرار إبعاده وإعادته إلى بريطانيا.
ويطالب جوغين الحكومة البريطانية بإدانة عنف المستوطنين بأشد اللهجات، فضلا عن تسليط الضوء على "التواطؤ" في السماح باستمرار هذا العنف ومحاولات تهجير أهالي قرية أم الخير المهددين بهدم منازلهم قريبا، وفق ما نقلته تايمز.
أما فايننشال تايمز فقد خلصت إلى أن تدهور العلاقات الإسرائيلية البريطانية ليس سابقة تاريخية، إذ شهدت أزمات حادة بعد أزمة السويس عام 1956، وأوائل الثمانينيات بسبب السياسات الإسرائيلية في لبنان والضفة الفلسطينية، وعام 1982 فرضت حكومة رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر حظرا على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل بسبب غزو لبنان.
لكن محللين ومسؤولين سابقين يرون أن الأزمة الحالية قد تكون أعمق، إذ وصلت العلاقات -وفق أحد المطلعين- إلى "القاع" بين بريطانيا وإسرائيل، وقد يستلزم إصلاحها "رحلة طويلة" أيا كانت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بحسب الصحيفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة