في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أيام من انتخابات قد تصنع سابقة في ألمانيا، تقف ولاية ساكسونيا-أنهالت أمام مفارقة لافتة بين اقتصاد يعاني نقص الأيدي العاملة ويعتمد بصورة متزايدة على الكفاءات الأجنبية، في مقابل صعود حزب جعل من تشديد الهجرة وإعادة المهاجرين إلى بلدانهم ركنا أساسيا في خطابه السياسي.
ومع اقتراب حزب " البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف من تحقيق فوز تاريخي في انتخابات برلمان الولاية، انتقلت المخاوف من مصير المهاجرين إلى سؤال أوسع بشأن الكلفة الاقتصادية والسياسية لوصول الحزب إلى الحكم، وسط تحذير المستشار فريدريش ميرتس من أن النتيجة قد تدفع المستثمرين الدوليين إلى الابتعاد عن ساكسونيا-أنهالت وتلحق بها "أضرارا جسيمة".
وقال ميرتس -في مقابلة مع القناة الأولى بالتلفزيون الألماني- إنه لا يستطيع أن يتصور قدوم مستثمرين دوليين لإقامة شركات ومشاريع جديدة في الولاية، في ظل وجود رئيس حكومة ينتمي إلى حزب البديل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القرار في نهاية المطاف يعود إلى الناخبين.
وتأتي تحذيرات المستشار الألماني بينما تمنح استطلاعات الرأي الحزب اليميني المتطرف نحو 40% من نيات التصويت، بفارق يقارب 20 نقطة مئوية عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يتولى حاليا قيادة حكومة الولاية.
ويأمل حزب البديل في تحويل تقدمه إلى سابقة سياسية تمنحه قيادة إحدى الولايات الألمانية للمرة الأولى، في اختبار لا تقتصر تداعياته على ساكسونيا-أنهالت، بل يمتد إلى مستقبل الحزب على المستوى الاتحادي وقدرة الأحزاب التقليدية على مواصلة عزله سياسيا.
أقر ميرتس بأن حزبه يخوض الانتخابات في "ظروف صعبة"، وقال إنه سيستغل الأيام الأخيرة من الحملة لفعل كل ما هو ممكن لمنع تشكيل حكومة بقيادة حزب البديل، مشيرا إلى أن جزءا من الناخبين لم يحسم خياره بعد.
ويرأس الاتحاد الديمقراطي المسيحي حاليا حكومة ساكسونيا-أنهالت ضمن ائتلاف، لكن تفوق حزب البديل في استطلاعات الرأي يضع الحزب المحافظ أمام واحدة من أصعب معاركه الانتخابية في شرق ألمانيا.
ورفض ميرتس الخوض في شكل الائتلافات المحتملة بعد الانتخابات، بينما يتمسك حزبه بما يعرف في السياسة الألمانية بـ"الجدار العازل"، الذي يستبعد التعاون مع حزب البديل.
لكن هذه السياسة قد تجعل تشكيل حكومة بديلة أكثر تعقيدا إذا تصدر الحزب اليميني المتطرف النتائج من دون تحقيق أغلبية تمكنه من الحكم منفردا، خصوصا في ظل رفض الاتحاد الديمقراطي المسيحي أيضا التعاون مع حزب اليسار.
ويعطي حزب البديل للانتخابات أهمية تتجاوز حدود الولاية، إذ تأمل قيادته في أن يتحول تحقيق نتيجة قوية في ساكسونيا-أنهالت إلى دفعة إضافية لمساعيه للوصول إلى السلطة على المستوى الوطني.
ويأتي الصعود الانتخابي للحزب في ظل خطاب متشدد تجاه الهجرة، وهو ما أثار مخاوف لدى أعداد من المهاجرين المقيمين في الولاية، بعضهم بات يفكر في المغادرة إذا وصل الحزب إلى الحكم.
وكان نحو 150 مطعما وكشكا وصالون حلاقة يديرها مهاجرون في ماغديبورغ، عاصمة ساكسونيا-أنهالت، قد أغلقت أبوابها مؤقتا احتجاجا على ما وصفوه بتنامي مناخ معاد للأجانب.
كما قالت منظمة "مجلس اللاجئين" إن مهاجرين أبلغوا عن تجارب عنصرية وإقصاء اجتماعي، وإن الحديث عن عمليات ترحيل واسعة زاد شعورهم بالخوف وعدم اليقين.
وتعهد أولريش سيغموند، أبرز مرشحي حزب البديل لتولي رئاسة حكومة الولاية، بترحيل الأجانب الموجودين في البلاد بصورة غير قانونية منذ بداية توليه المنصب، بينما يقول الحزب إن الهجرة النظامية وفق معايير محددة لن تكون موضع اعتراض.
وتشمل طروحات الحزب تشديد سياسات الهجرة وإعادة المهاجرين، في وقت تبقى فيه أجزاء أساسية من سياسة اللجوء والهجرة خاضعة للقوانين والسلطات الاتحادية، مما يحد من قدرة أي حكومة ولاية على تنفيذ بعض هذه التعهدات منفردة.
وتكشف قضية الهجرة عن مفارقة تواجه ساكسونيا-أنهالت، إذ تأتي الدعوات إلى تقليص أعداد المهاجرين في ولاية تعاني منذ سنوات من تراجع عدد السكان ونقص العمالة المؤهلة.
وحذر اقتصاديون وأصحاب أعمال من أن تشديد سياسات الهجرة قد يزيد صعوبة جذب الكفاءات الشابة وسد الفجوات في سوق العمل، خصوصا مع خروج أعداد متزايدة من العاملين إلى التقاعد.
وقال سفين شولتسه، المرشح عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي، إنه مقابل كل شخصين يغادران سوق العمل حاليا يدخل شخص واحد فقط، معتبرا أن سكان الولاية والمناطق المجاورة لا يستطيعون سد هذه الفجوة بمفردهم.
ويظهر هذا الاعتماد بصورة خاصة في القطاع الصحي، حيث يعمل آلاف الأطباء والممرضين من أصول أجنبية.
وقال ماتياس فوث، مدير عيادة في كويدلينبورغ، إنه لن يكون قادرا على مواصلة تشغيل المستشفى من دون العاملين المؤهلين من أصول أجنبية، مضيفا أنه سيضطر إلى إغلاقه إذا فقد هذه الكفاءات.
ومن بين هؤلاء طبيب القلب السوري الأصل أيمن اليوسف، الذي وصل إلى ألمانيا عام 2014 ويحمل الجنسية الألمانية، ويقول إنه يرغب في البقاء لكنه قد يرحل إذا شعر بأن الكراهية ضد الأجانب تتزايد.
وتضع انتخابات ساكسونيا-أنهالت ميرتس أمام اختبار سياسي يتجاوز حدود الولاية، بعدما تعهد المستشار الألماني بالحد من جاذبية حزب البديل من خلال تشديد سياسات الهجرة والعمل على إنعاش الاقتصاد.
ويشارك ميرتس، اليوم الاثنين، للمرة الأولى في فعالية انتخابية بساكسونيا-أنهالت إلى جانب مرشح حزبه لرئاسة حكومة الولاية سفين شولتسه، في محاولة لدعم الحزب قبل أقل من أسبوع على الاقتراع. ويأتي ذلك رغم حرص شولتسه خلال حملته على إظهار مسافة من بعض مواقف قيادة الحزب على المستوى الاتحادي، إذ عارض في الأشهر الماضية جانبا من إصلاحات التقاعد التي يتبناها ائتلاف ميرتس الحاكم.
وبين تحذير ميرتس من عزوف المستثمرين، ومخاوف المهاجرين من سياسات الترحيل، وحاجة سوق العمل إلى العمالة الأجنبية، تتجه ساكسونيا-أنهالت إلى انتخابات قد تحدد نتيجتها ليس فقط هوية من يحكم الولاية، بل أيضا المدى الذي وصل إليه تحول حزب البديل من حزب احتجاجي إلى منافس فعلي على السلطة في ألمانيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة