يُطلق عليها رسميا اسم "أجهزة الاستخبارات" لكنها في الواقع هي "المكتب الاتحادي لحماية الدستور" و"جهاز الاستخبارات الاتحادي" (BND). يعمل كلاهما في الخفاء، أحدهما داخل البلاد والآخر في الخارج. ولطالما اشتكيا من أن صلاحياتهما أقل من صلاحيات ما يُسمى بـ"الأجهزة الصديقة".
سواء كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في الولايات المتحدة أو الموساد في إسرائيل أو نظيراتها في بريطانيا وفرنسا ، فجميعها تنشط ميدانيا. أما أجهزة الاستخبارات الألمانية في المقابل فلا يُسمح لها بموجب القانون الساري إلا بشيء واحد أساسي: جمع المعلومات. وتريد الحكومة الاتحادية تغيير هذا الوضع في أسرع وقت ممكن.
ولكي تتمكن ألمانيا من التصدي بشكل أفضل للتهديدات الداخلية والخارجية أقرت الحكومة الاتحادية يوم الأربعاء (12 أغسطس/آب 2026) مشروع قانون. ولا يزال مشروع القانون بحاجة إلى موافقة البرلمان الذي تنتهي عطلته الصيفية في أوائل سبتمبر. لكن يُعتبر أن حصول مشروع القانون على الضوء الأخضر من البوندستاغ ، يمتك فيه ائتلاف المحافظين (CDU/CSU) والاشتراكيين الديمقراطيين (SPD) أغلبية، سيكون مجرد إجراء شكلي.
ومن المتوقع أن تبدأ حقبة جديدة لأجهزة الاستخبارات في أوائل عام 2027 حيث ستتجاوز صلاحياتها نطاق الصلاحيات الحالية بشكل كبير. وسيصبح من الممكن عندئذٍ على سبيل المثال التصدي لهجوم إلكتروني عن طريق تعطيل أنظمة تكنولوجيا المعلومات المعادية.
وإذا ازدادت الأوضاع خطورة وحدثت حالة توتر أو حالة دفاع عسكري فسيكون بإمكان جهاز الاستخبارات الفيدرالي القيام بأعمال تخريبية في الخارج. علاوة على ذلك سيحصل جهاز الاستخبارات الفيدرالي (BND) شأنه شأن جهاز حماية الدستور على صلاحية التلاعب بالبيانات أو حذفها.
كما يُقترح تفويض جهاز الاستخبارات الداخلية بالدخول إلى المنازل دون إذن قضائي. ولا يُسمح حتى للشرطة بذلك فهي تحتاج إلى موافقة صريحة من القضاء. ويتفق المؤيدون والمعارضون على أن الإصلاح ككل سيكون الأكبر في تاريخ ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
في ذلك الوقت تم وضع نظام للصلاحيات المنفصلة كدرس مستفاد من الفظائع التي ارتكبتها الشرطة السرية للدولة (الغستابو) خلال الحقبة النازية: ومنذ ذلك الحين أصبحت أجهزة الاستخبارات مسؤولة بشكل أساسي عن جمع المعلومات، بينما تتولى الشرطة مهام درء الأخطار والملاحقة الجنائية. وهذا ما يُعرف بـ"مبدأ الفصل"، الذي يبدو أنه الآن سيتلاشى.
ألمانيا، برلين 2026 ، مؤتمر صحفي لنينا واركن وألكسندر دوبرينتصورة من: Metodi Popow/IMAGO
كما سيُمنح كل من جهاز الاستخبارات الألماني (BND) وجهاز حماية الدستور صلاحيات جديدة حتى في مجال عملهما الأساسي الحالي وهو جمع المعلومات وتحليلها. ويشمل ذلك تحليل كميات كبيرة من البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي ومقارنة البيانات البيومترية مع البيانات الموجودة على الإنترنت. كما سيتم تمديد فترات الاحتفاظ بالبيانات.
تعتبر "جمعية حقوق الحرية" (Die Gesellschaft für Freiheitsrechte) أن مشروع القانون الشامل الذي قدمته الحكومة الفيدرالية والذي يزيد عدد صفحاته عن 700 صفحة غير دستوري في أجزاء كبيرة منه. وفيما يتعلق بجهاز الاستخبارات الداخلية فإن الوصول الواسع النطاق إلى كاميرات المراقبة الخاصة والعامة في الوقت الفعلي يمثل مشكلة على وجه الخصوص، كما أجاب خبير الجمعية كاي ديتمان على استفسار كتابي من "DW دويتشه فيله".
وينطبق الأمر نفسه من وجهة نظر الجمعية غير الربحية، التي تمول من التبرعات، على المقارنة البيومترية مع الصور المتاحة للجمهور على الإنترنت وتدريب الذكاء الاصطناعي باستخدام البيانات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات . وينتقد ديتمان ذلك قائلا: "لا توجد حدود كافية ومحددة بوضوح لمثل هذه التدخلات الجذرية التي تؤثر بشكل خاص على عدد لا يحصى من الأبرياء".
كما أن الصلاحيات الإضافية المخطط منحها لجهازي الاستخبارات الألمانية تعتبر من وجهة نظر جمعية "حقوق الحرية" مشكوك فيها من الناحية الدستورية: فمن المحتمل ألا يقتصر دور جهاز الاستخبارات الخارجية على جمع المعلومات فحسب، بل أن يتولى بنفسه صد الأخطار والعمل داخل الأراضي الألمانية وتنفيذ إجراءات إلكترونية استباقية. "وهذا يؤدي إلى طمس الحدود الدستورية بين جهاز الاستخبارات والشرطة والجيش"، كما ينتقد ديتمان.
كما تساور جمعية حقوق الحرية مخاوف شديدة بشأن الإصلاح المزمع للرقابة على أجهزة الاستخبارات والتي من المقرر أن يتم تجميعها في مجلس الرقابة المستقل. وفي الوقت نفسه من المقرر سحب صلاحية مراقبة أنشطة الاستخبارات إلى حد كبير من المفوضة الاتحادية لحماية البيانات وحرية المعلومات. ويخلص ديتمان إلى القول: "ستحصل الأجهزة على سلطة أكبر بكثير ، بينما من المرجح أن تضعف الرقابة في حالات الشك".
وتتفق مع هذا الرأي كلارا بونغر، الخبيرة في الشؤون السياسية الداخلية لحزب اليسار المعارض: "نظرا لأن أجهزة الاستخبارات لن تكون ملزمة في المستقبل بإبلاغ الأشخاص المعنيين في كثير من الحالات فإن الحماية القانونية الفعالة لم تعد مضمونة". وتعلن بونغر أن حزب اليسار يعارض إعادة هيكلة الدولة بشكل استبدادي قائلة: "يجب ألا تكون هناك شرطة سرية في ألمانيا أبدا مرة أخرى".
في غضون ذلك تأتي من حزب الخضر ، الذي ينتمي هو الآخر إلى المعارضة، عبارات الثناء والانتقاد. ويعتبر خبير الشؤون الاستخباراتية في الحزب، كونستانتين فون نوتز أن الإصلاح "ضروري بشكل ملح". كما أكد لوكالة الأنباء الفرنسية أنه يؤيد "صلاحيات أقوى" لجهاز الاستخبارات الألماني . في المقابل يرى أن الصلاحيات المخطط لها لجهاز حماية الدستور "يصعب التوفيق بينها" وبين ما يُعرف بمبدأ الفصل بين صلاحيات أجهزة الاستخبارات وصلاحيات الشرطة.
كما أعرب اتحاد اقتصاد الإنترنت عن مخاوفه: فقد أكد عضو مجلس الإدارة كلاوس لاندفيلد أن أجهزة الاستخبارات تحتاج إلى قدرات تقنية حديثة في ضوء الوضع الأمني المتغير، "لكن الحد الأقصى يتم بلوغه عندما تبدأ الدولة في إيجاد مصلحة في إبقاء الثغرات الأمنية مفتوحة من أجل عمليات الوصول الخاصة بها. يجب سد نقاط الضعف هذه ولا يجوز أن تصبح أداة لعمليات الوصول التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات".
ألمانيا ، لجنة التحقيق المعنية بالتخلي عن الطاقة النوويةصورة من: Bernd Elmenthaler/IMAGOفي غضون ذلك لا يرى مارك هنريشمان، رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على أجهزة الاستخبارات أي مشكلة في هذا الشأن: "أعتقد أن الوقت قد حان الآن للثقة في دولتنا وكذلك في أجهزة الأمن الخاصة بنا"، هكذا قال عضو الحزب المسيحي الديمقراطي في بودكاست "Table Media". وأضاف أن ألمانيا تمتلك أجهزة الاستخبارات الأكثر خضوعا للرقابة في العالم وأنه ينبغي أن يظل الوضع على ما هو عليه.
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW