حذّرت الاستخبارات الإسرائيلية من احتمال استهداف إيران لطائرة ترامب الرئاسية خلال وجوده في العاصمة التركية الشهر الماضي، غير أن مسؤولين في أنقرة شككوا بصحة تلك المعلومات، وربطوا توقيت ظهورها بالخلاف بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن التعامل مع إيران، وفقاً لما أورده موقع "ميدل إيست آي".
تعود القضية إلى الثامن من يوليو/تموز، حين لاحظ صحافيون انتشار وحدات أمنية تركية إضافية بصورة غير معتادة في محيط مطار أنقرة، حيث كانت طائرة "إير فورس وان" متوقفة، بالتزامن مع اليوم الثاني من قمة الناتو.
وكانت السلطات التركية قد فرضت إجراءات أمنية واسعة خلال القمة التي انعقدت في 7 و8 يوليو/تموز، شملت إغلاق طرق وأرصفة ومنح موظفي القطاع العام إجازة إدارية لمدة أسبوع، فيما بدت أجزاء واسعة من العاصمة شبه خالية.
كما جرى تجهيز قاعدة إتيمسغوت التابعة لسلاح الجو التركي، والمعروفة رسمياً باسم مطار أنقرة، لاستقبال المشاركين في القمة، نظراً إلى قربها من موقع انعقاد الاجتماعات، بما يسمح لرؤساء الدول بالوصول إليه في غضون نحو عشر دقائق.
وسط تلك التدابير، أبلغ مسؤولون أمريكيون نظراءهم الأتراك بتلقيهم تقريراً استخباراتياً من إسرائيل يتحدث عن احتمال استهداف إيران للرئيس الأمريكي، بحسب أشخاص مطلعين تحدثوا إلى "ميدل إيست آي".
ووفقاً للمصادر نفسها، حذّرت المعلومات من إمكانية استهداف طائرة ترامب الجديدة قرب مطار أنقرة . ونقل الموقع عن أحد المطلعين قوله إن السيناريو المفترض يقوم على استخدام صواريخ محمولة على الكتف من طراز "مانبادز"، وإطلاقها من مسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً.
وزاد موقع المطار من المخاوف الأمنية، إذ تحيط به مبانٍ مدنية يقع بعضها على بعد نحو 500 متر فقط من المدرج، على خلاف مطار إسنبوغا الدولي، حيث تفصل مسافات أكبر بين المنشآت المدنية ومحيط المطار.
ودفع التحذير جهاز الخدمة السرية الأمريكي إلى طلب احتياطات إضافية، وفق التقرير. وفي مرحلة أولى، تقرر نقل رحلة مغادرة ترامب إلى مطار إسنبوغا، قبل إعادة طائرة "إير فورس وان" القديمة، المجهزة بأنظمة دفاعية لم تكن متوفرة في الطائرة الجديدة.
وتعامل بعض المسؤولين الأمريكيين مع هذه المزاعم على أنها جدية في ضوء اتهامات سابقة وجهتها واشنطن إلى طهران بالتخطيط لاستهداف ترامب وشخصيات أمريكية أخرى.
ففي يوليو/تموز 2024، أوقفت السلطات الأمريكية الباكستاني آصف ميرشانت على خلفية مخطط مزعوم لقتل سياسيين أمريكيين، قيل إن ترامب ربما كان من بينهم. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته، أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات إلى الأفغاني فرهاد شاكري، مدعية أن السلطات الإيرانية كلفته بإعداد خطة لاغتيال ترامب . ونفت طهران من جانبها سعيها لاستهداف الرئيس الأمريكي أو مسؤولين آخرين.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، بلغ تعامل جهاز الخدمة السرية مع التحذير مستوى دفعه إلى نقل ترامب سراً، بعد صعوده إلى طائرة "إير فورس وان" القديمة، داخل مركبة مخصصة لخدمات التموين إلى طائرة حكومية أمريكية مرافقة من طراز "سي-32".
وأكد مسؤول تركي لـ"ميدل إيست آي" أن الجانب الأمريكي طلب تصاريح هبوط إضافية لطائرة "سي-32"، إلى جانب تعديلات أمنية في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي عزز لدى المسؤولين الأتراك الانطباع بوجود تطورات غير اعتيادية.
ما دفع أنقرة إلى التشكيك لاحقاً في الرواية، وفق الموقع، هو توقيت وصول التقرير الإسرائيلي، إذ تزامن مع مفاوضات كان ترامب يجريها مع إيران بهدف إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
ونقل "ميدل إيست آي" عن مصدر حضر اجتماع ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوله إن الرئيس الأمريكي كرر خلال اللقاء أن الحرب مع إيران انتهت، وأبدى تفاؤلاً حيال المحادثات الجارية مع طهران.
ويقول التقرير إن هذا التوجه تعارض مع موقف نتنياهو ، الذي كان يدفع باتجاه استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، بما في ذلك توجيه ضربات أشد إلى بنيتها التحتية للطاقة وشن حملة اغتيالات جديدة ضد قيادات إيرانية.
وفي موازاة الملف الإيراني، كانت العلاقات الأمريكية التركية تشهد بدورها تطورات مهمة، فقد أبدى ترامب خلال لقائه أردوغان في اليوم السابق للمخطط المزعوم، استعداداً لرفع العقوبات المفروضة على أنقرة على خلفية شرائها منظومة "إس-400" الروسية عام 2019، والمضي في بيع تركيا مقاتلات "إف-35".
ويعارض نتنياهو بشدة حصول أنقرة على تلك المقاتلات، انطلاقاً من مخاوف إسرائيلية من تأثير الصفقة في ميزان القوى الإقليمي وما تصفه الدولة العبرية بـ"تفوقها العسكري النوعي".
في ضوء هذه المعطيات، نقل "ميدل إيست آي" عن مسؤولين أتراك ترجيحهم أن يكون التقرير الاستخباراتي الإسرائيلي خدعة هدفت، بحسب تقييمهم، إلى إظهار تل أبيب في موقع من يحمي ترامب، وفي الوقت نفسه إرباك المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتأثير في التقارب بين الرئيس الأمريكي وأردوغان .
وقال أحد المطلعين على القضية للموقع إن السلطات التركية تعاملت مع التحذير "بجدية كبيرة" وقدمت كل ما أمكن من مساعدة إلى الجانب الأمريكي، لكنه أضاف أن المسؤولين الأتراك خلصوا إلى أن الرواية بدت بالنسبة إليهم غير قابلة للتصديق.
ويستند المشككون، بحسب التقرير، إلى حجم التعقيدات اللوجستية والأمنية التي كان يتطلبها تنفيذ عملية من هذا النوع في العاصمة التركية، ولا سيما خلال انعقاد قمة دولية تخضع لإجراءات حماية استثنائية.
فرغم اتهام خلايا إيرانية في السابق بخطف أو اغتيال معارضين إيرانيين داخل تركيا، لم تنفذ طهران هناك عملية بهذا الحجم والتعقيد. وكان إدخال صواريخ محمولة على الكتف إلى أنقرة يتطلب، وفق هذا التقييم، شبكة واسعة من الدعم والمنازل الآمنة ومسارات سرية للحركة، فضلاً عن تجاوز عدد كبير من الحواجز ونقاط التفتيش المنتشرة قبيل القمة.
كما أن تنفيذ هجوم يستهدف الرئيس الأمريكي على الأراضي التركية كان من شأنه أن يهدد بإشعال أزمة مباشرة بين أنقرة وطهران، في وقت حافظ فيه البلدان على علاقات مستقرة نسبياً منذ اندلاع الحرب.
وسبق أن أشاد مسؤولون إيرانيون علناً بموقف تركيا لعدم دعمها ما وصفوه بمخطط للموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" لإشعال تمرد في غرب إيران بمشاركة جماعات كردية إيرانية مسلحة.
وقد أبدى مصدر مطلع في أنقرة استغرابه من تسريب تفاصيل الإجراءات التي اتخذها جهاز الخدمة السرية لحماية ترامب بعد نحو شهر فقط من انعقاد القمة، معتبراً أن الحديث عن المخطط المزعوم قد يكون محاولة لصناعة "أبطال" لعملية لم تقع وربما لم يكن مخططاً لها أساساً.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة