في زمن يشهد فيه الذكاء الاصطناعي قفزات أشبه بسرعة الضوء ما يشكل خطرا كبيرا على أمن الدول ومستقبلها، تتوالى في هذا السياق التحذيرات الأمنية، ولعل أخطرها التحذير الموجه بالدرجة الأولى إلى الحلفاء وصناع القرار، الصادر عن تحالف "العيون الخمس" (Five Eyes)، الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
فعندما يؤكد هذا التحالف أن "الإطار الزمني المتاح للتعامل مع الهجمات السيبرانية ليس سنوات، بل أشهرا"، فإنه لا يحدد موعد موجة جديدة فحسب، بل يبعث برسالة إستراتيجية أكثر عمقا: لقد أصبح الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة تتجاوز دورة التكيف المؤسسي للدولة الحديثة، بحيث باتت بعض القوانين والإستراتيجيات الحكومية تولد متأخرة عن الواقع الذي صممت لتنظيمه.
فالخطر لا يكمن فقط في أن الخصوم سيستخدمون الذكاء الاصطناعي لتطوير هجمات أكثر تعقيدا، بل في أن دورة الابتكار أصبحت أقصر من دورة استجابة الدولة نفسها.
وللمرة الأولى منذ نشأة الدولة الحديثة، تواجه الحكومات احتمال أن تصبح قوانينها، وإستراتيجياتها، ومؤسساتها، قديمة قبل اكتمال تنفيذها.
لقد اعتادت الدول خلال القرنين الماضيين أن تتكيف مع التحولات الكبرى على مدى عقود.
فالثورة الصناعية الأولى احتاجت عشرات السنين حتى أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، كما احتاج انتشار الإنترنت ما يقارب عقدين حتى أصبح جزءا من البنية الأساسية للدولة والاقتصاد.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد اختصر هذه الدورة الزمنية بصورة غير مسبوقة، فمنذ إطلاق الـ"شات جي بي تي" في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، لم تمض سوى أقل من 4 سنوات حتى انتقل العالم من روبوتات محادثة إلى نماذج متعددة الوسائط، ووكلاء أذكياء قادرين على التخطيط والتنفيذ، وأنظمة تقترب من أداء مهام كانت حتى وقت قريب حكرا على الإنسان.
وفي المقابل، ما زالت الدولة تتحرك بالإيقاع ذاته الذي صممت عليه في القرن الـ20. فإعداد قانون جديد أو تعديله قد يستغرق سنوات، وإعادة هيكلة مؤسسة حكومية تحتاج إلى دورات إدارية ومالية طويلة، بينما تراجع العقائد العسكرية والإستراتيجيات الوطنية عادة كل 5 أو 10 سنوات.
الخطر لا يكمن فقط في أن الخصوم سيستخدمون الذكاء الاصطناعي لتطوير هجمات أكثر تعقيدا، بل في أن دورة الابتكار أصبحت أقصر من دورة استجابة الدولة نفسها. وللمرة الأولى منذ نشأة الدولة الحديثة، تواجه الحكومات احتمال أن تصبح قوانينها، وإستراتيجياتها، ومؤسساتها، قديمة قبل اكتمال تنفيذها
ويكفي أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) استغرق نحو 3 سنوات من المفاوضات حتى اعتماده، بينما كانت النماذج الذكية خلال الفترة نفسها قد تغيرت جذريا، وأعادت صياغة الأسئلة التي حاول القانون الإجابة عنها منذ البداية.
ولا يعود هذا البطء إلى قصور الحكومات بالضرورة، بل إلى طبيعة الدولة الحديثة نفسها، فهي تقوم على الشرعية القانونية، وتعدد مستويات اتخاذ القرار، وآليات الرقابة والمساءلة، بما يجعل التغيير عملية متدرجة تضمن الاستقرار والمشروعية.
أما شركات الذكاء الاصطناعي، فتعمل بمنطق مختلف: إذ تستطيع فرق صغيرة إطلاق نموذج جديد أو تحديث قدراته خلال أسابيع، دون المرور بالدورات المؤسسية المعقدة التي تخضع لها الحكومات.
ومن هنا تنشأ مفارقة غير مسبوقة: فكلما التزمت الدولة بقواعدها المؤسسية، اتسعت الفجوة الزمنية بينها وبين التكنولوجيا.
شركات الذكاء الاصطناعي، تعمل بمنطق مختلف: إذ تستطيع فرق صغيرة إطلاق نموذج جديد أو تحديث قدراته خلال أسابيع، دون المرور بالدورات المؤسسية المعقدة التي تخضع لها الحكومات
وهذه أخطر فجوة في عصر الذكاء الاصطناعي، وهي ما يمكن تسميته "الفجوة الزمنية الإستراتيجية"، أي الفارق بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة تكيف الدولة معها.
ويمكن تعريفها بأنها الزمن الفاصل بين ظهور تقنية جديدة وقدرة مؤسسات الدولة على استيعابها تشريعيا وإداريا وتشغيليا. فالمشكلة لم تعد في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك مؤسسات تستطيع إعادة بناء نفسها بالسرعة نفسها التي تتغير بها التكنولوجيا.
وتكشف المؤشرات الدولية حجم هذا التسارع، فوفق تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2025، تجاوز عدد الدول التي أعلنت إستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي 70 دولة، لكن كثيرا من هذه الإستراتيجيات وُضع قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، واضطرت حكومات عديدة إلى مراجعتها خلال سنوات قليلة لأن الافتراضات التي بُنيت عليها لم تعد تعكس الواقع التقني الجديد.
كما تشير التقارير الدولية إلى أن الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي تجاوزت 100 مليار دولار خلال عام واحد، في ظل سباق عالمي لبناء مراكز بيانات عملاقة وتطوير رقائق أكثر تقدما.
وفي الوقت نفسه، تتوقع شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، بينما تقدر ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليونات دولار سنويا.
وهذه الأرقام لا تعكس نموا اقتصاديا فحسب، بل تعكس أيضا السرعة غير المسبوقة التي تتحرك بها التكنولوجيا مقارنة بسرعة استجابة المؤسسات.
ولا تتوقف آثار هذه الفجوة عند الاقتصاد أو الأمن السيبراني، فالمنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أن تؤدي تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى إعادة تشكيل عشرات الملايين من الوظائف خلال السنوات المقبلة، بما يفرض على الحكومات إعادة تأهيل القوى العاملة بوتيرة غير مسبوقة.
لكن المشكلة أن أنظمة التعليم، والتشريعات العمالية، وبرامج التدريب الوطنية، غالبا ما تحتاج سنوات حتى تتغير، وهو ما يعني أن الدولة قد تجد نفسها تعد مواطنيها لوظائف بدأت بالفعل في الاختفاء.
الردع اليوم يتجه نحو ما يمكن تسميته "الردع الخوارزمي"، حيث تصبح القدرة على اكتشاف التهديد، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالهجوم، واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، جزءا أساسيا من معادلة القوة
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بامتلاك الذكاء الاصطناعي بقدر ما تتعلق بسرعة تحويله إلى سياسات، وتشريعات، وقدرات تشغيلية.
فالدولة التي تحتاج 3 سنوات لتعديل قانون، بينما تتغير التكنولوجيا 3 مرات خلال الفترة نفسها، ستجد نفسها دائما في موقع رد الفعل، مهما بلغت مواردها.
وهذا ما يفسر أيضا تغير مفهوم الردع، ففي الماضي، كان الردع يقوم على امتلاك قوة عسكرية كافية لمنع الخصم من الهجوم.
أما اليوم، فإن الردع يتجه نحو ما يمكن تسميته "الردع الخوارزمي"، حيث تصبح القدرة على اكتشاف التهديد، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالهجوم، واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، جزءا أساسيا من معادلة القوة.
ولم يعد التحدي هو الرد بعد وقوع الهجوم، بل منع الهجوم قبل أن يحقق أثره.
وفي السياق نفسه، تتغير طبيعة الفاعلين في النظام الدولي، فلم تعد الحكومات وحدها تحتكر إنتاج عناصر القوة، بل أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة شريكا رئيسيا في الأمن القومي؛ لأنها تمتلك النماذج الأساسية، والبنية السحابية، والقدرات الحاسوبية، والرقائق المتقدمة التي تعتمد عليها الدول.
ولهذا لم يعد السباق العالمي يدور حول امتلاك التكنولوجيا فقط، بل حول اختصار الزمن بين تطويرها وتحويلها إلى تفوق إستراتيجي.
لقد اعتادت أدبيات العلاقات الدولية قياس قوة الدول بحجم الاقتصاد، وعدد السكان، والقدرات العسكرية، والموارد الطبيعية. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فيبرز عنصر جديد لا يقل أهمية، هو "السرعة المؤسسية"، أي قدرة الدولة على التعلم، والتكيف، وتحديث تشريعاتها، وإعادة بناء مؤسساتها بسرعة تقترب من سرعة الابتكار نفسه.
وقد تصبح هذه القدرة خلال السنوات المقبلة أحد أهم محددات المكانة الدولية.
بالنسبة إلى العالم العربي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على اللحاق بالثورة التقنية، بل على بناء مؤسسات تجعل سرعة التكيف نفسها موردا إستراتيجيا، لأن الدول التي تتأخر في إعادة ابتكار مؤسساتها قد تجد أن الفجوة بينها وبين المستقبل أصبحت أكبر من أن تردم بمجرد استيراد التكنولوجيا
ولا يعني ذلك أن الدول العربية مطالبة بالدخول في سباق مكلف لمنافسة القوى الكبرى في تطوير النماذج الأساسية أو تصنيع الرقائق المتقدمة، فهذه أهداف تتطلب موارد واستثمارات هائلة لا تتوافر إلا لعدد محدود من الدول.
غير أن التحدي الأكثر إلحاحا يتمثل في تقليص الفجوة الزمنية الإستراتيجية بين تطور التكنولوجيا وقدرة الدولة على استيعابها، وهذا يقتضي الانتقال من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعا تقنيا إلى اعتباره مشروعا لإعادة بناء الدولة نفسها.
فالمطلوب ليس إصدار إستراتيجيات وطنية جديدة فحسب، بل إنشاء مؤسسات أكثر مرونة، وتحديث التشريعات بصورة مستمرة، وإعادة تأهيل الكوادر الحكومية، وإدماج الخبرات التقنية في عملية صنع القرار، بحيث تصبح مؤسسات الدولة قادرة على التعلم والتكيف بالسرعة التي يتحرك بها العالم.
وفي الوقت نفسه، فإن الرهان الحقيقي للدول العربية لا ينبغي أن يكون على استيراد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل على بناء القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة وتوطينها وتطوير حلول تستجيب لأولوياتها الاقتصادية والأمنية والتنموية.
فالاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتنمية الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، ودعم الشركات الناشئة، وتهيئة بيئة تنظيمية مرنة تشجع الابتكار، لم تعد خيارات تنموية يمكن تأجيلها، بل أصبحت جزءا من متطلبات الأمن القومي والحفاظ على القدرة التنافسية في الاقتصاد العالمي.
إن الرسالة الأعمق في بيان "العيون الخمس" ليست أن الهجمات السيبرانية ستزداد، فهذا أمر متوقع، بل إن نموذج الدولة الذي تشكل خلال القرن الـ20 يواجه اليوم اختبارا غير مسبوق.
فعندما تصبح دورة الابتكار أقصر من دورة الإصلاح المؤسسي، يتحول بطء الدولة ذاته إلى تهديد إستراتيجي.
وعندها لن يكون السؤال الذي سيحدد موازين القوة في القرن الـ21 هو: من يمتلك الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يمتلك دولة قادرة على مواكبة سرعته؟
أما بالنسبة إلى العالم العربي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على اللحاق بالثورة التقنية، بل على بناء مؤسسات تجعل سرعة التكيف نفسها موردا إستراتيجيا؛ لأن الدول التي تتأخر في إعادة ابتكار مؤسساتها قد تجد أن الفجوة بينها وبين المستقبل أصبحت أكبر من أن تردم بمجرد استيراد التكنولوجيا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة