نحن الآن في ربيع عام 2014، بعد أسابيع قليلة من ضم روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، اجتمع عدد من المهندسين والمبرمجين الأوكرانيين، أصحاب وظائف مدنية لا علاقة لها بالحرب، حول مكتب بسيط وضعوا عليه طائرة استهلاكية صغيرة من تلك التي يشتريها هواة التصوير في الأسواق. كانت الطائرة، المعدة في الأصل لالتقاط مشاهد سياحية من السماء، تنتظر التعديل لتعمل في ظروف أخرى.
حينها كان القتال مشتعلا في إقليم دونباس، على الجبهة الجنوبية الشرقية لأوكرانيا، والجيش الأوكراني، بميراثه السوفياتي المتواضع، كان يفتقر إلى أي قدرة على الاستطلاع الجوي الفعال، ولم يكن هناك من يُجبر هؤلاء المتطوعين على فعل ما يفعلونه، ولم تكن هناك جهة تمولهم. كانوا يدفعون ثمن قطع الغيار من جيوبهم، ويتشاركون نتائج التجارب على فيسبوك، ويعملون ضمن هيكل لا يشبه أي وحدة عسكرية، دون رتب أو تسلسل هرمي أو أوامر عسكرية، أقرب إلى ثقافة شركة ناشئة تطبق على ساحة المعركة.
"لم يكن هناك من يُجبر هؤلاء المتطوعين على فعل ما يفعلونه، ولم تكن هناك جهة تمولهم"
كان فولوديمير كوتشيتكوف-سوكاتش من بين هؤلاء المتطوعين، وكان يعمل في مجال الاستثمارات المصرفية، وهو المؤسس المشارك لمجموعة إيرورزفيدكا (Aerorozvidka) التي تأسست في مايو/أيار ذلك العام، وهي كلمة أوكرانية تعني الاستطلاع الجوي. كان يعمل إلى جانب ياروسلاف هونتشار، أحد رفاقه المؤسسين، الذي تعاون مع أكاديمية كروك (Krok) الحاسوبية في كييف لتعديل الطائرة الاستهلاكية بما يناسب ظروف القتال. كانت النتيجة الأولى طائرة بمدى قفز من 300 متر إلى 3 كيلومترات، أُرسل النموذج إلى كتيبة إيدار (Aidar) على الجبهة، حيث جرى اختباره في معارك فعلية وحقق تقييمات إيجابية.
في عام 2015، قُتل كوتشيتكوف-سوكاتش في معركة في دونباس، في الإقليم نفسه الذي أراد أن يحول فيه التقنية إلى أداة دفاعية. وفي العام نفسه، بدأ من تبقى من المجموعة العمل على نظام جديد، تُربط فيه كل تلك الطائرات والمستشعرات، وكل ما يمكن أن يُجمع من معلومات من الميدان، في شبكة واحدة.
كانت الفكرة بسيطة في تصورها الأولي؛ خريطة رقمية للجبهة، تستقبل البيانات من كل المصادر، وتعرضها للقادة في الوقت الفعلي، وأطلقوا عليه اسم دلتا (Delta)، وهي منظومة رقمية لإدارة ساحة المعركة والوعي الميداني، تجمع المعلومات من مصادر متنوعة مثل الطائرات المسيرة والأقمار الاصطناعية والمستشعرات ووحدات الاستطلاع، ثم تعرضها على خريطة تشغيلية شبه فورية لمساعدة القادة والوحدات على التخطيط وتبادل المعلومات واتخاذ قرارات أسرع. يمكننا اعتبارها ببساطة "خريطة حرب رقمية ذكية" تربط المعلومات الميدانية بالقادة والمقاتلين في الوقت الفعلي تقريبا.
نعود إلى الوقت الحاضر، وبعد مرور ما يزيد على 10 سنوات، تحديدا في 12 مايو/أيار الماضي، وقف وزير الجيش الأمريكي (وزير القوات البرية) دانيال دريسكول أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، وذكر علنا أن ما خرج من تلك الورشة الصغيرة في أوكرانيا، التي بدأت بمجموعة من المتطوعين، يتجاوز ما يقدر الجيش الأمريكي على بنائه اليوم.
ثمة سؤال كامن في القفزة بين تلك الورشة الصغيرة وشهادة الوزير الأمريكي: كيف وصلت أوكرانيا، بميراث عسكري متواضع وصناعة دفاع هزيلة، إلى بناء ما يعجز عن بنائه الجيش الأكبر ميزانية في العالم؟ قد يبدو السؤال غريبا في صياغته الأولى، لأنه يقلب اتجاه السرد الذي اعتدنا عليه، فعادة ما نسمع عن دول كبرى تطور تقنيات تصدرها لاحقا إلى دول الهامش الأصغر. هنا، يحدث العكس: دولة في موقع أوكرانيا تبني نظاما يعترف وزير جيش أكبر قوة عسكرية في العالم بأنه يفوق ما لديه.
بعد مقتل مؤسس إيرورزفيدكا في عام 2015، لم تتفكّك المجموعة، بل على العكس اتجهت إلى ترتيب مؤسسي جديد. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، انضم أعضاء المجموعة رسميا إلى القوات المسلحة الأوكرانية، فيما يُعد ربما أول تحول مؤسسي من منظمة تطوعية مدنية إلى وحدة عسكرية نظامية في تاريخ الحرب الأوكرانية الحديثة. كان هذا ترتيبا هجينا في طبيعته، إذ يحتفظ المتطوعون بثقافتهم في العمل، وأسلوبهم في الإدارة، وحريتهم في التجربة، فيما يصبحون رسميا جزءا من البنية العسكرية.
في عام 2016، قدمت المجموعة النموذج الأول من منظومة دلتا، وكان هيكلا أوليا قابلا للبناء عليه. وعلى مدار السنوات التالية، أجرت المجموعة اختبارات متكررة في معارك دونباس منخفضة الحدة، تكشف فيها عيوبا وتصلحها، ثم تطرح طبقة جديدة من المنظومة. وحين خسرت الوحدة أسطول طائراتها المسيرة في المعركة الثانية لمطار دونيتسك، انتقلت إلى استخدام كاميرات مثبتة على المباني العالية، تستخدم المنظومة نفسها لتغطية الجبهة من زوايا مختلفة، إذ لم يكن لديهم رفاهية الانتظار حتى يحصلوا على الأداة المثالية.
"في عام 2016، قدمت المجموعة النموذج الأول من منظومة دلتا"
وفي الخلفية، كان صندوق الناتو الائتماني لتحسين أنظمة الاتصالات والقيادة والسيطرة الأوكرانية، الذي تأسس عام 2014، يقدّم دعمًا محدود الحجم وموجهًا لمشاريع عملية عاجلة، لا لمحاولة إعادة بناء الجيش بأكمله. وفي عام 2019، نجحت منظومة دلتا في اختبارات (CWIX) للتوافق التشغيلي مع أنظمة الناتو، فأصبح أول نظام أوكراني يجتاز هذه المعايير. وفي يوليو/تموز 2020، سجّلت إيرورزفيدكا نفسها رسميا منظمة غير حكومية. كانت البنية المؤسسية للمجموعة تنضج بالتوازي مع البنية التقنية للنظام.
وحين اندلعت الحرب الشاملة في فبراير/شباط 2022، كانت منظومة دلتا قد تجاوزت مرحلة التجريب منذ سنوات، لتصبح نظاما مختبرا ومعتمدا من الناتو، يستخدمه قادة الميدان في معارك حقيقية. ما حدث بعد ذلك كان توسيعًا لما نضج خلال السنوات السابقة.
في بدايات الحرب، وُجّهت طائرات إيرورزفيدكا المسيرة، من طراز "آر-18" (R-18) التي طورتها بنفسها وبدأت تستخدمها في القتال منذ عام 2019، إلى مطار هوستوميل شمالي غرب كييف. وبحسب رواية المجموعة، حدّدت المسيرة نحو 200 جندي مظلي روسي يتمركزون عند أحد طرفي المدرج، وأشرفت على قصفهم. بعد ذلك بأيام، أسهمت الوحدة، بمشاركة آخرين، في إيقاف الرتل العسكري الروسي الذي قطع نحو 40 ميلا في طريقه إلى العاصمة كييف من الشمال، عبر سلسلة من الكمائن الليلية، ومعلومات استهداف جُمعت وحُللت ونُشرت عبر منظومة دلتا.
في الأشهر التالية للغزو، شارك النظام في عمليات أخرى تركت أثرها على مسار الحرب، مثل تدمير الطراد الروسي "موسكفا" في أبريل/نيسان 2022، واستعادة جزيرة "زميني" في البحر الأسود في يونيو/حزيران من العام نفسه. وبحلول سبتمبر/أيلول 2024، كانت منظومات فرعية داخل منظومة دلتا، مثل "أفينجرز إيه آي" (Avengers AI)، تستخدم الذكاء الاصطناعي للتعرف على نحو 12 ألف وحدة من المعدات الروسية أسبوعيًا، وفقًا لتقارير وزارة الدفاع الأوكرانية.
واليوم، تشير البيانات الأوكرانية الرسمية إلى أن نظام دلتا يُستخدم لإصابة أكثر من 6600 هدف روسي يوميا، وأنه يضيف 8 ملايين عنصر جديد إلى الخريطة الرقمية لساحة المعركة شهريا، كما يبث 75 ألف مقطع فيديو كل يوم. كما قدم النظام 820 ألف تقرير عن نتائج الاشتباكات خلال العام الماضي، منها ما يقارب 240 ألف تقرير عن أفراد الجيش الروسي المشاركين في المعارك. وفي شهر يونيو/حزيران الماضي وحده، استُخدم النظام لدعم أكثر من 200 ألف غارة جوية بطائرات مسيرة.
"نظام دلتا يُستخدم لإصابة أكثر من 6600 هدف روسي يوميا، ويضيف 8 ملايين عنصر جديد إلى الخريطة الرقمية لساحة المعركة شهريا"
خلف هذا الاستخدام العسكري الموسع، يقف نضج مؤسسي تبلور على مدار 8 سنوات من القتال منخفض الحدّة، سمح بميزة لا تشتريها أي ميزانية ضخمة وهي الوقت. الوقت الكافي لاختبار الأفكار في معارك حقيقية، والوقت المناسب لبناء الثقة بين المتطوعين والعسكريين، والوقت اللازم لإنضاج بنية تنظيمية تستوعب التوتر بين روح الشركة الناشئة وصرامة الجيوش. غالبا لن غزت روسيا أوكرانيا مرة واحدة عام 2022، دون سنوات دونباس الفاصلة، لما كان هذا النظام موجودا على الصورة التي رآها الأمريكيون لاحقًا.
لكن الوقت وحده لا يكفي ولا يفسر بمفرده التطور الذي حدث، فكثير من الدول مرت بحروب طويلة دون أن تفرز ما أفرزته أوكرانيا. لذا فإن هناك أمرا آخر، أعمق من توفر الوقت، يستحق أن ننظر إليه.
في الحقيقة، فإن ما لم تحصل عليه أوكرانيا من ميزانية عسكرية ضخمة ولا من صناعة دفاعية متطورة، حازته من مكان آخر؛ من قطاعها التقني المدني، ومن نسيج اجتماعي متين تشكّل قبل الحرب ثم تكشّف خلال أحداثها. فقبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، كان قطاع تكنولوجيا المعلومات في أوكرانيا يضمّ نحو 285 ألف متخصص، موزعين على أكثر من 2000 شركة، يصدّرون خدمات بقيمة 6.8 مليارات دولار سنويا، بحسب تقارير رابطة تقنية المعلومات الأوكرانية.
كان هذا واحدا من أكبر قطاعات التصدير في البلاد، ويساهم بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وينمو بمعدل يقارب 25 إلى 30% سنويًا قبل الحرب. القطاع كان متمركزا في كييف ولفيف وخاركيف، ويوجَّه معظم إنتاجه إلى عملاء في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ما يعني أن آلاف المهندسين الأوكرانيين كانوا يعملون يوميًا على مشاريع غربية، ضمن منظومة تقنية مرتبطة بالعالم. لم تكن أوكرانيا قوة عسكرية تقليدية تقارن بالقوة الروسية، لكنها كانت قوة تقنية بارزة بمعايير المنطقة.
"قبل الحرب، كان قطاع تكنولوجيا المعلومات في أوكرانيا يضم نحو 285 ألف متخصص، موزعين على أكثر من 2000 شركة، يصدرون خدمات بقيمة 6.8 مليارات دولار سنويا"
لكن الأرقام وحدها لا تشرح ما حدث، إذ ترصد الباحثة الأوكرانية ناتاليا ستيبانيوك، في دراستها لتعبئة المدنيين في حرب دونباس، المنشورة في دورية "ناشوناليتيز بيبرز" (Nationalities Papers) التابعة لجامعة كامبريدج، أن فاعلية الحركة التطوعية في عام 2014 لم تأتِ من فراغ، بل كانت تستند إلى شبكات اجتماعية ومدنية تشكّلت خلال احتجاجات عامي 2013 و2014، بجانب شبكات خاصة وريادية كانت موجودة قبل ذلك. حين بدأت الحرب، لم يحتج المتطوعون إلى بناء روابط من الصفر، بل كانوا قد بنوها في ساحة المدينة قبل أن ينقلوها إلى الجبهة.
في هذا السياق، قد تبدو مجموعة إيرورزفيدكا أقل استثنائية مما تبدو عليه في القراءة الأولى، إذ كانت جزءا من نسق أوسع، تكرر بصور مختلفة في القطاعات الأمنية والإغاثية والتقنية. وحين اندلعت الحرب الشاملة في عام 2022، استُنسخ النمط نفسه لكن بحجم أكبر، وخلال الساعات الأولى للحرب، اجتمع ييغور أوشيف، أحد رواد الأعمال بقطاع الأمن السيبراني الأوكراني، مع وزير التحول الرقمي ميخايلو فيدوروف. ومن ذلك اللقاء، وُلد جيش تقنية المعلومات (IT Army of Ukraine)، وهو هيكل تطوعي رقمي مفتوح، أعلنه فيدوروف على تطبيق تلغرام، وانضم إليه أكثر من 200 ألف متطوع في غضون أسابيع.
الفرق الرئيسي بين الحالتين أن مجموعة إيرورزفيدكا بدأت من المجتمع وصعدت نحو الدولة، بينما جيش تقنية المعلومات بدأ بلقاء بين رائد أعمال ووزير، لكنه استدعى المجتمع. المؤكد أن الاتجاهين يعكسان النسق نفسه.
"في عام 2023 نُقلت ملكية منظومة دلتا رسميًا من إيرورزفيدكا إلى وزارة الدفاع الأوكرانية"
وفي عام 2023، نُقلت ملكية منظومة دلتا رسميا من إيرورزفيدكا، المنظمة غير الحكومية، إلى وزارة الدفاع الأوكرانية، وتحديدًا إلى مركز الابتكار وتقنيات الدفاع التابع لها. وفي أغسطس/آب 2024، اعتُمد النظام رسميًا في القطاع الدفاعي الأوكراني بأكمله. وفي هذه الخطوة اكتمل النسق، فما بدأ كمشروع مدني في عام 2014، صار اليوم منظومة تابعة للدولة ومعتمدة في وزارة الدفاع.
غير أن قصة "المجتمع الذي بنى المنظومة" تستحق بعض التدقيق أيضا، فلم يؤسس المتطوعون كل شيء بأنفسهم بالكامل. لأن منظومة دلتا تعمل على بنية تحتية سحابية تجارية مستضافة خارج أوكرانيا، وتعتمد في جزء من اتصالها الميداني على شبكات أجنبية، أبرزها أقمار ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس المملوكة لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك.
وكما ذكرنا، قدّم صندوق الناتو الائتماني دفعة مالية مبكرة لتمويل هذه الجهود، فيما شكّلت أدوات تجارية مفتوحة المصدر العمود الفقري التقني للنظام. لذا يمكن القول إن ما بناه المجتمع الأوكراني هو "معمارية المنظومة" وهو الجزء الذي يصعب نقله حقا. فالميزانية الضخمة يمكن استدعاؤها، والحرب الطويلة لا يختارها أحد، لكن نسيج اجتماعي يسمح بهذه السيولة بين القطاعين المدني والعسكري، ويبني علاقات الثقة قبل أن تحتاج إليها الدولة، قد يتطلب سنوات وظروف تتجاوز ما يمكن لأي قرار سياسي أن يفرضه. هذا ما لم تذكره شهادة دانيال دريسكول أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، إذ إنه اعترف بالنتيجة دون أن يصف الشروط التي أنتجتها.
في 12 مايو/أيار الماضي، حضر وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول، إلى جانب نائب رئيس أركان الجيش الفريق كريستوفر لانيف، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، لتقديم شهادة سنوية حول وضع القوات البرية وميزانيتها للسنة المالية 2027. تُعقد تلك الجلسة عادة بشكل روتيني، لكنها تحولت هذه المرة إلى مساحة لاعتراف صريح.
ذكر دريسكول أن منظومة القيادة والسيطرة الأوكرانية، التي تربط الطائرات المسيرة والمستشعرات ومنصّات الإطلاق في شبكة واحدة، والمعروفة بمنظومة دلتا، تجاوزت ما يستطيع الجيش الأمريكي تشغيله اليوم. وأضاف إن سبب هذا التأخر بنيوي وليس تكتيكي، تراكم عبر عقود من سياسة الشراء العسكري الأمريكية التي شجّعت الشركات على حماية ملكيتها الفكرية بأي ثمن، فأنتجت "حدائق مسورة" داخل البنية الأمريكية، تمنع الأنظمة من التواصل فيما بينها.
كان هذا اعترافًا غير معتاد؛ وزير الجيش الأمريكي، الذي يقود مؤسسة تستهلك أكثر من 185 مليار دولار سنويا، يقف أمام مجلس الشيوخ ليقول إن دولة على الهامش، بميزانية دفاع لا تزيد على عشر هذه القيمة قبل الحرب، أسست ما لا يستطيع جيشه أن يبنيه. ثم يصف السبب بقواعد الشراء، وشركات السلاح، وحماية الملكية الفكرية. لكن، كما هو واضح، هذه الأسباب هي الواجهة فحسب، وفي الخلفية هناك ما هو أعمق، وأكثر إلحاحا.
جدير بالذكر أن هذا الاعتراف، على صراحته، يخدم معركة دريسكول الداخلية على شكل الميزانية وأنماط الشراء، خاصة في ظلّ توترات معلنة بينه وبين وزير الحرب بيت هيغسيث منذ بداية عام 2026. لكن السياق السياسي لا يُلغي السؤال الأساسي الذي تفتحه تلك الشهادة.
تكمن الصعوبة في أن نموذج إيرورزفيدكا، حين يُنظر إليه في سياق دولي أوسع، يبدو فريدا في اتجاهه. توجد دول أخرى بنت علاقات وثيقة بين قطاعها التقني المدني ومؤسستها العسكرية، مثلًا في إستونيا، أسّست الدولة عام 2010 وحدة الدفاع السيبراني ضمن هيكل تطوّعي مدمج قانونيًا في رابطة الدفاع الإستونية.
"أوكرانيا هي الحالة الوحيدة الموثقة التي يجري فيها التدفق العسكري من المجتمع إلى الدولة"
كان ذلك ردا على ما يُعتبر أول هجوم سيبراني منظَم على دولة في التاريخ، وقع عام 2007، حين شُلَت لثلاثة أسابيع مواقع البنوك والوزارات ووسائل الإعلام في إستونيا، بعد قرار حكومتها نقل نصب "الجندي البرونزي" السوفياتي من وسط العاصمة تالين. أجبر ذلك الهجوم، الذي نُسب إلى مصادر روسية رغم نفي موسكو، إستونيا على قطع اتصالها بشبكة الإنترنت العالمية مؤقتًا. كان الدرس المؤسسي الذي استخلصته الدولة هو تأسيس بنية دفاع سيبراني تطوّعية، تابعة لها وموجَّهة منها.
لكن أوكرانيا، حتى الآن على الأقل، هي الحالة الموثقة الوحيدة التي يجري فيها التدفّق في الاتجاه المعاكس، من المجتمع إلى الدولة؛ مدنيون يبنون أداة، ويخسرون من بينهم من يخسرون، ثم ينضمون إلى الجيش حاملين معهم ما بنوه، ليطوّروه على مدار سنوات، ثم تتبنّاه الدولة حين تنضج البنية. هذا الاتجاه، وليس الفكرة العامة عن "تعاون مدني عسكري"، هو ما يصعب تكراره. لأنه لا يؤسس بقرارات حكومية، ولا تستدعيه ميزانية عسكرية.
تبحث معظم التحليلات عن سبب الابتكار العسكري في الميزانيات الأكبر، أو الشركات الأكثر، أو برامج التحديث الطموحة. لكن ما تكشفه قصة مجموعة إيرورزفيدكا أن الابتكار حين يحدث يأتي أحيانًا من تضافر شروط لا يختارها أحد، في بلد لا يملك ترف الاختيار من الأساس. وهذا، على الأرجح، ما رآه دانيال دريسكول ولم ينقله بالكامل في شهادته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة