في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طوال سنوات الصراع السوري تحول العنف الجنسي إلى أداة قمع يقول عنه الناشطات والناشطون أن هدفه كان متمثلا في كسر كبرياء السوريات داخل مجتمع محافظ يخنق صوت الضحية. اليوم يتسمك النساء الضحايا بمطلبهن في تحقيق العدالة ومحاسبة كل الجناة سواء من قوات النظام السابق، أو من القوات التابعة للسلطة الانتقالية الحالية. فبحسب شهادات ضحايا، هناك من الجناة من كان يرتدي أثناء الهجوم المروع في الساحل السوري، الزي العسكري الرسمي التابع للسلطات الانتقالية. ووقع الهجوم تزامنا مع حملة عسكرية قادتها القوات الحكومية لاستهداف "فلول النظام" السابق في مارس/أذار العام الفائت، واستهدفت مناطق الطائفة العلوية في الساحل.
ووجب التنويه أنه وفي هذا التقرير، تمّ تغيير أسماء الضحايا اللواتي اشترطن للحديث مع DW عربية ذلك، حفاظاً على خصوصيتهن، خشيةً من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاعتداءات الجنسية.
جرائم مروعة ترد في شهادات نساء تحدثن إلى DW. بتول (اسم مستعار) واحدة منهن. وهي تنحدر من مدينة مصياف بريف محافظة حماة وسط سوريا وتبلغ من العمر ثلاثين عاما. في شهادتها تحكي كيف اعتدى عليها عناصر دورية أمنية أثناء اقتحام منزلها بداية مارس/أذار من العام الماضي، وهددوها بقتل زوجها أمام أعينها إذا ما رفضت الامتثال إلى أوامرهم. وتسرد بتول الواقعة أمام ميكروفون DW عربية، قائلة: "لما هددونا أحسست أن حياة زوجي بأيد ثلة من المسلحين. ولم أكن قادرة على حماية نفسي أو زوجي. فاستسلمت رغما عني ولم يكن أمامي أي خيار آخر".
تسترجع الناجية تلك التفاصيل والصور المثقلة بحسرة وتضيف: "أحد العناصر أخذني لغرفة النوم وبدأ يلمس صدري وأنا عم أبكي، ثم دخل ايده وتلمس ملابسي الداخلية وصار يتحسس المناطق الحساسة، ولما شدني أكتر، صرت أبكي وأترجاه يوقف ورجع هددني إذا ما تركته يكمل راح يقتلنا".
رقية (22 سنة) (اسم مستعار) المنحدرة من مدينة جبلة بريف محافظة اللاذقية غربي سوريا، تعرضت بدورها للاغتصاب أكثر من مرة من قبل خاطفيها، واستمر احتجازها نحو 60 يوماً بين مارس وأبريل من العام الماضي، وذلك خلال الحملة العسكرية على مسقط رأسها. وتقول إنه تم تهديدها للتكثم عمّا حدث، وتضيف "كانت دورية يبلسون زي (الأمن العام) الرسمي، هددوني بقتلي مع جميع أفراد اسرتي، وأكبر أمنياتي اليوم متابعة حياتي بشكل طبيعي وأنسى تلك الذكريات القاسية".
"التستر" على الجناة أو الصمت خيار ترفضه مياسة (اسم مستعار) تماما، فهي تطالب بالعدالة لما حدث لابنتها القاصر التي خطفت من قريتها بريف طرطوس الساحلية اثناء توجها لتقديم الشهادة الثانوية منتصف العام الماضي. وتقول إن الخاطفين "اعتدوا على صغيرتي جنسياً لعشرة أيام متتالية ثم أفرجوا عنها مقابل فدية مالية بلغت 50 مليون" ليرة سورية. وتطالب مياسة عائلات الضحايا بـ " التحرك ورفع الأصوات طلباً لمحاسبة المجرمين وإنزال أقسى العقوبات بهم".
قصة راما (اسم مستعار) لا تختلف كثيرا عما سبق. فهي فتاة متزوجة في الـ24 من العمر. وتنحدر من مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية, وتقول إنها اختطفت في 2022، وهي في طريقها إلى لبنان على يد عناصر فصيل عسكري وكانت تحمل طفلها البالغ عامين معها. فاقتيدت إلى مقر عسكري لإحدى الفصائل المسلحة المنضوية فيما يسمى بـ "الجيش السوري الوطني" الموالي لتركيا.
هناك، تقول الناجية الكردية لـ DW عربية: "كان عمري 20 عامًا عند اعتقالي مع طفلي الذي بقي معي طوال مدة توقيفي والتي استمرت نحو عامين وكانت عذاباتي مضاعفة، آنذاك جربت الانتحار وفشلت"، وأوضحت بأن تهمتها كانت التعامل مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" وقواتها العسكرية "قوات سوريا الديمقراطية".
وأردفت: "بداية التحقيق انزالوا ملابسي عنوة وارتُكبوا بحقي أفعالا مهينة ومؤلمة وأنا معصوبة العينين ومقيدة ومعلقة، كنت أسمع أكثر من شخص يتحدث عن جسدي ويوجهون الأوامر بالاستمرار بضربي على ظهري وبطني"، واستمر تعذيبها حتى فقدت وعيها لتنقل لمستشفى عسكري وبعدما عادت لوعيها، تقول: "لم أجد طفلي بجانبي، تعرضت لانهيار نفسي شديد، حاولت الانتحار بإيذاء نفسي عبر جرح معصمي، إلا أن المحاولة لم تنجح".
وبعد 6 شهور نقلت إلى سجن مركزي في قرية حوار كلس التابعة إداريّاً لمنطقة أعزاز المجاورة، ووصفت أوضاع الاحتجاز بالمهينة والسيئة للغاية، مضيفة: "كان عناصر السجن يأخذون المحتجزات يومياً، كثير من النساء تعرضنّ للتعذيب والتحرش الجنسي والاغتصاب بحسب ما شاهدته أو سمعته منهنّ".
أما جين وهو أسم مستعار لفتاة تتحدر من مدينة رأس العين او "سري كانيه" بحسب تسميتها الكردية وتتبع محافظة الحسكة، خطفت واحتجزت في 2019 وهي في 17 من العمر، عندما شنت فصائل "الجيش السوري الوطني" الموالية لتركيا؛ هجوماً واسعاً على مدينتها وسيطرت عليها من قبضة قوات "قسد".
بعد فقدان شقيقها الوحيد ومقتل والدها، ترفض العودة مع والدتها إلى الحسكة، مسقط رأسها، قبل محاسبة الجهات العسكرية، التي تحملها مسؤولة الانتهاكات التي مورست بحقها.
اليوم، تكمل جين تعليمها الجامعي وتدرس الأدب الكردي وتعمل في منظمة إغاثية كناشطة في مكتب دعم وحماية النساء ، وتجهد كثيراً لحماية نظيراتها وعن قصتها تقول: "أكثر المشاهد القاسية التي حفرت في ذاكرتي تناوب ثلاثة مسلحين على اغتصابي، أحدهم شاهدته وأتذكر ملامحه حتى اليوم، أما الباقون كانوا يعصبون عيني وتعاملوا معي بوحشية".
استمرت عذاباتها ثلاثة أيام متتالية وفي اليوم الرابع تعرضت لنزيف داخلي شديد وكان طوق النجاة لها بحسب روايتها وأضافت: "سمعتهم يقولون بين بعضهم يجب التخلص منها ورميها في شوارع المدينة بعيداً عن موقعنا، أدركت آنذاك إنني نجوت".
وقتذاك اسعفت إلى نقطة طبية في مدينة الحسكة وهي منهارة فاقدة الوعي وبعدما علمت من الأطباء بأنها حامل، أقدمت على شرب كميات كبيرة من الحبوب والأدوية، تسترجع الناجية تلك اللحظات العصيبة وتقول: "عندما اكتشفت إنني حامل لم أتحمل هول الصدمة، تناولت كل الحبوب والأدوية الموجودة بغرفتي، وضربت بطني حتى عاد النزيف وأجهضت وأسقطت الجنين".
رافقت الحرب السورية الكثير من الانتهاكات الجنسية التي طالت الكثير من السوريات وفق ناشطات نسويات، بعد احتجازهنّ أو خطفهن في سجون فصائل عسكرية أو مقرات رسمية للنظام السابق أو لدى السلطات الانتقالية الحالية.
تأكد الناشطة الحقوقية لونجين عبدو التي تشغل منصب المديرة التنفيذية لـ "جمعية ليلون للضحايا" لـ DW عربية، بأن العنف الجنسي خلال النزاع السوري "لم يستهدف أجساد النساء فقط، بل استهدف كرامتهن ومستقبلهن وعلاقاتهن الاجتماعية".
لونجين ذاتها أمضت 3 سنوات في الاحتجاز حيث تعرضت للتعذيب الجسدي في سجون منعزلة تابعة لفرقة "الحمزات"، التي كانت منضوية آنذاك في صفوف "الجيش الوطني السوري" في عفرين.
بعد إطلاق سراحها في مارس/ أذار 2023، أسست جمعية "ليلون للضحايا" المهتمة بتوثيق الانتهاكات في المناطق المتضررة من النزاع. عطفا على أن الجمعية تقدم الدعم النفسي للضحايا والاستشارة القانونية . وشددت لونجين على ضرورة إنصاف جميع الناجيات "بإنزال أقسى العقوبات ومحاسبة جميع العسكر وقادتهم، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها". وختمت حديثها بالإشارة إلى أن المعاناة القائمة على الانتهاكات الجنسية، "لا تنتهي بخروج الناجيات من أماكن الاحتجاز، بل تبدأ رحلة جديدة من الألم داخل المجتمع، فكثير من الناجيات تقاسي التجربة مرتين، أولها داخل المعتقل، والثانية خارجه وعند مواجهة الوصمة الاجتماعية والخوف من الرفض والإقصاء".
وإذا كان العنف الجنسيّ والجنسانيّ سلاحا منهجيا في عهد الأسد وفق منظمات حقوقية دولية، إلا أن بسام الأحمد، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقية والعدالة"، يقول إن استخدامه لم يتوقف بسقوط النظام ، بل وحسب قوله، طال نسوة من الطوائف العلوية والدرزية، وهو ما اعتبره "جرس إنذار مقلق يستدعي تحقيقات فورية ومستقلة في جميع الروايات".
ووثقت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة "عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب وسوء المعاملة، والوفيات أثناء الاحتجاز، والاختفاء القسري، والاختطاف، وانتهاكات حقوق السكن والأرض والممتلكات"، في تقرير نشر منتصف مارس/أذار هذا العام. وخلصت اللجنة إلى وجود أنماط واضحة للاستهداف على أساس الانتماء الديني والعرق والعمر والجنس، وأحصى تقريرها مقتل "أكثر من 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين بينهم 100 امرأة، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة". بينما فتحت السلطات الانتقالية في سوريا تحقيقا فوريا وتعهدت بملاحقة الجناة ومحاسبتهم.
تحرير: و.ب
المصدر:
DW