آخر الأخبار

عامان من النجاح والفشل.. هكذا تحطمت وعود ستارمر على صخرة الواقع

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غادر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مقر رئاسة الحكومة في داوننغ ستريت بعد أقل من عامين على وصوله إلى السلطة، تاركا وراءه حصيلة متباينة يصعب تصنيفها بين النجاح والإخفاق.

ففي خطابه الوداعي، أكد ستارمر أنه "يترك البلاد في وضع أفضل مما وجدها فيه"، لكن مراجعات الصحافة البريطانية تكشف صورة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها بعض الإنجازات المؤسسية مع إخفاقات اقتصادية وسياسية، فيما بقيت ملفات الهجرة والإسكان والنمو الاقتصادي عبئا ثقيلا على حكومته حتى اللحظة الأخيرة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بين الردع والابتكار الفضائي.. الصواريخ الصينية تعيد رسم قواعد اللعبة العالمية
* list 2 of 2 "أرادوا كسر إرادتنا".. ناشطة ألمانية تتهم حارسات إسرائيليات باغتصابها end of list

إحباط سياسي وتباطؤ اقتصادي

ورأت صحيفة فايننشال تايمز -في تقرير أعده كريس سميث وإيمي بوريت- أن أكبر قرار سياسي اتخذه ستارمر هو القرار الذي ظل يؤكد أنه لن يضطر إلى اتخاذه أصلا.

فبعد وصوله إلى السلطة مستندا إلى برنامج انتخابي تعهد فيه بعدم رفع الضرائب الرئيسية الثلاث، أقدمت حكومته على زيادة الضرائب بنحو 70 مليار جنيه إسترليني (نحو 89 مليار دولار)، ووجهت معظم هذه الإيرادات الإضافية إلى تمويل الخدمات العامة، وعلى رأسها هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

وأشارت الصحيفة في تقريرها إلى أن هذا القرار شكل الأساس الذي قامت عليه كثير من الإنجازات التي يستند إليها ستارمر في الدفاع عن إرثه السياسي، ومن بينها تقليص قوائم انتظار المرضى في المستشفيات، وإنهاء الحد الأقصى لإعانات الطفلين.

غير أن فايننشال تايمز ترى أن القرار ذاته كان مصدرا لبعض الإحباط السياسي وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهما عاملان أسهما في نهاية المطاف في تعجيل رحيل ستارمر عن مقر رئاسة الحكومة في داوننغ ستريت.

وبحسب التقرير الصحفي، فإن ستارمر سعى في أسابيعه الأخيرة إلى ترسيخ إرثه عبر إقرار ما يعرف بـ"قانون هيلزبورو" الذي يفرض الشفافية على المسؤولين العموميين، وإطلاق خطة استثمار دفاعية، قبل أن يؤكد في آخر جلسة لمساءلة رئيس الوزراء أمام البرلمان قائلا "أغادر والبلاد في وضع أفضل مما وجدتها عليه"

إعلان

لكن الأرقام لا تمنح هذا التقييم دعما كاملا. فعلى الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد ارتفع بنسبة 1.1% منذ الانتخابات، متجاوزا ألمانيا وفرنسا، فإنه بقي دون الولايات المتحدة واليابان، بينما ارتفعت البطالة من 4.1% إلى 4.9%، وفق بيانات نقلتها فايننشال تايمز عن رئيسة مؤسسة "ريزوليوشن فاونديشن" روث كيرتيس.

الإجراءات الضريبية الصارمة التي اتخذتها وزيرة الخزانة ريتشل ريفز ألقت بظلال كثيفة على قطاع الأعمال، مما ساهم في عودة التضخم للارتفاع مجددا

بواسطة الصحفي كورف

وعود ستارمر

وفي تقييم شامل لوعود ستارمر الانتخابية، أكد كبير محللي البيانات في صحيفة ديلي تلغراف أولي كورف أن معظم التعهدات الانتخابية الأساسية لحزب العمال لم تتحقق.

فمن أصل 7 تعهدات رئيسية، صنفت الصحيفة النمو الاقتصادي، وخفض الجريمة، وبناء المساكن ضمن خانة "الفشل"، بينما وضعت تحسين الأجور، وتقليص قوائم الانتظار في المستشفيات، ووقف الهجرة غير النظامية، والتحول للطاقة النظيفة ضمن الوعود "المتعسرة"، معتبرة أن الفجوة بقيت واسعة بين الشعارات والنتائج.

وكان النمو الاقتصادي أبرز رهانات ستارمر، إذ وعد بتحقيق "أعلى معدل نمو مستدام بين دول مجموعة السبع"، غير أن الاقتصاد البريطاني لم يتصدر المجموعة إلا خلال ربع سنة واحدة فقط، في حين جأرت الشركات بالشكوى من آثار زيادة مساهمات التأمين الوطني وارتفاع الحد الأدنى للأجور، في وقت بلغ فيه معدل البطالة أعلى مستوياته منذ نحو 5 سنوات، مع انخفاض حاد في الوظائف الشاغرة هو الأكبر منذ عقد من الزمان.

ويضيف كورف في تقريره أن الإجراءات الضريبية الشديدة التي اتخذتها وزيرة الخزانة ريتشل ريفز ألقت بظلال كثيفة على قطاع الأعمال، مما ساهم في عودة التضخم للارتفاع مجددا وتراجع وتيرة نمو الأجور الحقيقية في القطاع الخاص إلى أقل من نصف ما كانت عليه عند مغادرة المحافظين للحكم.

مصدر الصورة إد ميليباند يغادر مقر دوانينغ ستريت عقب آخر اجتماع للحكومة يرأسه ستارمر يوم 15 يوليو/تموز 2026 (غيتي)

بين الدعم المالي والواقع الميداني

أما على مستوى المعيشة، فقد أشار ستارمر في خطاب استقالته إلى أن الأجور نمت بوتيرة أسرع من التضخم طوال فترة حكمه، إلا أن صحيفة ديلي تلغراف لفتت إلى أن نمو الأجور الحقيقية أصبح أقل بكثير مما كان عليه عند مغادرة المحافظين السلطة، في حين عاد التضخم للارتفاع بعد أن كان قد استقر عند هدف بنك إنجلترا البالغ 2%.

وفي قطاع الصحة، كشفت صحيفتا فايننشال تايمز وتلغراف عن هوة واسعة بين الدعم المالي والنتائج الميدانية، فرغم توجيه 90% من الإنفاق الجاري الإضافي للقطاع الصحي لتصل ميزانيته إلى 232 مليار جنيه إسترليني (نحو 295 مليار دولار)، يوضح مارك ديان من مؤسسة "نوفيلد ترست" للأبحاث الصحية لصحيفة فايننشال تايمز أن الأهداف الرئيسية للخطة العشرية لإصلاح النظام الصحي "لا تزال عمليا في مرحلة التصميم".

ويشير ديان إلى أن قوائم الانتظار، وإن انخفضت إلى نحو 7 ملايين مريض مقارنة بنحو 8 ملايين في عهد حزب المحافظين، بدأت في الارتفاع مجددا في الشهرين الأخيرين، مؤكدا أن وتيرة التقدم الحالية "لا تبدو سريعة بما يكفي" للوفاء بالهدف المرسوم لعلاج 92% من المرضى في غضون 18 أسبوعا بحلول عام 2029.

إعلان

وفي المقابل، برز ملف الطاقة النظيفة بوصفه أحد أكثر المجالات التي أظهرت فيها الحكومة استعدادا مسبقا للحكم، ووفقا لصحيفة تلغراف، قاد وزير الطاقة إد ميليباند إصلاحات واسعة شملت تسهيل مشاريع طاقة الرياح وتعديل قوانين التخطيط وضمان أسعار شراء الكهرباء، حتى أصبحت أكثر من نصف كهرباء بريطانيا تأتي من مصادر متجددة، بحسب فايننشال تايمز.

غير أن معظم الخبراء لا يتوقعون بلوغ هدف إنتاج 95% من الكهرباء من مصادر منخفضة الكربون بحلول 2030، فيما رأت تلغراف أن مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء انخفضت خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مما جعل المشروع يتقدم بوتيرة أبطأ كثيرا من المعلن.

أما في ملف الإسكان، فقد اعتبر كثيرون أن حكومة العمال كانت الأكثر استعدادا فيه مقارنة ببقية الملفات، فقد أعادت أهداف البناء السنوية، وخففت قيود التخطيط، وسمحت بالتوسع في أجزاء من الحزام الأخضر، كما رفعت مستويات الإسكان الاجتماعي.

وفي هذا الخصوص، نقلت فايننشال تايمز عن ماثيو سبراي من شركة "ليتش فيلدز" للاستشارات التخطيطية، هذه الإجراءات بأنها "خطوات مثيرة للإعجاب بحق".

وفي رأيه، أن تلك الإجراءات وضعت الأساس لرفع المعروض إلى 300 ألف منزل سنويا، لكن الواقع ظل بعيدا عن الهدف، إذ لم تتجاوز بدايات البناء نحو 130 ألف وحدة، بينما تراجع إنجاز المنازل مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما دفع تلغراف إلى تصنيف الوعد ببناء 1.5 مليون منزل ضمن الإخفاقات.

مصدر الصورة ستارمر (يسار) يتحدث مع الرئيس ترمب أثناء قمة الناتو التي انعقدت في أنقرة يوم 8 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)

حصيلة مختلطة

ولم يكن ملف الهجرة غير النظامية أقل تعقيدا، إذ اعتبرته صحيفة تلغراف من الوعود المتعسرة، فبعد أن تعهد ستارمر بـ"تحطيم عصابات تهريب البشر"، انخفضت أعداد طلبات اللجوء المتراكمة، لكن أعداد المهاجرين الواصلين عبر القوارب الصغيرة بقيت مرتفعة، بل سجل عام 2025 أكثر من 41 ألف مهاجر، وهو ثاني أعلى رقم في التاريخ.

وقال ميهنيا كويبوش من مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد -وفق فايننشال تايمز- إنه "لا يوجد أي دليل واضح على أن الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا أحدثت فرقا في مستويات الهجرة غير النظامية"، مشيرا إلى أن التغيرات كانت مرتبطة أساسا بالاتجاهات الأوروبية.

وفي الشأن الأمني، لم تحقق الحكومة أيضا وعودها بإعادة الأمن إلى الشوارع، فقد استمرت الجرائم التي تستخدم فيها السكاكين عند مستويات مرتفعة، كما تجاوزت جرائم السرقة من المتاجر نصف مليون حادثة سنويا، بينما انخفض عدد أفراد الشرطة في فرق الأحياء بدلا من زيادته، بحسب تلغراف.

ورغم هذه الحصيلة المختلطة، حافظ ستارمر على صورة رجل الدولة في السياسة الخارجية، فقد أشادت فايننشال تايمز بقدرته على إدارة العلاقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ودعمه الثابت لأوكرانيا، إضافة إلى مساهمته في احتواء التوتر بين واشنطن وكييف، وإن كان مؤيدو التقارب مع الاتحاد الأوروبي داخل حزب العمال قد انتقدوا محدودية إعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد 10 سنوات من خروج بريطانيا منه فيما يُعرف باسم ( البريكست).

مصدر الصورة ستارمر أثناء مغادرته مقر مجلس العموم بعد آخر جلسة يحضرها كرئيس للوزراء في 15 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)

الوداع الأخير

أما المشهد الأخير لستارمر داخل مجلس العموم، فقد رسمته صحيفة التايمز بأسلوبها الساخر المعتاد، ففي تقرير لكاتب الشؤون البرلمانية توم بيك، ظهر رئيس الوزراء محاطا بعائلته للمرة الأولى داخل البرلمان، بينما ضجت القاعة بالتصفيق وخيمت عليها مشاعر الوداع.

وكتب بيك أن مجلس العموم أصبح يُعرف جيدا كيف يؤدي طقوس توديع رؤساء الحكومات، مضيفا أن "العاطفة أصبحت اليوم أهم من الإنجازات".

إعلان

كما أشار إلى أن ستارمر حرص على دعوة عدد من الأشخاص الذين رأى أنهم يمثلون المستفيدين من سياساته، بينهم عاملان في شركة جاكوار لاند روفر، وناشطون في قضايا السرطان والعنف، إضافة إلى السفير الأوكراني، قبل أن يقول "هؤلاء هم الأشخاص الذين دخلت السياسة من أجلهم".

وفي ختام الجلسة، وجه ستارمر كلمته الأخيرة قائلا "إلى زوجتي وأطفالي. أحبكم. وداعا"، ثم غادر القاعة خلال ثوانٍ وسط تصفيق نواب حزبي العمال والديمقراطيين الأحرار بينما التزم المحافظون الصمت.

تواطؤ ضد غزة

لكن الجدل حول إرثه لم يتوقف عند الأداء الداخلي، فقد كشفت صحيفة غارديان -في تقرير أعدته جيرالدين ماكيلفي وألكسندرا توبينغ- عن مواجهة حادة بين حكومة ستارمر ومنظمة "أنقذوا الأطفال" بعد نشر المنظمة رسالة اتهمته فيها بـ"التواطؤ" في مقتل آلاف الفلسطينيين في غزة بسبب استمرار صادرات السلاح البريطانية إلى إسرائيل.

وجاء في الرسالة أن "التاريخ لن ينسى التواطؤ"، معتبرة أن ستارمر كان شاهدا في عهده على مقتل 73 ألف فلسطيني -بينهم 21 ألف طفل- فيما استمرت بلاده في تسليح إسرائيل. وأثار المنشور غضب الحكومة التي طالبت المنظمة بتفسير رسمي، خصوصا أنها تتلقى دعما ماليا حكوميا كبيرا.

وأكدت مستشارة المنظمة ليز برادشو أن الأطفال الفلسطينيين "لا يمكنهم الاستمرار في انتظار تحرك القادة"، مضيفة أن "على رئيس الوزراء الجديد أن يسلك طريقا مختلفا، وأن يضمن ألا تكون بريطانيا متواطئة في انتهاكات حقوق الأطفال".

وطبقا لغارديان، فقد دافعت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر عن سجل الحكومة، مشيرة إلى قرارات تعليق بعض صفقات الأسلحة وفرض عقوبات وتجميد المفاوضات التجارية مع إسرائيل.

غير أن الصحيفة أفادت بأن هذا الدفاع لم يمنع تحالفا إنسانيا واسعا يضم 17 منظمة دولية، من بينها منظمة العفو الدولية و"آكشن إيد"، من مطالبة رئيس الوزراء القادم آندي بيرنهام باتخاذ موقف حاسم ووقف كامل لكافة مبيعات الأسلحة للحكومة الإسرائيلية لضمان ألا تظل بريطانيا شريكا في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا