في جولة الصحف اليوم نتناول مقالات رأي مختلفة منها ما يرصد ملامح شرق أوسط جديد يتأرجح بين إعادة التشكيل وخفض التصعيد الأمريكي الإيراني، وآخر يبحث أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على تجربتها الديمقراطية داخلياً، وأخيراً مقال يسلط الضوء على مراجعة حلفاء الولايات المتحدة لعلاقاتهم الاقتصادية معها.
نبدأ جولتنا بمجلة "مودرن دبلوماسي" ومقال رأي كتبه الشرقاوي الروداني بعنوان "شرق أوسط بين: خفض التصعيد وإعادة تشكيل المنطقة" - ويستهله الكاتب بالإشارة إلى أن تاريخ العلاقات الدولية يُظهر أن الأزمات المعقدة لا تنتهي بمجرد توقيع اتفاق، بل عندما يصبح توازن جديد للقوى مقبولاً لدى الأطراف الفاعلة الرئيسية.
ويقول الكاتب إن مذكرة التفاهم المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران لا تُشكل حتى الآن مثل هذا التوازن، بل هي محاولة لاحتواء مواجهة كانت تداعياتها تهدد بتجاوز إطارها الثنائي، لتؤثر في التوازن الاستراتيجي الأوسع للشرق الأوسط.
كما يضيف أن وراء الملف النووي والعقوبات وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز، تكمن منافسة أوسع تتمحور حول تأمين تدفقات الطاقة والتجارة والملاحة البحرية التي تربط الخليج بالاقتصاد العالمي، وتندرج هذه الديناميكية ضمن جغرافيا سياسية أوسع للممرات الاستراتيجية، إذ أصبحت الموانئ والممرات الملاحية أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الموارد ذاتها.
ويلفت الكاتب إلى أن أهمية الاتفاق تتجاوز حدود بنوده، إذ يعكس الدور الذي يسعى كل طرف إلى شغله داخل بنية إقليمية لا تزال في طور إعادة التشكل، بيد أن نقطة الضعف الرئيسية تكمن في الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع الإقليمي، فالمذكرة تتناول في ذات الوقت مضيق هرمز ولبنان والعقوبات والأمن الإقليمي والملف النووي، إلا أن كل واحدة من هذه القضايا تحكمها منطقية استراتيجية خاصة بها.
ويرى الكاتب أن المرونة المتعمَّدة في نص الاتفاق أتاحت لكل طرف أن يجد فيه عناصر تتوافق مع أهدافه الخاصة، وهذه المرونة تُسهّل إبرام اتفاق سياسي، لكنها تُعقّد عملية التنفيذ حين يتعلق الأمر بتحديد الالتزامات الدقيقة وآليات التطبيق.
من هذا المنطلق، بحسب رأي الكاتب، تبدو المذكرة أقرب إلى صيغة لشراء الوقت استراتيجياً، فطهران تسعى إلى تخفيف القيود التي تثقل كاهل اقتصادها، بالتوازي مع ترسيخ موقعها الإقليمي. أما واشنطن، فتسعى في المقابل إلى تحقيق استقرار في بيئتها الاستراتيجية، مع تشجيع تطوير ممرات بديلة يمكن أن تقلّص تدريجياً المركزية الجيوسياسية لمضيق هرمز.
ويلفت الكاتب إلى أن المذكرة تأتي أيضاً في سياق يتسم بصعود تعدد الأقطاب، حيث باتت العلاقات بين واشنطن وطهران تتأثر على نحو متزايد بالحسابات الاستراتيجية لبكين وموسكو والقوى الصاعدة الكبرى مثل الهند، فبالنسبة لواشنطن، يتمثل أحد الأهداف في منع أزمة إقليمية جديدة تسهم في تعزيز التقارب بين إيران وروسيا والصين. أما بالنسبة لطهران، فإن التوقيع مع الولايات المتحدة يتيح فرصة لتوسيع هامش مناورتها إزاء شركائها الشرقيين، مع تعزيز موقعها التفاوضي على جبهات متعددة في آن واحد.
كما يرى الكاتب أن استدامة الاتفاق ستعتمد جزئياً على قدرة دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، على الحفاظ على وتيرة خفض التصعيد التي برزت خلال السنوات الأخيرة، فبالنسبة لهذه الأطراف، أصبح الاستقرار الإقليمي ضرورة اقتصادية بقدر ما هو هدف أمني.
والسؤال الجوهري الذي يطرحه الكاتب لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق سيصمد خلال فترة التنفيذ، بل، إذا كان الاتفاق قادراً على تهيئة حد أدنى من الاستقرار في ساحات لا تزال المصالح الاستراتيجية للأطراف المعنية فيها متباعدة على نحو كبير، وسيشكل لبنان، ومضيق هرمز، والملف النووي، اختبارات رئيسية لمدى صلابته.
ويختتم الكاتب الشرقاوي الروداني مقاله مشيراً إلى أن مذكرة التفاهم لا تمثل تتويجاً لنظام إقليمي جديد، بقدر ما تعكس مرحلة انتقالية لا يزال فيها أي طرف غير قادر على فرض رؤيته للتوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
ننتقل إلى صحيفة "تلغراف" ومقال رأي كتبه ديفيد فروست بعنوان " الاتحاد الأوروبي ليس ديمقراطياً، بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي أصبحت كذلك أخيراً"، ويستهله الكاتب مشيراً إلى أن المارد الديمقراطي البريطاني خرج من صندوق حُبس داخله لمدة 50 عاماً، ولن يعود إليه مرة أخرى.
ويقول الكاتب إن ثمة فكرة واحدة لا تكف عن إثارة استياء مَن يحكمون الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي أن دولهم ليست ديمقراطيات وطنية كاملة؛ نعم، لديهم انتخابات، وبرلمانات، ووزراء، وكل المظاهر الشكلية لذلك، بيد أنهم يفتقرون إلى القدرة على تغيير الكثير، لأن القضايا الأهم لا تُحسم في عواصمهم، بل في بروكسل.
ويرى الكاتب أن الدول الأعضاء تستطيع تغيير حكوماتها في انتخابات وطنية، لكنها لا تستطيع تغيير ما يمكن لتلك الحكومات أن تفعله بالفعل، وبذلك يصبح الفعل الديمقراطي، إلى حد بعيد، مجرد وهم، أو ادعاء بأن الناخبين قادرون على إحداث تغييرات في السياسات، في حين أنهم لا يستطيعون ذلك في الواقع.
ويلفت الكاتب إلى أن هذا أمر مقصود بحكم التصميم المؤسسي، ويستدل على ذلك بأن مؤسسات الاتحاد الأوروبي أنُشئت على نحو يستبعد القوى الديمقراطية وتقلبات الانتخابات الوطنية؛ نعم، قد يكون البرلمان الأوروبي منتخباً، وقد يتكون المجلس من وزراء وطنيين، لكن هذه الهيئات لا تستطيع سن أي قانون ما لم تقترحه وتُعد مسودته المفوضية غير المنتخبة، ويوافق عليه البرلمان وأغلبيات الوزراء، وتقرّه المحكمة الأوروبية في لوكسمبورغ.
ويضيف الكاتب أن الناخبين الأوروبيين، بدأوا يدركون ذلك، فهم يرون أن التصويت لا يُحدث فرقاً يُذكر، وأن التصويت للأحزاب السياسية التقليدية لا يفعل سوى إقرار الرواتب والمخصصات لمجموعة مختلفة من السياسيين، ولكي يغيّروا شيئاً، يتعين عليهم التصويت لحزب "شعبوي" مناهض للنظام، يتحدى جميع القيود ويُحدث التغيير، وهذا، بطبيعة الحال، هو بالضبط ما نشهده في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.
ويختتم الكاتب ديفيد فروست مقاله مشيراً إلى أن الديمقراطية في بريطانيا تتفجّر من جديد، "ديمقراطيتنا تستعيد حياتها. يمكننا أن نناقش كل قضية في البرلمان وأن نُحدث تغييرات في كل مجال ... نظام الأحزاب لدينا يتطور ليعكس الظروف الجديدة، وأصبح الشعب البريطاني يحكم نفسه من جديد. بريطانيا الآن ديمقراطية كاملة، كما كانت من قبل، يمكن فيها بالفعل تغيير الأمور عبر الانتخابات. ولا تستطيع أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي أن تقول إنها قادرة على ذلك".
نختتم جولتنا بصحيفة "فاينانشيال تايمز" ومقال رأي كتبه غيديون راتشمان بعنوان "حلفاء أمريكا يتطلعون إلى إعلان استقلالهم عن الولايات المتحدة"، ويستهله الكاتب مشيراً إلى أن الشركاء التقليديين للولايات المتحدة يعيدون النظر في علاقاتهم الاقتصادية معها.
ويقول الكاتب إنه عندما تحتفل الولايات المتحدة الشهر المقبل بالذكرى السنوية الـ 250 لإعلان الاستقلال، سيشارك أصدقاؤها وحلفاؤها في الاحتفال، غير أن كثيراً من هذه الدول نفسها تسعى، خلف المشهد، إلى تعزيز استقلالها عن الولايات المتحدة.
ويضيف الكاتب أن الشركاء التقليديين لواشنطن اكتشفوا أن العلاقات الممتدة مع الولايات المتحدة لا توفر لهم حصانة من أساليب الإساءة والضغط التي تنتهجها إدارة ترامب، وهو ما حدث عندما عبّرت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، عن موقف كثيرين حين قالت إن الرئيس الأمريكي يعامل الحلفاء الديمقراطيين، في كثير من الأحيان، على نحو أسوأ من تعامله مع خصومه السلطويين.
ويرى الكاتب أنه في ظل هذا المناخ الجديد، بدأت الروابط الوثيقة مع الولايات المتحدة، التي كانت تُعد في السابق عنصر قوة، تبدو مصدر ضعف محتمل، وقد جاء أقوى إنذار العام الماضي، عندما فرض ترامب رسوماً جمركية باهظة على الأصدقاء والخصوم على السواء. كما أثارت إدارته الشهر الجاري قلقاً جديداً بقرار تقييد وصول الأجانب لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة أنثروبيك، "ميثوس 5" و"فابل 5".
ويلفت الكاتب إلى أن هذه القضايا تتجاوز أوروبا بكثير، فقد لاقت الرسوم الجمركية المفروضة على الهند، وتقارُب ترامب مع باكستان، ردود فعل سلبية للغاية في نيودلهي، وقد نشرت مؤسسة "أوبزرفر ريسيرش فاونديشن"، مركز أبحاث هندي، ورقة بحثية مؤخراً رأت فيها أن ترامب كان له تأثير كبير في قرار الهند شراء طائرات مقاتلة من فرنسا.
ويرى أطراف في آسيا، بحسب الكاتب، أن اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ يُمثل نموذجاً وأداة بناء، ويضم حالياً 12 دولة، من بينها اليابان وكندا وتشيلي وأستراليا والمملكة المتحدة وسنغافورة.
وعلى الرغم من ذلك، ثمة طرق أخرى للتفكير في مشكلة الاعتماد المفرط على حسن نية ترامب أو من يخلفه، فالرد على خطر "مفتاح الإيقاف" الأمريكي، سواء في الذكاء الاصطناعي أو التسليح أو الطاقة، ليس بالضرورة السعي إلى استقلال كامل عن التكنولوجيا أو الموارد الأمريكية، إذ إن مثل هذه السياسة ستكون مكلفة وغير فعّالة وغير واقعية في النهاية.
ويرى الكاتب أن الاستراتيجية البديلة تتمثل في نهج اعتمدته الصين بالفعل، وهو إيجاد "مفتاح إيقاف" خاص بها، ظهر عندما ردّت الحكومة الصينية على الرسوم الأمريكية المرتفعة بفرض قيود صارمة على تصدير المعادن الحيوية، وهي خطوة فعّالة أجبرت الولايات المتحدة على خفض الرسوم.
ويختتم الكاتب غيديون راتشمان مقاله مشيراً إلى أنه يتعين على القوى العالمية تطوير أدواتها الاقتصادية الخاصة، تحسباً للحاجة إليها في المستقبل، مضيفاً أنه "من المؤسف أن ديمقراطيات العالم باتت مضطرة للاستعداد لاحتمال نشوء مواجهة اقتصادية فيما بينها، لكن ذلك هو الواقع الذي أفرزه ترامب".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة