آخر الأخبار

فورين بوليسي: معضلة جرائم الحرب في سوريا

شارك

سلطت مجلة فورين بوليسي الضوء على ما اعتبرته معضلة تواجهها سوريا الجديدة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فهل تستجيب للمطالب الشعبية بإعدام المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، أم تلتزم بالمعايير الدولية التي تتيح لها الحصول على الدعم والتعاون الخارجي اللازمين لكشف مصير المفقودين وتحقيق العدالة الانتقالية؟

وانطلقت المجلة -في مقال بقلم الصحفية الأمريكية ديبورا آموس- من قضية أمجد يوسف، المعروف باسم "جزار التضامن" الذي اعتقل بعد أن وثقت مقاطع مصورة مشاركته في عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في حي التضامن بدمشق في عام 2013.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 توماس فريدمان: ترمب قدّم مصالحه الشخصية على كل شيء في الاتفاق مع إيران
* list 2 of 2 هل تغرب شمس أوروبا؟ قراءة روسية في أزمات القارة end of list

وقد أثار اعتقال أمجد يوسف ارتياحا واسعا بين السوريين الذين عانوا من سنوات القمع والحرب، وتصاعدت الأصوات المطالبة بإعدامه باعتباره رمزا لجرائم النظام السابق، خاصة أن كثيرا من الضحايا وذويهم يرون أن العقاب الأقصى هو الشكل الوحيد المقبول للعدالة بعد سنوات طويلة من القتل والتعذيب والاختفاء القسري.

غير أن الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع تواجه تحديا بالغ التعقيد، لأن إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار يتطلبان تعاونا وثيقا مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة في البحث عن المفقودين والتعرف على رفات الضحايا المنتشرين في عشرات المقابر الجماعية.

مصدر الصورة مصير العديد من المفقودين في سجن صيدنايا بريف دمشق لا يزال لغزًا مؤلمًا ينتظر الحل (وكالة الأناضول)

اختبار مبكر

ويشير المقال إلى أن بعض هذه المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة، لا تستطيع التعاون الكامل مع الدول التي تطبق عقوبة الإعدام، مما يعني أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المدانين قد يؤدي إلى فقدان مصادر حيوية للمعلومات والأدلة والخبرات التقنية.

وتبرز أهمية هذا التعاون في ظل وجود عشرات الآلاف من السوريين الذين اختفوا داخل السجون ومراكز الاحتجاز خلال حكم الأسد، علما أن الكثير من العائلات لا تزال تجهل مصير أبنائها، وتعتمد على التحقيقات الدولية وتقنيات الحمض النووي للكشف عن أماكن دفنهم وهوياتهم.

إعلان

ويحذر خبراء حقوق الإنسان من أن إعدام المتهمين بسرعة قد يحرم السلطات من فرص الحصول على معلومات إضافية عن المقابر الجماعية وسلاسل القيادة والمسؤولين الحقيقيين عن إصدار الأوامر.

كما استعرض المقال أولى محاولات العدالة الانتقالية في سوريا من خلال محاكمة عاطف نجيب، ابن خال بشار الأسد والمسؤول الأمني السابق في درعا، وهو متهم بالإشراف على اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام عام 2011، ويُنظر إلى قضيته باعتبارها اختبارا مبكرا لقدرة الدولة الجديدة على محاسبة رموز النظام السابق عبر القضاء بدلا من الانتقام المباشر.

مصدر الصورة الجلسة العلنية الثانية لمحاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (وزارة العدل السورية)

الإعدام عقبة إضافية

وتوقفت الكاتبة عند قصة حمزة الخطيب، الطفل الذي أصبح أحد أشهر رموز الثورة السورية بعد مقتله تحت التعذيب عام 2011، إذ ما يزال مصير شقيقه عمر مجهولا رغم ثبوت وفاته في سجن صيدنايا.

وتُجسد هذه العائلة التناقض الذي يتحدث عنه المقال، فهي تطالب بمعاقبة المسؤولين بأشد العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التعاون الدولي لمعرفة مصير أبنائها المفقودين.

ويشير التقرير إلى أن محاكمات جرائم الحرب المرتبطة بسوريا لم تبدأ اليوم، إذ سبق للمحاكم الأوروبية في ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا أن دانت عددا من المتورطين الذين وصلوا إلى أراضيها، إلا أن السلطات السورية تسعى إلى إجراء المحاكمات داخل البلاد وأمام قضاة سوريين، مما يسمح للضحايا وعائلاتهم بالمشاركة المباشرة في مسار العدالة.

غير أن تطبيق عقوبة الإعدام يمثل عقبة إضافية، لأن كثيرا من الدول الأوروبية ترفض تسليم المتهمين إلى دول قد تنفذ فيهم أحكاما بالإعدام.

مصدر الصورة نداءات ذوي المفقودين للبحث عن العدالة (وكالة الأناضول)

صعوبات بنيوية

ويتناول المقال أيضا الصعوبات البنيوية التي تواجه القضاء السوري بعد سقوط النظام، لأن الكثير من القضاة غادروا البلاد أو أُقصوا من مناصبهم، كما أن التشريعات الحالية لا تتضمن نصوصا واضحة تتعلق بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ومسؤولية القيادات العليا.

وفي ختام المقال، يطرح ناشطون حقوقيون رؤية مختلفة للعدالة، مفادها أن شخصيات مثل أمجد يوسف قد تكون أكثر فائدة وهي على قيد الحياة داخل قاعات المحاكم منها على أعواد المشانق.

ويرى هؤلاء أن استجواب أمثال أمجد يوسف يمكن أن يكشف شبكات أوسع من المسؤولين، ويساعد في تحديد أماكن المقابر الجماعية، ويثبت العلاقة بين الجرائم والمنظومة الأمنية والعسكرية التي أمرت بها أو تسترت عليها.

ومن هذا المنظور -كما تقول الكاتبة- فإن الهدف لا يقتصر على معاقبة المنفذين المباشرين، بل يمتد إلى كشف الحقيقة الكاملة وتحقيق مساءلة شاملة تشمل جميع مستويات القيادة.

وخلص المقال إلى أن سوريا تقف أمام مفترق طرق حساس بين مطلب شعبي مشروع بالقصاص من مرتكبي الفظائع، وحاجة إستراتيجية إلى الحفاظ على الدعم الدولي الضروري لكشف الحقيقة وتحقيق عدالة انتقالية شاملة، مما يعني أن طريقة التعامل مع قضية عقوبة الإعدام قد تحدد شكل العدالة السورية ومستقبل المصالحة الوطنية في السنوات المقبلة.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا